البايلا الوهرانية.. عندما يحاك التاريخ الإسباني بنكهة الساحل الجزائري

وهران – تتداخل أصوات المطبخ المفتوح وحركة المقالي الضخمة في بلدة “عين الترك” الساحلية مع نسيم البحر الأبيض المتوسط، حيث توثق “الجزيرة نت” ميدانيًّا تفاصيل إعداد طبق “البايلا” الوهرانية في قلب المطعم، وتجمع شهادات حية من صانعي هذا الطبق وزواره، في أجواء تعبق بروائح الزعفران والمأكولات البحرية الطازجة.

هنا، خلف الواجهات المفتوحة على الشارع، وفي المشاهد التي رصدتها “الجزيرة نت” من حركة المطبخ، لا تعد “البايلا” مجرد وجبة تُقدّم على عجالة، بل هي طقس حقيقي يستحضر قرونًا من التداخل الإسباني-الجزائري، ويتوج الثروة السمكية التي يجود بها الساحل الوهراني.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2ليس آمنا دائما.. أطعمة لا تضعها في ورق الألومنيوم
  • list 2 of 2الشوفان أم الصويا أم اللوز؟.. أي حليب نباتي يناسبك؟

end of list

في مدينة تُعرف محليًّا بـ”الباهية”، حيث تقف قلعة “سانتا كروز” الإسبانية في أعلى قمة جبل “مرجاجو”، شاهدة على حقبة تاريخية امتدت ثلاثة قرون (1509–1792)، يترجم المطبخ الوهراني ذاكرة التماس الثقافي بين ضفتين، محوّلًا أكلة الصيادين الإسبان الوافدة إلى رمز أصيل للهوية الطهوية الجزائرية.

سِرّ الخبرة.. الأرز المشبع بالنكهة

تظهر المشاهد التي رصدتها “الجزيرة نت” داخل المطعم حركة متناسقة أمام مقالي “البايلا” الضخمة، حيث يشرف الحرفي عباسي جمال الدين، الملقب بـ”الرايس”، رفقة شقيقته، على عملية الطهي المباشر أمام أنظار الزوار، فيما يتصاعد البخار محتضنًا ألوان الجمبري وقطع “الكالمار” وأذرع الأخطبوط والمحار، التي تزين سطح المقلاة إلى جانب شرائح الليمون الصفراء.

وفي تصريح خاص بـ”الجزيرة نت”، يتحدث جمال الدين عباسي عن بداياته وحرفته قائلًا: “أنا حرفي في إعداد أطباق البايلا، ورثت هذه الحرفة عن الأجداد والآباء. أعتبر نفسي سفيرًا للبايلا الجزائرية الوهرانية؛ حيث قمت بالترويج لها في مختلف الولايات. بدأت الفكرة عندما كنت مقيمًا خارج الوطن، ثم قررت العودة والاستثمار في بلادي. والحمد لله، حقق الطبق نجاحًا واسعًا، وأصبح معروفًا ومطلوبًا داخل الوطن وخارجه”.

إعلان

ويشرح “الرايس” جمال الدين، في حديثه لـ”الجزيرة نت”، اللمسة الجزائرية التي تميز البايلا الوهرانية عن أصلها الإسباني المنحدر من منطقة فالنسيا: “البايلا الوهرانية مختلفة عن البايلا الإسبانية؛ ففي الطبق الإسباني يُطهى الأرز والمكونات بشكل منفصل، أما طريقتي فهي خاصة، وهي طريقة وهرانية أبًا عن جد، وتعتمد على طهي الأرز مباشرة داخل المرق والصوص، ثم تجفيفه ليتشرب جميع النكهات”.

ويتابع جمال الدين، موضحًا فلسفة عمله الممتدة لعقود: “سر اللذة يكمن في الحرفة والإتقان؛ لدي خبرة تمتد إلى 27 عامًا في هذا المجال. نقوم بتحضير الطبق أنا وأختي، وعندما تقدم شيئًا مميزًا ونظيفًا، مع التركيز على الجودة والذوق، يأتي إليك الزبائن من كل مكان”.

المفهوم الشعبي الذي يُدار به مطعم "الرايس" يسعى إلى إعادة الطبق إلى أصوله الشعبية
المفهوم الشعبي الذي يُدار به مطعم “الرايس” يسعى إلى إعادة الطبق إلى أصوله الشعبية (الجزيرة)

ثروة البحر لجميع الفئات

ارتبطت المأكولات البحرية في العديد من العواصم العالمية بالارتفاع الملحوظ في أسعارها، غير أن المفهوم الشعبي الذي يُدار به مطعم “الرايس” يسعى إلى إعادة الطبق إلى أصوله الشعبية، مستفيدًا من وفرة الصيد الصباحي في الموانئ الساحلية لغرب الجزائر.

وعن المعادلة بين ارتفاع أسعار السمك وجعل الطبق متاحًا للعموم، يوضح جمال الدين لـ”الجزيرة نت”: “البداية لم تكن سهلة، لكن هذا من فضل الله. أسعار الأسماك مرتفعة، وكان طبق البايلا يُصنف سابقا طبقا للأغنياء فقط. الفكرة التي عملنا عليها هي إلغاء هذا التمييز؛ فجعلنا الطبق متاحًا للفقير والغني على حد سواء، ليتمكن الجميع من تذوق خيرات البحر”.

تتجلى هذه السياسة في طبيعة الإقبال الميداني الذي رصدته “الجزيرة نت”، حيث تلتقي العائلات والعمال والسياح حول طاولات واحدة لمشاركة المقلاة العائلية، مما عزز مكانة المطعم بوصفه محطة رئيسية في المسار السياحي لولاية وهران.

وجهة المغتربين والسياح.. ذاكرة التذوق

لا يتوقف إغراء “البايلا” الوهرانية عند حدود السكان المحليين، بل يتحول إلى نقطة جذب ثابتة لأبناء الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج، وللسياح الوافدين للاستمتاع بشواطئ غرب الجزائر والمعالم التاريخية للمدينة.

وفي شهادة سجلتها “الجزيرة نت” مع زوار المكان، يعبّر طبيب قلب مغترب قادم من فرنسا عن ارتباطه بهذا المقصد الطهوي قائلًا: “تحياتي، أنا طبيب قلب وأقيم في فرنسا. أتيت إلى هنا عدة مرات خصيصًا لتناول البايلا، وبصراحة الطبق لذيذ جدًا وممتاز. أحيي أخي جمال، ما شاء الله، الخدمة والجودة عاليتان، وبارك الله في هذه الأيادي”.

تُظهر هذه الانطباعات الحية لـ”الجزيرة نت” كيف تتحول الوجبة الشعبية إلى عنصر جذب في “سياحة التذوق”، حيث يحرص أبناء الجالية على إعادة اكتشاف النكهات المحلية التي تمزج بين المطبخ المتوسطي وعمق التقاليد الجزائرية في استخدام التوابل ومرق الأسماك.

تُمثل البايلا الوهرانية نموذجا حيا لما يُعرف في الدراسات الأنثروبولوجية بـ"التلاقح الثقافي عبر الطعام"
تُمثل البايلا الوهرانية نموذجا حيا لما يُعرف في الدراسات الأنثروبولوجية بـ”التلاقح الثقافي عبر الطعام” (الجزيرة)

امتداد تاريخي وثقافي عابر للضفتين

تُمثل البايلا الوهرانية نموذجا حيا لما يُعرف في الدراسات الأنثروبولوجية بـ”التلاقح الثقافي عبر الطعام”. فكما امتد تأثير الوجود الإسباني في وهران ليزوّد اللهجة المحلية بمفردات شائعة، انعكس هذا الجوار الجغرافي والتاريخي على المائدة الوهرانية.

إعلان

وتشهد التقاليد الطهوية الجزائرية على قدرة عالية على استقبال الوصفات البحرية المتوسطية وإعادة إنتاجها بخصوصية محلية، من خلال الاعتماد على التوابل الشرقية كـ”رأس الحانوت” والكمون والثوم وغيرها، إلى جانب الطهي البطيء الذي يضمن تشرب الأرز للنكهات المستخلصة من أسماك القاع وفواكه البحر الطازجة.

ومع تنامي الاهتمام بالسياحة الثقافية في الجزائر، تبرز مدن مثل وهران نموذجًا للمقاصد التي تقدم تجربة متكاملة؛ حيث تمتزج زيارة الحصون التاريخية والتجول في الأزقة القديمة كـ”سيدي الهواري” بتناول أطباق شعبية تلخص تاريخًا كاملًا من التفاعلات بين شعوب ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

 

المصدر: الجزيرة