عثرت بعثة تنقيب مشتركة بين وزارة السياحة والآثار المصرية وجامعة توبنغن الألمانية على أكثر من 43 ألف قطعة فخارية كتب عليها المصريون القدماء تفاصيل حياتهم اليومية.
واكتشف العلماء هذه القطع الفخارية، المعروفة علميا باسم “شقفة مرسومة” أو “شقفة أثرية” (Ostracon)، خلال أعمال التنقيب التي امتدت من عام 2005 حتى عام 2026 في مجمع أتريبس الأثري الواقع على بعد نحو 10 كيلومترات غرب نهر النيل.
13,000 ostraca discovered at Athribis archaeological site in Sohag: https://t.co/dFV1iW4OrR pic.twitter.com/Rdw2PcAlWi
— Talking Pyramids💬 (@Bennu) March 12, 2026
وتكشف هذه القطع الفخارية، التي استخدمها المصريون القدماء كوسيلة يومية للتدوين قبل اختراع الورق، جوانب غير مسبوقة من حياتهم اليومية. فكما نستخدم اليوم المفكرات وقوائم التسوق، كان أسلافنا يدونون ملاحظاتهم على شقف فخارية أو رقائق من الحجر الجيري، تاركين لنا سجلا استثنائيا يعكس تفاصيل حياتهم العادية.
Archaeologists Unearth 43,000 Ancient Egyptian Receipts, Notes, and ‘To Do’ Lists https://t.co/u5w8Etx8oi
— Gizmodo (@Gizmodo) March 16, 2026
ويؤكد كريستيان لايتس، عالم المصريات بجامعة توبنغن، أن هذه الشقف اﻷثرية تظهر تنوعا مذهلا في المواقف اليومية التي وثقها المصريون القدماء، حيث تضمنت النقوش قوائم الضرائب وسجلات التوصيلات، وملاحظات قصيرة عن الأنشطة اليومية، وتمارين تلاميذ المدارس، إلى جانب نصوص دينية وشهادات كهنوتية تثبت جودة الحيوانات المقدسة المستخدمة في الأضاحي.
ويمثل هذا المحتوى اليومي نافذة مباشرة على حياة سكان أتريبس، ما يجعل الشقف اﻷثرية مصدرا تاريخيا مهما لفهم الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.
ويبرز هذا الاكتشاف حقيقة أن الكتابة في مصر القديمة لم تكن حكرا على النصوص الرسمية والدينية فقط. فبينما استخدمت حضارات أخرى مثل بلاد الرافدين الكتابة المسمارية لتسجيل النصوص السياسية والاقتصادية المهمة، يبدو أن المصريين القدماء كانوا أكثر اهتماما بتوثيق تفاصيل حياتهم اليومية العادية، ما يمنحنا اليوم صورة أكثر اكتمالا عن مجتمعهم.
ويتميز موقع أتريبس بتنوعه الزمني واللغوي الفريد، حيث تغطي النصوص المكتشفة فترات زمنية طويلة تمتد من العصر البطلمي (332 ق.م إلى 30 ق.م)، الذي كان العصر الأخير لمصر القديمة قبل السيادة الرومانية، وصولا إلى نصوص من القرنين التاسع والحادي عشر الميلاديين مكتوبة باللغة العربية. ويعكس هذا التنوع استمرارية الاستيطان والكتابة في الموقع عبر عصور متعاقبة.
أما من حيث اللغات والخطوط المستخدمة، فقد سجلت البعثة تنوعا كبيرا، حيث ساد الخط الديموطيقي في النصوص الإدارية خلال العصرين البطلمي والروماني، بينما ظهرت نقوش يونانية بكميات كبيرة، إضافة إلى حالات نادرة من الكتابة الهيروغليفية والعربية.
ويبدو أن الجزء الأكثر إثارة في هذا الاكتشاف هو أن البعثة تعتقد أن العمل لم ينته بعد. ففي عام 2018، وبالقرب من معبد بطليموس الثاني عشر، عثر الفريق على مخزن ضخم للفخاريات، ما دفعهم لتوسيع نطاق التنقيب واكتشاف نحو 40 ألف قطعة في تلك المنطقة وحدها.
ويصف لايتس وتيرة العمل قائلا إن الفريق كان يعثر أحيانا على 50 إلى 100 شقفة في اليوم الواحد. لكن هذا الكم الهائل من القطع الأثرية يمثل تحديا كبيرا للفريق العلمي، حيث تتطلب كل قطعة توثيقا رقميا ثلاثي الأبعاد وفهرسة دقيقة ثم تفسيرا علميا متكاملا. ومع ذلك، يبقى التفاؤل سيد الموقف، حيث يؤكد لايتس توقعهم العثور على المزيد من الشقف الأثرية معتبرا أن العدد الكبير والمتزايد من القطع مشجع رغم التحديات التي يطرحها.
ويمثل هذا الاكتشاف نافذة فريدة على حياة المصريين القدماء اليومية، بعيدا عن الصورة الرسمية التي تقدمها المعابد والمقابر، مؤكدا أن تفاصيل الحياة العادية كانت تستحق التدوين حتى على شقف فخارية بسيطة، ما يثبت أن الإنسان عبر العصور كان حريصا على توثيق يومياته، سواء بالورقة والقلم أو بالحجر والفخار.
المصدر: Gizmodo
إقرأ المزيد
اكتشاف أثري في كومة نفايات يثبت وجود ملك “أسطوري” في السودان
عثر علماء آثار على وثيقة عربية عمرها قرون في كومة نفايات بمدينة دنقلا السودانية، لتتحول بذلك شخصية الملك قشقش من أسطورة شعبية إلى ملك حقيقي مارس حكمه قبل قرون.
قطع أثرية بابلية تكشف عن الوجه الخفي لأحد أشهر الملوك في التاريخ
في أعماق أرض العراق، وتحت أنقاض “زقورة” قديمة (معبد مدرج)، في مدينة كيش الأثرية، ظلت “كبسولة زمنية” مدفونة لأكثر من ألفي عام تحمل سرا عن أحد أشهر ملوك التاريخ.
ألمانيا.. اكتشاف نقوش عمرها 40 ألف عام تكشف أصل الكتابة قبل ظهور الكتابة المسمارية
كشفت دراسة جديدة أن نقوشا قديمة كان يعتقد سابقا أنها مجرد زخارف، قد تكون في الواقع محاولات مبكرة من البشر لتسجيل المعلومات.
مصر.. العثور على موقع أثري عمره 10 آلاف عام يحمل شواهد إسلامية
كشفت بعثة أثرية مصرية عن واحد من أهم المواقع الأثرية الجديدة ذات القيمة التاريخية والفنية الاستثنائية، والذي لم يكن معروفا من قبل، ويُعرف باسم هضبة أم عِراك بجنوب سيناء.