الإنجاز الذي لم تحققه.. لماذا تمنحك فيديوهات التنظيف شعورا بالراحة؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد إعجاب بالنظافة أو الترتيب، لكن ما يجذب ملايين المشاهدين إلى مشاهدة المقاطع المصورة التي تتعلق بتنظيف المنازل وغسل السجاد وترتيب وتنظيم المطابخ أعمق من ذلك بكثير. الأمر ليس أنك معجب فقط بنتيجة التنظيف، لكن ما يحدث هو أن عقلك يتفاعل مع التحول نفسه؛ مع رحلة الانتقال من الفوضى إلى النظام، ومن المشهد المربك إلى الصورة الهادئة الواضحة، التي تمنح شعورا بالارتياح والاطمئنان.

يكمن سر جاذبية مقاطع التنظيف في أنها تمنح الدماغ ما يحب رؤيته: مهمة تكتمل، وفوضى تتحول إلى نظام، وشعورا باستعادة السيطرة، وكل ذلك في وقت قصير.

لماذا يعشق الدماغ رؤية الفوضى وهي تتحول إلى نظام؟

تشير كلمة “الفوضى” إلى الأشياء المبعثرة وغير المنظمة. وبشكل عام، وتستخدم عادة لوصف الأغراض التي تتراكم في المنازل دون أن تكون قيد الاستخدام بالضرورة. ورغم أن أثرها يبدو ماديا في المقام الأول، فإن الدراسات تشير إلى أن الفوضى لا تشغل المكان فقط، بل قد تنعكس أيضا على الصحة النفسية والقدرات الذهنية.

تشير الأدلة النفسية إلى أن الفوضى البصرية ليست مجرد تفاصيل متناثرة، بل تمثل مجموعة من المثيرات التي تتنافس باستمرار على جذب انتباه الدماغ. ولأن العقل لا يستطيع معالجة سوى عدد محدود من المحفزات في الوقت نفسه، فإن تكدس الأغراض أمام العين يفرض عليه توزيع موارده المعرفية على عناصر متعددة، مما يزيد صعوبة التركيز على المهمة الأساسية. ولهذا يشعر كثير من الناس بأن الأماكن المزدحمة بالأغراض تستنزف انتباههم وتشتت أفكارهم أكثر من المساحات المرتبة.

وعندما تختفي الفوضى من أمام أعيننا، يحدث العكس تماما. فالمشهد يصبح أبسط وأكثر قابلية للفهم، ويقل عدد العناصر التي يتعين على الدماغ معالجتها، هذه البساطة لا تمنح المكان مظهرا أجمل فحسب، بل تمنح العقل أيضا فرصة للعمل بكفاءة أكبر والتركيز بصورة أفضل.

Having fun doing chores, dancing and singing father and daughter cleaning the living room together at home. Carefree, happy and cheerful parent bonding, doing housework and playing with little girl. adobe stock
تمنح النظافة العقل فرصة للعمل بكفاءة أكبر والتركيز بصورة أفضل (غيتي)

لا يتوقف الأمر عند الانتباه والتركيز فقط، إذ ترتبط البيئات المرتبة لدى الكثير من الأشخاص بشعور أكبر بالهدوء والسيطرة. فحين تبدو الأشياء في أماكنها الصحيحة، يشعر الفرد بأن محيطه أكثر قابلية للإدارة وأقل إرباكا، وهو ما ينعكس على حالته النفسية ويجعله أكثر راحة.

إعلان

وتدعم الدراسات هذا الانطباع؛ إذ تشير إلى أن البيئات غير المرتبة ترتبط غالبا بارتفاع مستويات التوتر. ففي إحدى الدراسات، سجلت النساء اللواتي وصفن منازلهن بعبارات إيجابية مستويات أقل من هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، مقارنة بمن وصفن منازلهن بأنها فوضوية أو غير مرتبة.

بناء على هذه التأثيرات النفسية، فإن فيديوهات التنظيف تلبي حاجة ذهنية عميقة إلى الترتيب والنظام، لأن أدمغتنا تبحث، ولو لدقائق، عن عالم يبدو أكثر ترتيبا. ففي كل إسفنجة تمسح سطحا، وكل سجادة تستعيد لونها، وكل غرفة تعود إلى نظامها، يحصل الدماغ على إحساس مريح بالوضوح والتنظيم والإحساس بالاكتمال والسيطرة، وكأن العبء البصري الذي كان يضغط على الانتباه قد اختفى، ولو لدقائق قليلة، من أمام عينيه، حتى وإن بقيت الفوضى الحقيقية في انتظارنا خارج الشاشة.

“المكافأة بالوكالة”

قد يبدو غريبا أن ينتهي مقطع مصور قصير لشخص ينظف مطبخه أو يعيد ترتيب غرفة فوضوية، بينما يشعر المشاهد بشيء من الهدوء والرضا، رغم أنه لم يشارك في المهمة ولم يبذل أي جهد. هذا الشعور يكشف عن قدرة مذهلة للعقل تخص التفاعل مع تجارب الآخرين بطريقة تتجاوز مجرد المشاهدة.

وتشير أبحاث علم الأعصاب إلى أن الدماغ لا يتعامل مع نجاحات الآخرين بوصفها أحداثا لا تعنيه، بل قد يستجيب لها كما لو أنها تحمل قيمة شخصية. فكما نشعر بالحماس عندما يفوز فريقنا المفضل، أو نتأثر بمشهد مؤثر في فيلم، يمكن أيضا أن نشعر بالرضا عندما نرى شخصا آخر ينجز مهمة حتى نهايتها.

تشير مراجعة علمية نُشرت في مجلة “نيوروإيميج” (NeuroImage)، وحللت نتائج 25 دراسة استخدمت التصوير الوظيفي للدماغ، إلى أن الإنسان لا يشعر بالمكافأة عند حصوله شخصيا على نتيجة إيجابية فقط، بل يمكن أن يستجيب دماغه أيضا عندما يشاهد شخصا آخر ينال مكافأة أو يحقق نجاحا، ويُعرف هذا النمط في علم النفس وعلم الأعصاب باسم “المكافأة بالوكالة”.

أوضحت المراجعة أن بعض المناطق الدماغية المسؤولة عن معالجة وتقييم المكافآت لا تنشط فقط عندما يحصل الإنسان على مكافأة تخصه، وإنما تستجيب أيضا عندما يشاهد شخصا آخر يحقق مكسبا أو ينال نتيجة إيجابية، إذ يعالج الدماغ جزءا من مكافآت الآخرين وكأنها تحمل قيمة بالنسبة له، حتى وإن لم يكن هو المستفيد المباشر منها.

ولا يقتصر الأمر على المكافآت فقط، بل يمتد إلى طريقتنا في معالجة الأفعال التي نشاهدها. وفقا لمراجعة علمية نُشرت في مجلة ” مجلة “مراجعات علوم الأعصاب والسلوك الحيوي”” (Neuroscience & Biobehavioral Reviews) يضم الدماغ ما يُعرف بـ”نظام الخلايا العصبية المرآتية”، وهو شبكة من الخلايا الدماغية التي تنشط عند أداء فعل معين أو عند مشاهدة شخص آخر يقوم بالفعل نفسه، فعندما نرى شخصا آخر يقوم بفعل معين، تنشط لدينا نفس الدوائر العصبية التي كانت ستعمل لو قمنا نحن بهذا الفعل بأنفسنا، ويرى الباحثون أن هذا النظام يسهم في فهم أفعال الآخرين والتعلم بالملاحظة والتفاعل الاجتماعي.

Upset man in messy kitchen. Many dirty dishware, utensils and food leftovers on table adobe stock
البيئات غير المرتبة تزيد غالبا من الشعور بالتوتر لدى معظم الناس (غيتي)

ويشير عالم الأعصاب الإيطالي فيتوريو غاليزي، في إطار نظرية “المحاكاة المتجسدة” (Embodied Simulation)، إلى أن الدماغ لا يكتفي برصد أفعال الآخرين، بل يبني لها تمثيلا عصبيا داخليا يساعد على فهمها والتفاعل معها. ويرى الباحثون أن هذه الآلية تفسر جانبا من شعور الإنسان بالانخراط فيما يشاهده، حتى وإن لم يؤد الفعل بنفسه

إعلان

ومن هذا المنظور، يمكن تحقيق فهم أعمق لسبب جاذبية فيديوهات التنظيف، والتي يتابع المشاهد من خلالها شخصا ينتقل بمكانه من الفوضى إلى النظام، بينما تسمح آليات الدماغ الخاصة بمحاكاة الأفعال والاستجابة لمكافآت الآخرين بدرجة كبيرة من التفاعل مع هذه التجربة. لذلك، قد يبدو الرضا الذي يشعر به البعض بعد انتهاء المقطع وكأنه صدى عصبي لمشهد الإنجاز الذي تابعوه، حتى وإن ظل هذا الإنجاز من نصيب شخص آخر.

ما علاقة استجابة ASMR بفيديوهات التنظيف؟

يُستخدم مصطلح (ASMR) لوصف استجابة حسية يشعر خلالها بعض الأشخاص بوخز لطيف يبدأ غالبا من فروة الرأس وقد يمتد إلى الرقبة أو العمود الفقري، ويصاحبه إحساس عميق بالاسترخاء، حتى إن البعض يطلق عليه اسم “نشوة الدماغ”.

وتُثار هذه الاستجابة بمحفزات سمعية أو بصرية معينة، مثل الهمس، أو اللمسات اللطيفة، أو مشاهدة شخص يؤدي مهمة بهدوء ودقة.

وليس الهدف من جميع فيديوهات التنظيف تقديم تجربة ASMR، لكن كثيرا منها يتضمن، عن قصد أو من دونه، عناصر تعد من أكثر محفزات هذه الاستجابة شيوعا، مثل أصوات الماء، ورش المنظفات، والكشط، والمسح، إلى جانب الحركات البطيئة والمتكررة، وهو ما يفسر شعور بعض المشاهدين بالهدوء والاسترخاء أثناء متابعتها.

Smiling cleaning lady in a green uniform and yellow rubber gloves at work adobe stock
مشاهدة فيديوهات التنظيف تمنحنا شعورا بالإنجاز (غيتي)

يلجأ كثير من الأشخاص إلى مقاطع ASMR بهدف الاسترخاء أو تحسين المزاج أو المساعدة على النوم. وقد أظهرت دراسة أجريت عام 2018 أن مشاهدة هذه المقاطع تنشط لدى الأشخاص الذين يختبرون هذه الاستجابة مناطق في الدماغ ترتبط بالمكافأة والانفعال العاطفي، مما قد يفسر تأثيرها المهدئ لدى البعض.

وقد يكون هذا أحد أسباب انجذاب بعض الأشخاص إلى فيديوهات التنظيف، إذ تتضمن أصوات الماء، ورش المنظفات، والمسح، والحركات البطيئة، وهي محفزات تتشابه مع أكثر مثيرات ASMR شيوعا، وقد تمنح بعض المشاهدين شعورا بالهدوء والاسترخاء.

ومع ذلك، تبقى هذه الفوائد مؤقتة. فمشاهدة فيديوهات التنظيف قد تساعد على تخفيف التوتر وتحسين المزاج لفترة قصيرة، لكنها لا تعالج القلق أو الاكتئاب أو التسويف، ولا ترتب المنزل بالطبع. بل قد تتحول لدى بعض الأشخاص إلى وسيلة للتسويف، فيكتفون بالشعور بالإنجاز من خلال مشاهدة الآخرين ينجزون المهام بدلا من القيام بها بأنفسهم.

 

المصدر: الجزيرة