“صورتك في الثمانينيات” عنوان لترند حظي بانتشار واسع بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، استعانوا فيه بالذكاء الاصطناعي للعودة بالزمن إلى الوراء، وتحديدا إلى حقبة الثمانينيات. وبدت الصور مفعمة بالحياة والجمال، بتأثيرات وتفاصيل دفعت الكثيرين إلى المشاركة، تارة بدافع الفضول، وتارة أخرى بدافع الحنين.
لكنّ “الترند”، الذي أعاد أشخاصا لم يكونوا قد وُلدوا بعد أكثر من 40 عاما إلى الوراء، لم يكن مجانيا تماما كما بدا؛ إذ كانت له كلفة نفسية وعقلية وبيئية غير مرئية.
ساسة وفنانون يعودون إلى الوراء
انتشر الترند في العديد من دول العالم في توقيت متقارب، من دون أن يتضح مَن أطلق شرارته الأولى. لكنّ الهند برزت بوصفها إحدى أبرز بؤر انتشاره، بعدما شارك فيه كثير من المشاهير والسياسيين الهنود، من بينهم الوزير بيوش غويال، إلى جانب عدد من الفنانين والشخصيات العامة.
وتتلخص الفكرة في رفع المستخدم صورته الحالية إلى إحدى أدوات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي، مثل شات جي بي تي أو جيمناي، وطلب إعادة تخيلها كأنها التُقطت في الثمانينيات. ويعيد الذكاء الاصطناعي تصميم الصورة، مستحضرا تفاصيل تلك الحقبة في بلد المستخدم، على اختلافها، مثل:
- طراز الملابس
- تسريحات الشعر
- والمكياج الإكسسوارات
- الخلفيات
- الإضاءة الناعمة
- ألوان الصور
- نوع الكاميرا
- التأثير الحُبيبي المميز للصور الفيلمية
وتنوعت أنماط الصور التي طلبها المستخدمون بين صور بورتريه بالأبيض والأسود، وصور زفاف قديمة، ولقطات تبدو كأنها مأخوذة من ألبوم عائلي، إلى جانب صور من حفلات الديسكو، وأخرى تحاكي صور الكلية أو المدرسة خلال الثمانينيات.
نوستالجيا أم تزييف عميق للماضي؟
تبدو كلفة صناعة ماضٍ لم يحدث باهظة حين يبدأ المستخدمون في مقارنة حياتهم الواقعية بصور مثالية أنتجها الذكاء الاصطناعي، يظهرون فيها بملامح أجمل، وأجساد أنحف، وشعر وملابس وبيوت أفضل من واقعهم. وقد تؤدي هذه المقارنات إلى تراجع الرضا عن المظهر وتقدير الجسد؛ وهو ما أشارت إليه دراسة منشورة عام 2026، شملت 291 امرأة أمريكية تتراوح أعمارهن بين 18 و31 عاما، ووجدت أن التعرض للصور المختلقة بالذكاء الاصطناعي أثر سلبا في نظرتهن إلى أجسادهن ورضاهن عنها.
ولا تقتصر المشكلة على تقديم صورة مثالية للواقع، بل تمتد إلى إعادة إنتاج صور نمطية عن بعض الحقب والفئات بدلا من تمثيلها بدقة. وأظهرت دراسة، على سبيل المثال، أن الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي والمتعلقة بالاضطرابات النفسية كانت أكثر نمطية وإثارة للوصمة من الصور الإعلامية التقليدية.
تقدم هذه الصور ملامح أجمل وحنينا أعمق وتأثيرا عاطفيا قويا، لكنها قد تخلق لدى كثيرين نوستالجيا تجاه واقع صنعته نماذج الذكاء الاصطناعي، لا تجاه ثمانينيات حقيقية عاشها الناس بما حملته من جوانب إيجابية وأخرى سلبية. وبحسب دراسة منشورة في مارس/آذار 2026، قد يؤدي ذلك إلى تكوين تحيزات معرفية تجاه ماضٍ مختلق بالكامل.
لكنّ الخطر يتجاوز التأثير العاطفي إلى سؤال أكثر إلحاحا: ماذا لو تحولت ملايين الصور المولدة، التي تبدو واقعية للغاية، إلى أرشيف رقمي يُستخدم بعد سنوات باعتباره توثيقا حقيقيا؟ فقد أشارت دراسة إلى أن الصور ومقاطع الفيديو المزيفة لشخصيات تاريخية أثرت في دقة الذاكرة والقدرة على الحكم على صحة المعلومات، بينما تناولت دراسة أحدث دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في تغيير الطريقة التي يتصور بها الناس الماضي ويستعيدونه؛ وهي ظاهرة يمكن وصفها بـ”التزييف العميق للماضي”.
نزيف بيئي صامت
وُلدت أكثر من 15 مليار صورة باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي بين عامي 2022 و2023، بمعدل بلغ نحو 34 مليون صورة يوميا خلال عام 2023. وبحسب تقرير صادر عن جامعة الأمم المتحدة عام 2026 بشأن التكاليف البيئية الخفية المصاحبة للطفرة الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن توليد صورة جميلة ليس فعلا بريئا أو مجانيا من الناحية البيئية.
وتُظهر الترندات القائمة على إنتاج ملايين الصور، مثل ترند “صورتك في الثمانينيات”، الجانب الأكثر استهلاكا للطاقة في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُعرف بـ”مرحلة الاستدلال”؛ أي تشغيل النموذج لتوليد استجابات للمستخدمين، لا مجرد تدريبه وتغذيته بالبيانات. وبحسب التقرير، تستحوذ هذه المرحلة على ما بين 80 و90% من إجمالي الطاقة التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن كلفة إنتاج الصورة الواحدة قد تبدو محدودة، فإنها تصبح مؤثرة عند تكرار العملية ملايين المرات يوميا، خصوصا أن توليد صورة واحدة يستهلك طاقة تعادل نحو 60 ضعفا ما تتطلبه إجابة نصية قصيرة. وتشمل البصمة البيئية للصورة الواحدة:
- استهلاك نحو 2.9 واط/ساعة من الكهرباء، وهي كمية تكفي لتشغيل مصباح “ليد” بقدرة 10 واط لمدة 17 دقيقة.
- إنتاج نحو 1.22 غرام من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.
- استهلاك ما بين 28.6 و29 مليلترا من المياه، بسبب تبريد مراكز البيانات وإنتاج الكهرباء، أي ما يعادل نحو ملعقتي طعام كبيرتين.
ولا تشمل هذه الأرقام توليد مقاطع الفيديو بالذكاء الاصطناعي، الذي يتطلب كميات أكبر من الطاقة. ويتوقع التقرير أنه إذا بلغ معدل التوليد 300 مليون صورة يوميا، مع انتشار التطبيقات والترندات المشابهة لـ”صورتك في الثمانينيات”، فستصل الكلفة السنوية إلى:
- نحو 318 غيغا واط/ساعة من الكهرباء، وهي طاقة تكفي لتغطية الاستهلاك الكهربائي المنزلي لنحو 2.5 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء لمدة عام.
- انبعاث أكثر من 134 ألف طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، ويتطلب تعويضها زراعة أكثر من 2.2 مليون شتلة وتركها تنمو لمدة 10 سنوات.
- استهلاك أكثر من 3 مليارات لتر من المياه، تكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية لنحو 400 ألف شخص في أفريقيا جنوب الصحراء لمدة عام.
- شغل مساحة تقارب 4.8 كيلومترات مربعة لإنتاج الطاقة اللازمة، بما يعادل مساحة 665 ملعب كرة قدم.
لذلك، يدعو التقرير إلى الحد من استخدام الخصائص ذات البصمة البيئية المرتفعة، مثل توليد الصور ومقاطع الفيديو، وقصرها على الحالات التي تقدم قيمة حقيقية. كما ينصح بكتابة أوامر موجزة وطلب إجابات مختصرة، إذ يمكن أن يوفر ذلك كميات كبيرة من الطاقة عند تطبيقه على نطاق واسع.
ويؤكد الباحثون المشاركون في التقرير أن للأفراد تأثيرا مباشرا من خلال خياراتهم اليومية؛ فالقرارات البسيطة، حين تتكرر على مستوى ملايين المستخدمين، قد تُحدث فارقا كبيرا في إجمالي الطاقة والموارد المستهلكة.
المصدر: الجزيرة