الأنصاري للجزيرة نت: التعليم بمناطق النزاع إسهام في صناعة السلام

في وقت يحيي فيه العالم “اليوم الدولي للتعليم” (24 يناير/ كانون الثاني) تحت وطأة أزمات مركبة، تبرز التساؤلات حول جدوى المفاهيم التقليدية لحق التعلم في مناطق الصراع والنزوح. لم يعد التعليم اليوم مجرد مقعد دراسي أو كتاب مدرسي، بل تحول في ظل النزاعات الممتدة والأزمات المناخية إلى “طوق نجاة” ومنظومة حماية متكاملة ترتبط بالكرامة الإنسانية والتمكين الاقتصادي، وهو ما يضع المؤسسات الدولية أمام تحدي الانتقال من الإغاثة التعليمية المؤقتة إلى بناء نماذج مستدامة تقاوم الانكسار.

وتستضيف “الجزيرة نت” في هذا الحوار مانع الأنصاري، الرئيس التنفيذي للتمكين الاقتصادي بمؤسسة “التعليم فوق الجميع”، للحديث عن تعقيدات المشهد التعليمي والدروس المستفادة من العمل الميداني في مناطق النزاع، وكيف يمكن للتعليم الرقمي أن يقلص الفجوة المعرفية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2منظمة: الذكاء الاصطناعي يحرم طلاب المدارس من الفهم
  • list 2 of 2السودان يشهد أطول فترة إغلاق للمدارس عالميا بسبب الحرب

end of list

  • كيف تغيّر مفهوم “الحق في التعليم” في ظل عالم يشهد نزاعات ممتدة وأزمات مناخية وضغوطا اقتصادية متصاعدة؟

في ظل النزاعات الممتدة، والأزمات المناخية المتفاقمة، والضغوط الاقتصادية غير المسبوقة، لم يعد “الحق في التعليم” يُفهم بوصفه مجرد حق في الالتحاق بالمدرسة، بل أصبح حقًا شاملًا ومركّبًا يرتبط بالكرامة الإنسانية، والحماية، والاستمرارية، وجودة التعلّم في أصعب الظروف.

اليوم، نُدرك أن ملايين الأطفال لا يُحرمون من التعليم بسبب غياب المدارس فقط، بل بسبب النزوح القسري، والفقر، وانعدام الأمن، والكوارث المناخية التي تُغلق المدارس أو تجعل الوصول إليها خطرًا أو مستحيلًا، لذلك، تطوّر مفهوم الحق في التعليم ليشمل ضمان “استمرارية التعلّم أثناء الأزمات”، وحماية الطلاب والمعلمين والبنية التعليمية من الاستهداف، وتوفير بدائل تعليمية مرنة عندما يتعذر التعليم النظامي.

كما أصبح التعليم مرتبطًا بشكل مباشر بالقدرة على الصمود، فالتعلّم اليوم لم يعد مسارًا أكاديميًا فقط، بل أداة أساسية لحماية الأطفال من عمالة الأطفال، والتجنيد، والاستغلال، ولتمكين الشباب من اكتساب مهارات الحياة والعمل التي تساعدهم على التكيّف مع التحولات الاقتصادية والمناخية المتسارعة.

إعلان

من هذا المنطلق، فإن الحق في التعليم في عالم اليوم هو حق في الأمان، وحق في الفرصة، وحق في المستقبل، وهو مسؤولية جماعية تتطلب استثمارات طويلة الأمد، وشراكات فعّالة، وإرادة سياسية وإنسانية تضع التعليم في صميم الاستجابة للأزمات، لا على هامشها.

برنامج قطر للمنح الدراسية التابع لمؤسسة التعليم فوق الجميع يحتقل بتخريج 120 طالبًا في الجامعة الأمريكية في بيروت (مؤسسة التعليم فوق الجميع)
  • ما أبرز الدروس التي خرجت بها مؤسسة التعليم فوق الجميع من العمل في مناطق النزاع، وكيف انعكست هذه الخبرات على تصميم البرامج التعليمية؟

من خلال عملها في مناطق النزاع والأزمات الممتدة، خلصت مؤسسة التعليم فوق الجميع إلى مجموعة من الدروس الجوهرية التي أعادت تشكيل فهمنا لكيفية تصميم وتنفيذ البرامج التعليمية في أكثر البيئات هشاشة.

أول هذه الدروس هو أن التعليم في مناطق النزاع لا يمكن أن يُصمَّم بمعزل عن السياق، فالبرامج التقليدية، مهما بلغت جودتها، تفشل إذا لم تأخذ في الاعتبار واقع النزوح، وانعدام الأمن، والفقر المدقع، والضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال والأسر، لذلك انتقلت المؤسسة من نماذج جاهزة إلى برامج مرنة، قابلة للتكيّف مع تغيّر الأوضاع على الأرض.

الدرس الثاني يتمثل في أن الاستمرارية أهم من الشكل، في كثير من السياقات، لا يكون الهدف هو العودة الفورية إلى التعليم النظامي، بل منع الانقطاع الكامل عن التعلّم، هذا الفهم انعكس في تصميم مسارات تعليمية بديلة، وتعليم مجتمعي، وبرامج تعويض الفاقد التعليمي، بما يضمن بقاء الطفل متصلًا بالتعلّم مهما كانت الظروف.

أما الدرس الثالث، فهو أن حماية التعليم لا تقل أهمية عن توفيره، الاعتداء على المدارس والمعلمين والطلاب واقع متكرر في النزاعات، ولذلك باتت اعتبارات الأمان، والحماية، والدعم النفسي والاجتماعي جزءًا أصيلًا من تصميم البرامج، وليس مكونًا ثانويًا أو لاحقًا.

كما أدركت المؤسسة أن التعليم وحده لا يكفي إذا لم يُترجم إلى فرص حياة أفضل، خصوصًا للشباب، ومن هنا، جرى الربط بشكل أوثق بين التعليم، والمهارات، والتمكين الاقتصادي، لضمان أن يكون التعليم مسارًا حقيقيًا للخروج من دوائر الفقر والهشاشة، وليس محطة مؤقتة.

انعكست هذه الدروس مجتمعة في نهج مؤسسة التعليم فوق الجميع القائم على الشراكات المحلية والدولية، والاستثمار طويل الأمد، ووضع الإنسان في قلب العملية التعليمية، فالخبرة الميدانية أكدت لنا أن التعليم في مناطق النزاع ليس مجرد خدمة تُقدَّم، بل منظومة حماية وأمل وبناء مستقبل، تبدأ من الواقع وتنطلق نحو الاستدامة.

باسطة (يسار) طفلة يمنية لاجئة تبلغ من العمر تسع سنوات ووُلدت في جيبوتي حيث يقود مشروع “توسيع فرص التعلّم” البنك الدولي بالشراكة مع منظمة “علّم طفلاً” (مؤسسة التعليم فوق الجميع)
  • في العالم العربي، ما التحديات التي لا تزال تعيق الوصول العادل إلى التعليم، وكيف تتعامل المؤسسة معها مقارنة بسياقات أخرى؟

في العالم العربي، لا تزال التحديات التي تعيق الوصول العادل إلى التعليم ذات طابع بنيوي ومتداخل، وهي تختلف في حدّتها من بلد إلى آخر، لكنها تشترك في جذور عميقة تتجاوز مسألة البنية التحتية أو الموارد التعليمية المباشرة.

أبرز هذه التحديات يتمثل في النزاعات الممتدة وعدم الاستقرار السياسي، حيث تحوّلت المدارس في بعض السياقات إلى مساحات غير آمنة، أو توقّف التعليم كليًا بسبب النزوح القسري وتفكك المجتمعات، يرافق ذلك تفاوت اقتصادي واجتماعي حاد يجعل الفقر عاملًا رئيسيًا في حرمان الأطفال من التعليم، سواء عبر عمالة الأطفال أو عدم قدرة الأسر على تحمّل التكاليف غير المباشرة للتعلّم.

إعلان

كما تواجه المنطقة تحديًا بنيويًا آخر يتمثل في الفجوة بين التعليم وسوق العمل، خصوصًا لدى الشباب، حيث يؤدي ضعف المواءمة بين المهارات المكتسبة والفرص الاقتصادية المتاحة إلى ارتفاع معدلات التسرب، وفقدان الثقة بقيمة التعليم كمسار للحياة الكريمة، ويُضاف إلى ذلك عدم تكافؤ الفرص التعليمية للفتيات والفئات الأكثر هشاشة في بعض السياقات، نتيجة عوامل ثقافية أو قانونية أو جغرافية.

تتعامل مؤسسة التعليم فوق الجميع مع هذه التحديات من خلال مقاربة شاملة ومتكاملة، تقوم أولًا على فهم السياق المحلي العربي بعمقه الثقافي والاجتماعي، وعدم استنساخ نماذج جاهزة، ففي المنطقة العربية، تولي المؤسسة أولوية خاصة للعمل مع الشركاء الوطنيين والمجتمعات المحلية، وربط التعليم بالحماية الاجتماعية، وبالتمكين الاقتصادي، وبخلق مسارات واقعية للشباب نحو العمل والاعتماد على الذات.

وعلى خلاف بعض السياقات الأخرى التي قد يكون التحدي الأساسي فيها هو الوصول الجغرافي أو ضعف التمويل، فإن عمل المؤسسة في العالم العربي يركز بشكل أكبر على كسر الحلقات المغلقة بين النزاع، والفقر، والتسرب التعليمي، ومعالجة الأسباب الجذرية للحرمان، لا أعراضه فقط، وهذا يشمل الاستثمار طويل الأمد، وبناء أنظمة تعليمية أكثر مرونة، ودعم الفئات المتأثرة بالأزمات بوصفها أولوية إنسانية وتنموية في آن واحد.

من هذا المنطلق، ترى المؤسسة أن تحقيق العدالة التعليمية في العالم العربي لا يمر فقط عبر توسيع الوصول، بل عبر إعادة بناء الثقة بالتعليم كحق، وكرافعة للاستقرار، وكأساس للتنمية المستدامة في المنطقة.

ورشة عمل “خريجو مؤسسة قطر 2024 – الفاخورة” تهدف إلى تزويد المشاركين بالعقلية والمعرفة والمهارات المهنية اللازمة للقيادة الفعّالة في أوقات الأزمات وما بعدها (مؤسسة التعليم فوق الجميع)
  • كيف توازن المؤسسة بين الاستجابة التعليمية الطارئة وضمان تعليم نوعي ومستدام على المدى الطويل؟

تحقيق التوازن بين الاستجابة التعليمية الطارئة وضمان تعليم نوعي ومستدام على المدى الطويل يُعد من صميم نهج مؤسسة التعليم فوق الجميع، وليس خيارًا ثنائيًا بين مسارين منفصلين، فخبرتنا الميدانية أكدت أن الاستجابة السريعة دون رؤية طويلة الأمد تؤدي إلى حلول مؤقتة، بينما التخطيط بعيد المدى دون تدخل فوري يترك أجيالًا كاملة خارج دائرة التعليم.

في حالات الطوارئ، تركز المؤسسة على الاستمرارية أولًا، أي ضمان ألا ينقطع الأطفال عن التعلّم مهما كانت الظروف، يشمل ذلك دعم التعليم المجتمعي، والبرامج المرنة، وتعويض الفاقد التعليمي، وتوفير بيئات آمنة نفسيًا وتعليميًا للأطفال المتأثرين بالنزاع أو النزوح أو الكوارث، الهدف هنا ليس فقط إبقاء الطفل في التعليم، بل حمايته من مخاطر الانقطاع التي قد تكون دائمة.

في الوقت نفسه، تُصمَّم هذه الاستجابات الطارئة منذ البداية كجسر نحو أنظمة تعليمية أكثر استدامة، فالمؤسسة لا تتعامل مع الطوارئ بوصفها حالات استثنائية قصيرة، بل كواقع طويل الأمد في العديد من السياقات، لذلك نحرص على أن تكون التدخلات قابلة للتكامل مع التعليم النظامي، وأن تدعم قدرات المعلمين المحليين، وتُعزّز ملكية المجتمعات والجهات الوطنية للحلول التعليمية.

كما نولي أهمية خاصة لجودة التعليم، حتى في أصعب الظروف، فالتعلّم في الأزمات لا ينبغي أن يكون أقل مستوى أو أقل طموحًا، بل يجب أن يزوّد الأطفال والشباب بالمهارات الأساسية، والدعم النفسي والاجتماعي، ومسارات واضحة للانتقال إلى التعليم الرسمي أو إلى فرص التدريب والعمل لاحقًا.

هذا التوازن يتحقق أيضًا عبر الاستثمار طويل الأمد والشراكات الاستراتيجية، التي تتيح الانتقال من الإغاثة إلى التنمية دون فجوات، فمقاربة مؤسسة التعليم فوق الجميع تقوم على رؤية ترى في التعليم استجابة إنسانية عاجلة، وفي الوقت ذاته أساسًا لبناء الاستقرار، والصمود، والتنمية المستدامة على المدى الطويل.

إعلان

باختصار، نحن لا نفصل بين الطارئ والمستدام، بل نعمل على دمجهما ضمن مسار واحد يضع الطفل والشاب في قلب العملية التعليمية، من لحظة الأزمة وحتى بناء المستقبل.

ورقة تعريفية بمؤسسة التعليم فوق الجميع ومشاريعها (مؤسسة التعليم فوق الجميع)
  • ما دور التعليم في حماية الأطفال والشباب من مخاطر الفقر والتهميش والعمل القسري، خصوصًا في البيئات الهشّة؟

في البيئات الهشّة، لا يقتصر دور التعليم على نقل المعرفة، بل يشكّل خط حماية أساسي للأطفال والشباب من دوائر الفقر، والتهميش، والعمل القسري، وغيرها من أشكال الاستغلال التي تتفاقم في سياقات النزاع والأزمات الاقتصادية.

عندما يُحرم الطفل من التعليم، يصبح أكثر عرضة لعمالة الأطفال، والتجنيد، والزواج المبكر، والانخراط في أنماط معيشية قسرية تُقوّض مستقبله وكرامته، التعليم، في هذا السياق، يعمل كمساحة آمنة تحمي الطفل جسديًا ونفسيًا، وتمنحه شعورًا بالاستقرار والانتماء في عالم مضطرب.

كما يلعب التعليم دورًا محوريًا في كسر الحلقة المفرغة بين الفقر والحرمان، فالتعلّم يزوّد الأطفال والشباب بالمهارات الأساسية، والثقة بالنفس، والقدرة على التفكير النقدي، وهي عناصر ضرورية لمقاومة التهميش وبناء مسارات حياة بديلة عن الاستغلال والعمل القسري. وفي مرحلة الشباب، يصبح التعليم المرتبط بالمهارات والتمكين الاقتصادي أداة مباشرة للانتقال من الاعتماد إلى الإنتاج، ومن الهشاشة إلى الصمود.

في مؤسسة التعليم فوق الجميع، ننظر إلى التعليم بوصفه استثمارًا وقائيًا بقدر ما هو حق إنساني، لذلك، نحرص على أن تتكامل البرامج التعليمية مع الحماية الاجتماعية، والدعم النفسي والاجتماعي، وتمكين الأسر والمجتمعات، بما يخلق بيئة داعمة تُقلّل من الضغوط التي تدفع الأطفال إلى ترك المدرسة.

وفي البيئات الهشّة تحديدًا، يصبح التعليم رسالة أمل ومقاومة سلمية في آن واحد، فهو لا يحمي الأطفال والشباب من المخاطر الآنية فحسب، بل يمنحهم الأدوات اللازمة لإعادة بناء حياتهم ومجتمعاتهم على أسس من الكرامة، والعدالة، والفرص المتكافئة.

  • كيف تترجم مؤسسة التعليم فوق الجميع عمليا الربط بين التعليم والتوظيف، وما أهمية هذا النهج في معالجة بطالة الشباب عربيا؟

نحن نترجم ذلك من خلال رؤية تعتبر أن التعليم لا يحقق أثره الكامل إذا بقي معزولًا عن سبل العيش والفرص الاقتصادية، خصوصًا في العالم العربي حيث تتقاطع التحديات التعليمية مع معدلات مرتفعة من بطالة الشباب وفجوات عميقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، لذلك، تتعامل المؤسسة مع التعليم بوصفه مسارًا متكاملًا يبدأ ببناء المعرفة والمهارات، وينتهي بتمكين الشباب من العمل اللائق أو من إنشاء مشاريع مستدامة.

عمليًا، تقوم هذه المقاربة على تصميم برامج تعليمية وتدريبية مرتبطة بالسياق الاقتصادي المحلي، وبالقطاعات القادرة على خلق فرص حقيقية، فالتركيز لا يكون على الشهادات وحدها، بل على المهارات القابلة للتوظيف، مثل المهارات الرقمية، والريادية، والمهارات الحياتية، إلى جانب الجاهزية المهنية، هذا الربط المبكر بين التعليم وسوق العمل يعيد بناء ثقة الشباب بقيمة التعلّم، ويحوّل التعليم من مسار نظري إلى أداة عملية لتحسين الحياة.

فلسطينيون بكلية هشام حجاوي التقنية في نابلس بالضفة الغربية (مؤسسة التعليم فوق الجميع)

وفي العالم العربي لدينا أمثلة طبقتها مؤسسة التعليم فوق الجميع، فمثلاً في اليمن، حيث يتقاطع النزاع مع الانهيار الاقتصادي، طبّقت المؤسسة هذا النهج من خلال برامج تجمع بين التعليم، والتمكين المالي، وريادة الأعمال، ففي مشروع “مستقبلك”، يُترجم الربط بين التعليم والتوظيف عبر نموذج يجمع القروض الإلكترونية الخالية من الفوائد مع التدريب وبناء القدرات في الشمول المالي وإدارة الأعمال، إضافة إلى الإرشاد الفردي لرواد الأعمال، هذا التكامل مكّن آلاف الشباب من تحويل المعرفة إلى مصدر دخل، والحفاظ على مشاريع قائمة أو إطلاق مشاريع جديدة رغم الهشاشة الشديدة.

كما يوسّع مشروع “دعم ريادة الأعمال والشمول المالي للشباب” هذا النهج ليشمل منحًا وتمويلًا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبناء قدرات غير مالية، مع تركيز خاص على الاقتصاد الأخضر وتمكين المرأة، ما يعزز فرص التشغيل المستدام ويخلق أثرًا يتجاوز الفرد إلى المجتمع.

أما في المغرب، فتعمل المؤسسة على معالجة بطالة الشباب من زاوية فجوة المهارات من خلال دعم برامج تركّز على المواءمة بين التدريب واحتياجات القطاعات الاقتصادية الواعدة، ويتم ذلك عبر شراكات مع مؤسسات محلية متخصصة في التمويل الأصغر والتشغيل، حيث يُدمج التدريب المهني وبناء القدرات مع الوصول إلى التمويل والإرشاد، بما يمكّن الشباب من الاندماج في سوق العمل أو تأسيس أنشطة مدرّة للدخل، هذا النموذج يعكس فهمًا عميقًا بأن التحدي في كثير من السياقات ليس غياب التعليم، بل ضعف الانتقال من التعليم إلى العمل.

إعلان

وفي مصر، تُطبّق المؤسسة مقاربة مشابهة من خلال دعم التشغيل الذاتي وريادة الأعمال، عبر برامج تجمع بين التمويل، والتثقيف المالي، وتطوير الأعمال للشباب، خصوصًا في المناطق التي تعاني من محدودية الفرص الاقتصادية، هنا، يتحول التعليم والتدريب إلى مدخل مباشر لبناء مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، تتيح للشباب الاعتماد على الذات، والمساهمة في الاقتصاد المحلي، بدل انتظار فرص عمل محدودة في القطاعين العام والخاص.

أهمية هذا النهج تكمن في أنه يعالج أحد الأسباب البنيوية لبطالة الشباب عربيًا، وهو الانفصال بين ما يتعلمه الشباب وما يستطيع الاقتصاد استيعابه، من خلال ربط التعليم بالتوظيف، تسهم مؤسسة التعليم فوق الجميع في كسر هذه الحلقة، وتحويل التعليم إلى رافعة للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وليس مجرد مرحلة انتقالية. ومن هذا المنطلق، ترى المؤسسة أن الاستثمار في التعليم المرتبط بالمهارات والفرص الاقتصادية هو استثمار في كرامة الشباب، وفي مستقبل أكثر عدالة واستدامة للمجتمعات العربية.

  • وإلى أي مدى يمكن للتعليم الرقمي أن يكون أداة لتقليص الفجوة التعليمية بدل تعميقها، خاصة في الدول منخفضة الدخل؟

يمكن للتعليم الرقمي أن يكون أداة قوية لتقليص الفجوة التعليمية في الدول منخفضة الدخل، لكنه في الوقت نفسه قد يسهم في تعميقها إذا لم يُصمَّم ويُنفَّذ ضمن مقاربة عادلة وشاملة تراعي واقع الفقر، وضعف البنية التحتية، وعدم تكافؤ الوصول إلى التكنولوجيا.

تُظهر خبرة مؤسسة التعليم فوق الجميع أن التعليم الرقمي لا ينبغي النظر إليه بوصفه بديلًا كاملًا عن التعليم الحضوري، بل كوسيلة مرنة لتوسيع الوصول وضمان استمرارية التعلّم، خصوصًا في سياقات النزاع، والنزوح، والأزمات الصحية والمناخية، فعندما تُغلق المدارس أو يتعذّر الوصول إليها، يمكن للحلول الرقمية أو شبه الرقمية أن تمنع الانقطاع الكامل عن التعليم، وهو في حد ذاته عامل حاسم في تقليص الفجوة.

غير أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تصميم التعليم الرقمي، ففي الدول منخفضة الدخل، لا يمتلك جميع الأطفال والأسر اتصالًا بالإنترنت أو أجهزة ذكية، ما يعني أن الاعتماد على نماذج رقمية عالية التكلفة قد يعمّق الإقصاء بدل معالجته، لذلك، تتبنى المؤسسة نهجًا يقوم على تكييف التكنولوجيا مع الواقع، من خلال حلول منخفضة التكلفة، ومحتوى تعليمي يعمل دون اتصال دائم بالإنترنت، والاستفادة من أدوات بسيطة ومتاحة، إلى جانب دعم التعليم المجتمعي والتعلّم المدمج.

كما تؤكد التجربة أن التعليم الرقمي لا يكون منصفًا ما لم يُدعَم بالاستثمار في المعلمين، وبناء قدراتهم على استخدام التكنولوجيا بفعالية، وضمان جودة المحتوى التعليمي وملاءمته ثقافيًا ولغويًا، فالفجوة ليست رقمية فقط، بل فجوة في المهارات، والدعم، والبيئة المحيطة بالمتعلم.

من هذا المنطلق، ترى مؤسسة التعليم فوق الجميع أن التعليم الرقمي يمكن أن يسهم في تقليص الفجوة التعليمية عندما يُستخدم كأداة تمكين، لا كامتياز للنخبة. وعندما يُدمَج ضمن منظومة تعليمية شاملة تراعي العدالة، وتضع الطفل في مركز الحل، وتربط التكنولوجيا بالاحتياجات الفعلية للمجتمعات، يصبح التعليم الرقمي رافعة للإنصاف وتكافؤ الفرص، لا عاملًا إضافيًا من عوامل التهميش.

فصل دراسي بكلية هشام حجاوي التقنية في نابلس بالضفة الغربية (مؤسسة التعليم فوق الجميع)
  • كيف تسهم الشراكات مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني في تعظيم أثر البرامج التعليمية للمؤسسة؟

تسهم الشراكات مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني بدور محوري في تعظيم أثر برامج مؤسسة التعليم فوق الجميع، لأنها تتيح الانتقال من تدخلات محدودة النطاق إلى حلول منهجية مستدامة قادرة على إحداث تغيير واسع وطويل الأمد، فالتعليم، خصوصًا في سياقات النزاع والهشاشة، لا يمكن أن ينجح عبر جهة واحدة تعمل بمعزل عن غيرها، بل يتطلب تكاملًا في الأدوار والمسؤوليات.

على مستوى الشراكات مع الحكومات، تُمكّن هذه العلاقة المؤسسة من مواءمة برامجها مع السياسات الوطنية والأنظمة التعليمية القائمة، بما يعزز فرص الاستدامة والتوسّع، العمل مع الجهات الحكومية يضمن أن تكون التدخلات التعليمية جزءًا من المنظومة الوطنية، لا حلولًا موازية أو مؤقتة، كما يسهّل إدماج الأطفال والشباب المستفيدين في التعليم النظامي أو في مسارات معترف بها رسميًا، ويعزز بناء القدرات المحلية على المدى الطويل.

أما الشراكات مع المنظمات الدولية، فهي تضيف بعدًا عالميًا من حيث الخبرة، والمعايير، وحشد الموارد، والتأثير في السياسات الدولية المتعلقة بحماية التعليم في النزاعات والاستجابة للأزمات، من خلال هذا التعاون، تتمكن المؤسسة من توسيع نطاق برامجها جغرافيًا، والاستفادة من الأدلة والبيانات العالمية، وضمان أن تكون تدخلاتها متسقة مع الأطر الدولية لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة.

وفي المقابل، يلعب المجتمع المدني دورًا لا غنى عنه في الوصول إلى الفئات الأكثر هشاشة، وفهم السياق المحلي بعمق، الشراكات مع المنظمات المحلية تتيح تصميم برامج أكثر حساسية للواقع الاجتماعي والثقافي، وتُعزّز ثقة المجتمعات بالتدخلات التعليمية، وتضمن وصول الخدمات إلى من هم خارج نطاق الأنظمة الرسمية، كما تسهم هذه الشراكات في المتابعة الميدانية، والتعلّم المستمر، والتكيّف السريع مع المتغيرات على الأرض.

من خلال هذا التكامل بين الشركاء، تتحول برامج مؤسسة التعليم فوق الجميع من مبادرات منفردة إلى منظومات تأثير متكاملة، تجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتنفيذ العملي، وبين الاستجابة الإنسانية العاجلة وبناء الأنظمة المستدامة، وبهذا المعنى، فإن الشراكات ليست أداة داعمة فحسب، بل ركيزة أساسية لضمان أن يصل التعليم إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه، وأن يظل حقًا قابلًا للتحقق حتى في أكثر البيئات تحديًا.

  • في اليوم الدولي للتعليم، ما الرسالة التي تودون توجيهها لصنّاع القرار في العالم العربي والعالم بشأن الاستثمار في التعليم كخيار استراتيجي؟

في اليوم الدولي للتعليم، تتمثل رسالتنا إلى صنّاع القرار في العالم العربي والعالم في أن الاستثمار في التعليم لم يعد خيارًا تنمويًا مؤجلًا أو بندًا قابلًا للتقليص في أوقات الأزمات، بل هو خيار استراتيجي حاسم يحدد مسار الاستقرار، والتنمية، والسلم الاجتماعي على المدى الطويل.

في عالم يشهد نزاعات متزايدة، وصدمات مناخية، وتحولات اقتصادية متسارعة، أثبتت التجربة أن كلفة إهمال التعليم تفوق بكثير كلفة الاستثمار فيه، فكل طفل يُحرم من التعليم اليوم، هو فجوة أكبر في رأس المال البشري غدًا، وكل نظام تعليمي ضعيف هو بيئة أكثر هشاشة أمام الفقر، والتطرف، وعدم الاستقرار. التعليم ليس استجابة لاحقة للأزمات، بل هو خط الوقاية الأول منها.

في السياق العربي تحديدًا، حيث تشكّل فئة الشباب النسبة الأكبر من السكان، فإن الاستثمار في التعليم الجيد والمرتبط بالمهارات وفرص العمل هو استثمار مباشر في مستقبل المنطقة، التعليم القادر على تمكين الشباب من التفكير، والابتكار، والمشاركة الاقتصادية هو ما يحوّل الفرصة الديموغرافية إلى قوة تنموية، بدل أن تتحول إلى مصدر ضغط اجتماعي واقتصادي.

كما نود التأكيد على أن الاستثمار في التعليم يجب أن يكون شاملًا وعادلًا، يصل إلى الأطفال والشباب في النزاعات، ومناطق النزوح، والمجتمعات المهمّشة، وألا يقتصر على الفئات الأكثر حظًا، حماية التعليم في الأزمات، وضمان استمراريته وجودته، وبناء أنظمة تعليمية مرنة وقادرة على الصمود، هي قرارات سياسية بقدر ما هي التزامات إنسانية.

رسالتنا في هذا اليوم واضحة: التعليم ليس كلفة، بل عائد طويل الأمد على الإنسان والمجتمع والدولة، وكل تأخير في الاستثمار فيه هو تأخير في الاستقرار والتنمية والعدالة.

أما وضع التعليم في صدارة الأولويات، فهو الخيار الأكثر حكمة لبناء مستقبل أكثر أمنًا وإنصافًا واستدامة للجميع.

 

المصدر: الجزيرة