يُنصح الرياضيون بغمر أجسامهم في الماء المثلج بعد المباريات، ويُقال إن لذلك مزايا رائعة للعضلات، لكن هل يفيد ذلك عضلاتهم حقاً! أم أنه يضرها؟
دأب آندي موراي، لاعب التنس البريطاني المعتزل والمصنف الأول عالمياً سابقاً، بعد كل مباراة، على الاستحمام وتناول قسطٍ من الطعام والشراب، ثم الذهاب لجلسة تدليك، وينهي ذلك بالجلوس في حوض استحمامٍ مليء بالماء المثلج، تتراوح درجة حرارته بين ثمان وعشر درجاتٍ مئوية. وهناك رياضيون آخرون يغمرون أجسامهم في الماء البارد، للمساعدة في استعادة قوة عضلاتهم بعد إجهادها في المنافسات.
وبالمثل، اعتادت جيسيكا إينيس هيل، بطلة مسابقات السباعي المعتزلة – وهي مسابقاتٌ أوليمبيةٌ لألعاب القوى للسيدات – على غمر جسدها بالماء البارد لمساعدة عضلاتها على التعافي.
ومن المعروف أن غمر الجسم في الماء البارد يقلل تدفق الدم، ما يُبطّئُ من عمليةِ بناءِ البروتين اللازم لنمو العضلات، إذ تعيد العضلة بناء نفسها بعد الإصابة أو التمزق.
ومن ثم، فإن المحاولات التي يبذلها الناس لتقليل أعراض الالتهاب قد يكون ضررها أكبر من نفعها.
ولأن الالتهاب يسبب الآلام، فقد يعمد الناس إلى تقليل الالتهاب لتخفيف الشعور بالألم، لكن بعض الأدلة تشير إلى أن تخفيف الالتهاب يعيق استشفاءَ وبناءَ العضلات.
وقد تضاربت نتائجُ الدراسات التي أجريت حول استخدام مضادات الالتهاب، مثل “أيبوبروفين”، وخلص البعض منها إلى أنه في حين سيشعر المريض بالراحة إذا خفّ الألم، فإن الحدّ من أعراض الالتهاب قد يُبطّئ عملية تجدد خلايا العضلات.
وفي المقابل، خلص مسحٌ علمي لأفضل الدراسات في هذا الصدد إلى أن بعض الالتهابات تفيد الجسم، ولا يفضل القضاء على استجابة الجسم لها.
وقد تتوقف مدى فعالية الالتهاب في بناء العضلات على عمر الشخص.
فعندما تناول بعضُ كبار السن، الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً، مضادات التهاب أثناء ممارسة التمرينات، في إطار برنامجٍ تدريبي مدته 12 أسبوعاً، زاد حجم عضلاتهم، مقارنة بمن تناولوا عقاراً وهمياً.
وهذا يعني أن مضادات الالتهاب مع التمرينات الشاقة تزيد من نمو العضلات، على الأقل مع الرياضين الأكبر سناً.
لكن هذا يختلف مع الرياضيين الأصغر سناً، الذين اعتادوا ممارسة الرياضة أكثر من غيرهم، إذ يمكن أن تعيق مضادات الالتهاب استعادة عضلاتهم لقوتها.
ولغمر الجسم في الماء البارد نفس الأثر، على الرغم من أن استخدام الثلج كان فعالاً بصورة أكثر وضوحاً في الحيوانات. وعندما وُضع الثلج على عضلاتِ فأرٍ يخضع للتجربة تحت تأثير التخدير، قلّ الالتهاب لديه، ولم تقل سرعةُ تجدد خلايا العضلات.
لكن يبدو أن الثلج لم يُحدث الأثر نفسه لدى البشر، بسبب الفارق في حجم العضلات، وإن كان يقلل من التورم والألم.
وكشفت إحدى الدراسات، أنه عندما مارس المشاركون تدريباتِ بناءِ العضلات وزيادة القوة على مدار ثلاثة أشهر، وكانوا يغمرون أجسامهم في ماءٍ مثلجٍ بعد الانتهاء من التدريبات، تباطأت الزيادة في حجم العضلات وقوتها، مقارنةً بأولئك الذين لم يستخدموا الماء المثلج.
وقد نشر فريق من الباحثين من أستراليا، والنرويج، واليابان دراسة، قارنوا فيها بين غمر الجسم في ماءٍ مثلجٍ وبين ممارسة التمرينات الخفيفة، وليس الراحة، بعد ممارسة التمرينات الرياضية الشاقة (وهذا ما يفعله في الحقيقة الكثير من اللاعبين).
وفي هذه الدراسة، شارك تسعة رجال بنشاطٍ في تمارينِ بناءِ وتقويةِ العضلات، ورفعِ الأثقال، وغير ذلك من التمرينات، على مدار 45 دقيقة.
وفي الأسبوع الأول، كانوا يغمرون الجزء الأسفل من أجسامهم حتى الخصر في مغطس مطاطي مليء بالماء البارد، لمدة عشر دقائق بعد الانتهاء من التمرينات.
وفي الأسبوع التالي، كانت الخطوات اللاحقة للتمرينات أيسر وأخف ألماً، فكان عليهم التدرب على الدراجة الثابتة بوتيرة أبطأ لمدة عشر دقائق فقط.
وقد أخذ الباحثون عيناتِ دمٍ من المشاركين، في أوقاتٍ متفرقة، قبل التمرين والجلوس في الماء المثلج وبعدهما. كما أخذوا عينيتين من أنسجةِ عضلةِ الفخذ، إحداهما بعد 24 ساعة والأخرى بعد 48 ساعة من غمر الجسم في الماء البارد أو ركوب الدراجة.
وكما هو متوقع، زادت دلالات وجود الالتهابات واستجابة الجسم لإجهاد العضلات بعد التدريبات، لكن لم يُحدث الماء البارد أي تأثيرٍ على مستويات الالتهاب، فلم يقلل الماء البارد من الالتهاب.
إذن، هل يقلل الجلوس في الماء البارد بالفعل من أعراض الالتهاب؟ ربما لا.
وهل تريد أن تخفف من أعراض الالتهاب بهذه الطريقة، على الرغم من أن ذلك قد يؤدي إلى تأخير استعادة قوة العضلات؟
ولا ينكر بيك أن الماء البارد يفيد في تسريع التعافي أثناء المنافسات الرياضية الكبرى، ولكنه ليس مفيداً إن كنت تريد أن تحصل على عضلات قوية على المدى البعيد.
ولأول مرة، لدينا الآن بعض الأبحاث التي تثبت أن شيئاً مؤلماً وغير محبب للنفس قد لا يكون نافعاً على المدى البعيد.
وهناك الكثير من الأشياء الممتعة والمحببة للنفس التي قد تسبب لنا الضرر، لذا، فلن يتأثر الرياضيون كثيراً لو لم يمارسوا السلوك الذي ما يزال محل دراسة حالياً.