انهالت دموع يانز وهي تخبر جورج بصوت متهدج أن علاقتهما لا يمكن أن تستمر. وسارت يانز، البالغة من العمر 28 عاماً ببطء إلى منزلها في هونغ كونغ وتنفست الصعداء، لكن قلبها كان منفطراً.
فبعد أن انهارت علاقتهما مرتين في غضون شهرين، قررت يانز أن تكون هذه المرة هي الأخيرة التي لا رجعة فيها أبداً.
وتقول يانز عن مشاعرها بعد الانفصال في المرتين السابقتين: “كنت أفتقده كثيرا، وكان شريط الذكريات يمر أمام عيني. لهذا عدت إليه مرتين. لكن طباعنا وتوجهاتنا كانت مختلفة ولم يتغير أي منا. لذا حذفته من كل حساباتي على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيقنت أن هذه هي المرة الأخيرة التي نكون فيها معاً”.
ومع ذلك، اتضح أن الحنين إلى الحبيب السابق بعد الانفصال ظاهرة شائعة قد تتكرر على مدار حياتنا، إذ أشارت دراسة إلى أن ثلث المشاركين فيها من طلاب الجامعات الأمريكية، أقاموا علاقات متذبذبة تتأرجح بين الانفصال والعودة مرات عديدة. في حين ذكر نصفهم أنهم أقاموا علاقات حميمية مع شركاء حياتهم السابقين بعد الانفصال.
وتعلل هيلين فيشر، عالمة الأعصاب بمعهد كينسي، قائلة عندما يحدث الانفصال، يدخل المرء في طور “احتجاج”، إذ تتملك الطرف المرفوض رغبة جارفة لاستعادة حب الطرف الذي يقرر إنهاء العلاقة.
لذا يزداد إفراز الدوبامين والناقل العصبي نوريبنفرين المرتبط بالضغط العصبي، وتزداد الرغبة في ملاحقة من رفضنا وجعلنا نشعر بالإحباط. ولهذا تقول فيشر إن البعض قد يذهب إلى أبعد حد لاستعطاف الطرف الذي رفضه حتى يصفح عنه.
ولاحظ الفريق أن منطقة “النواة المتكئة” المرتبطة بالإدمان في الدماغ نشطت لدى المشاركين، رجالاً ونساء، وكانوا يفكرون بشكل مبالغ فيه في شركاء حياتهم الذين رفضوهم ويتلهفون للعودة إليهم.
وتقول فيشر إن من انفصل عن شريك حياته ثم عاد إليه مرات عديدة، يدمن كل منهم الآخر، ولن يتمكنا من الانفصال تماماً إلا بعد أن يتخلصوا من ذلك الإدمان”.
وهناك أيضا أسباب سلوكية قد تحمل المرء على إحياء علاقات حُكم عليها بالفشل.
يقول رين ديلي، الباحث في العلاقات العاطفية بجامعة تكساس، إن شعلة الحب والتعلق بين شريكي الحياة قد لا تنطفئ رغم كثرة الخلافات.
وربما يكون سبب الانفصال هو عدم القدرة على حل الخلافات أو التعامل معها. وربما يشعر الطرفان أنهما أصلحا علاقتهما ويحاولان تجديدها.
وقد يلعب الحنين والخوف من الوحدة دوراً في حث المرء على الصفح والعودة.
وتقول كريستين مارك، الأستاذة المتخصصة في الصحة الجنسية بجامعة كنتاكي: “إن من يشعر بالرغبة في العودة إلى شريك حياته السابق رغم أنه كان يعاني من سوء المعاملة، يخشى في الغالب من الوحدة، إذ يفتقد هذا الجانب الإيجابي من العلاقة، ويشعر بالفقدان والحزن بسبب الانفصال”.
وأشارت دراسة أجريت على مشاركين مروا بتجربة انفصال مؤخراً، إلى أنه كلما زاد الشعور بالخوف من العزوبية، زاد الشعور بالحنين إلى شريك الحياة السابق وزادت الرغبة في إعادة المياه إلى مجاريها.
ويرى غيل سالتز، أستاذ الطب النفسي بكلية وايل كورنيل للطب في نيويورك، أن مواقع التواصل الاجتماعي، كـ”فيسبوك” وغيره، تسهّل العثور على شريك الحياة أو الحبيب السابق وإحياء العلاقة مجدداً.
وبالتالي، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تحول دون طي صفحة الماضي والبدء من جديد، بحسبه، إذ يظل رواد هذه المواقع يراقبون خفية منشورات شركاء حياتهم أو رفقائهم السابقين”.
لهذا، ليس من المستغرب أن تكون السلوكيات السلبية أثناء الانفصال أكثر انتشارا بين أبناء جيل الألفية والجيل الذي يليه “الجيل زد”.
وتفسر بروغارد ذلك بالقول إن أبناء هذين الجيلين الأصغر سناً أكثر عرضة للاكتئاب والقلق، ويهتمون بشدة بالقبول الاجتماعي أكثر مما يهتم به أقرانهم الأكبر سناً.
وقد ظهرت سوق جديدة لتقديم الدعم لمن يعانون من ألم الانفصال؛ حيث يساعد مدربو التغلب على آلام الانفصال عملاءهم إما على تجاوز المحنة أو العودة إلى الحبيب السابق. ويقدم البعض نصائح عبر المنتديات ومقاطع فيديو وبرامج تبث عبر الإنترنت، تحقق ملايين المشاهدات.
ويقترح الكثيرون إرسال رسائل نصية لرفاقهم أو أزواجهم السابقين لتذكيرهم بالأوقات الممتعة التي أمضياها معاً، وإثبات أنهم تغيروا أثناء هذه الفترة.
وعن مزايا الانقطاع عن التواصل بشريك الحياة السابق، تقول فيشر: “إن التعافي من انكسار القلب يشبه علاج الإدمان، إذ يتطلب الأمر الابتعاد عن كل ما يذكرك بشريك الحياة السابق، والتوقف عن متابعة حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي وقطع الاتصال به”.
وترجع بروغارد ذلك إلى أن هذه الفترة تساعد على تخفيف حدة المشاعر السلبية، كالغضب وخيبة الأمل وما إلى ذلك.
وتحكي ليليان، الشابة العشرينية من هونغ كونغ، أنها كانت تبحث عن طرق عبر الإنترنت للتودد إلى رفيقها بعد أيام من الانفصال عنه، وصادفت مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يقدمه مدرب متخصص في المواعدة.
وقدم المدرب نصائح حول كيفية الابتعاد عن شريك الحياة السابق ومحاولة جذب انتباهه مرة أخرى.
وتقول ليليان: “اقترح المدرب معادوة الاتصال برفيقي بعد 30 يوماً من الانفصال، وأن أرتدي ثياباً أنيقة في أول لقاء، لأثبت أنني غيرت من نفسي”.
وتنصح بروغارد في المقابل من يعاني من مرارة الانفصال، بأن يقرأ عن العلاقات والانفصال من مصادر موثوقة، بدلاً من إنفاق المال على جلسات مدربي الانفصال.
في الوقت نفسه، تحذر بروغارد من إضاعة الوقت والمجهود في محاولات التودد إلى شريك الحياة السابق واستعادة حبه.
ويقال إن الطريقة الأسهل للتصالح وتسوية الخلافات، هي التحدث بصراحة عن الأخطاء التي أدت إلى انهيار العلاقة، لكن في حالة إخفاق جميع مساعي الصلح، تنصح فيشر بالنظر إلى الجانب الإيجابي، فبعد مرحلة “الاحتجاج” على الفراق، قد يمر الدماغ بمرحلة يأس، ثم مرحلة قبول تليها مرحلة لامبالاة ونضج.
وتقول فيشر: “بعد الألم الشديد والمرارة والخوف يأتي التعافي. صحيح أنك لن تنسى من قرر الانفصال عنك، لكنك ستتجاوز المحنة وتحب إنساناً آخر”.