في بلد لطالما اعتزّ بتقاليده المطبخية وإرثه اللغوي، لم تعد المائدة مجرد مساحة للمشاركة، بل تحولت إلى “حقل ألغام” سياسي ومؤشر حاد على انقسام الهوية.
فبين الدجاج الحلال والخنزير المشوي والكسكسي وحتى اللغة العربية، تتجدد معارك قديمة حول معنى أن تكون فرنسيا في مجتمع بات أكثر تنوعا من أي وقت مضى.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ويعود الجدل حول الطعام في فرنسا إلى واجهة النقاش السياسي بقوة مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي في عام 2027، لكن القضية هذه المرة لا تتعلق بالأسعار أو القدرة الشرائية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى أسئلة أعمق تتصل بالهوية والانتماء والاندماج.
وفي تقرير لصحيفة لوتان ، يتضح كيف تتحول الوجبات اليومية والممارسات اللغوية في فرنسا إلى أدوات استقطاب سياسي عشية هذه الاستحقاقات الانتخابية.
وتسلط الصحيفة السويسرية الضوء على ما تصفه بـ”أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية الفرنسية”، مشيرة إلى أن الطعام تحول مجددا إلى ساحة مواجهة بين من يدعو للتعددية الثقافية بفرنسا ومن يتمسك بصورة تقليدية للتراث الوطني.
ففي نهاية الأسبوع الماضي، تقول لوتان، اختار رئيس الوزراء الفرنسي السابق والمرشح الرئاسي المعلن غابرييل أتال الظهور وسط أجواء ريفية في منطقة أوبراك، حيث تناول أطعمة تقليدية تضم اللحوم والنقانق والنبيذ.

وأضافت أنه يمكن من خلال هذه الفعالية استحضار رمزية “الأرض والتراث” التي اشتهر بها الرئيس الراحل جاك شيراك.
غير أن هذا المشهد جاء في سياق نقاش محتدم حول الغذاء والهوية، بعد جدلين متوازيين هزا الساحة الفرنسية:
- الأول يتعلق بسلسلة مطاعم “ماستر بوليه” المتخصصة في الدجاج الحلال منخفض التكلفة،
- الثاني مرتبط بولائم “الكانون الفرنسي” التي تقدم الخنزير المشوي ومنتجات المزارع التقليدية باعتبارها رمزا للتراث الفرنسي.
وتستخلص لوتان من ذلك أن فرنسا باتت أمام “هويتين تتواجهان عبر المطبخ”: هوية منفتحة تستوعب المسلمين وعاداتهم الغذائية، وأخرى تتمسك بأطعمة تحظرها الشريعة الإسلامية فيما تعتبرها هي جزءا من الثقافة الوطنية.
لوتان: فرنسا باتت أمام “هويتين تتواجهان عبر المطبخ”: هوية منفتحة تستوعب المسلمين وعاداتهم الغذائية، وأخرى تتمسك بأطعمة تحظرها الشريعة الإسلامية فيما تعتبرها هي جزءا من الثقافة الوطنية
ويرى علماء الاجتماع أن تسييس الغذاء في فرنسا ليس أمراً عابراً، بل هو جزء من البنية الثقافية للمجتمع.
وفي هذا السياق، ينقل تقرير لوتان عن عالم الاجتماع كلود فيشلر، الباحث في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، قوله: “لا توجد قضية أكثر سياسية من الغذاء”.
ويوضح فيشلر أن الوصول إلى الموارد وتقاسمها وتحديد من يحق له الاستفادة منها يمثل أحد الأسس التي قامت عليها المجتمعات البشرية.
ويضيف أن الغذاء “قضية عالمية في كل مكان، لكنها في فرنسا أكثر مركزية من أي بلد آخر”، مرجعا ذلك إلى المكانة الخاصة التي يحتلها الطعام، بوصفه طقسا اجتماعيا وعائليا، في الثقافة الفرنسية.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يدخل فيها الطعام قلب المعارك الانتخابية، ففي انتخابات 2012 دار سجال حاد بين زعيمة اليمين المتطرف آنذاك مارين لوبان وزعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون حول اللحوم الحلال.
كما شهدت انتخابات 2022 مواجهة بين المرشح الشيوعي فابيان روسيل والمدافعة البيئية ساندرين روسو بشأن ثقافة الشواء واستهلاك اللحوم.
صدام الهويات
وتتجلى المعركة الحالية في مطبخ الهوية الفرنسية من خلال نموذجين متناقضين يمثلان شرخاً اجتماعياً وسياسياً عميقاً، وفقا للمجلة:
-
ماستر بوليه
في مدينة سانت أوين (شمال باريس)، تقدم سلسلة مطاعم وجبات سريعة، يطلق عليها “ماستر بوليه”، وهو دجاج حلال بأسعار شعبية (نحو 4.3 دولارات) للوجبة.
وقد تعرضت لانتقادات من العمدة الاشتراكي كريم بوعمران بدعوى “تجانس التجارة” ومشكلات تتعلق بالضوضاء والروائح.

لكن نوابا ومسؤولين من حزب “فرنسا الأبية” اليساري دافعوا عن هذه المطاعم التي تستقطب الشباب وذوي الدخل المحدود بفضل أسعارها المنخفضة.
وترى لوتان أن القضية الحقيقية لا تتعلق بالدجاج الحلال بقدر ما ترتبط بالنقاش الدائر حول ما يعرف بــ”تحسين الأحياء الشعبية” عبر إحلال طبقات اجتماعية أكثر ثراء محل السكان الأصليين.
كما تلفت الصحيفة إلى أن النظرة الإقصائية للمطاعم التي تقدم اللحوم الحلال أو الكباب هي جزء من معركة تمتد جذورها -وفقاً لفيشلر- إلى نهاية الثمانينات عندما جعل حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف) من الكباب هدفاً سياسياً.
الكانون الفرنسي
وعلى النقيض من ذلك تماماً، تبرز مأدبة الخنزير المشوي التي تنظمها شركة فعاليات ممولة من الملياردير المحافظ المتشدد بيير إدوارد ستيرين.
هذه الولائم، التي تدعمها الجبهة الوطنية وتقدم الخنزير والخمور بأسعار مرتفعة (نحو 86 دولاراً) للمقعد، تُتهم من قِبل اليسار بأنها “مناهضة للمسلمين” ومبنية على الإقصاء.
وقد فتحت النيابة العامة في كاين تحقيقاً في إحدى هذه الحفلات بعد تقارير عن إطلاق شعارات عنصرية وأداء التحية النازية.

وأثار أحد هذه التجمعات في مدينة كاين جدلا واسعا بعدما فتحت النيابة العامة تحقيقا بشأن مزاعم تتحدث عن صدور عبارات عنصرية وأداء تحيات نازية خلال إحدى الولائم.
الكسكسي والعربية
لم يكن الغذاء وحده ساحة الصراع، فاللغة والمأكولات القادمة من شمال أفريقيا تحمل إرثاً طويلاً من التجاذب السياسي والاجتماعي.
ويؤكد التقرير أن توظيف الطعام في الصراعات السياسية ليس جديدا في فرنسا.
ففي عام 2010 نظم ناشطون من جماعات اليمين المتطرف ما عرف بـ”حفلات النبيذ والنقانق” في حي “غوت دور” الباريسي ذي الكثافة المهاجرة، باعتبار ذلك ردا رمزيا على الحضور الإسلامي في الحي.
وقبل ذلك بسنوات، كان الكباب هدفا لحملات سياسية قادتها أوساط اليمين المتطرف منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزال بعض مرشحي التجمع الوطني يطالبون بتقييد انتشار المطاعم الحلال والشرقية.
أما الكسكسي، الذي أصبح اليوم من أكثر الأطباق شعبية في فرنسا، فقد تحول خلال انتخابات 1988 إلى أداة للسخرية السياسية عندما استهدف أنصار اليمين المتطرف الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران بشعار: “حرية، مساواة، كسكسي”، في تحوير ساخر لشعار الجمهورية الفرنسية (حرية-مساواة-إخاء).
ولا يقتصر الجدل على الطعام وحده، بل يمتد إلى اللغة العربية نفسها باعتبارها أحد أبرز رموز الحضور المغاربي في فرنسا.
ففي شهادة نشرتها مجلة لوبس، تروي الشابة لينا، المولودة في فرنسا لأبوين من المغرب والجزائر، كيف عاشت علاقة معقدة مع العربية بسبب الضغوط الاجتماعية والصور النمطية المرتبطة بالمهاجرين.
وتقول: “كنت أرى اللغة والأصول شيئا يدعو إلى الخجل”، موضحة أنها كانت تطلب من والدتها التحدث بالفرنسية أمام صديقاتها خشية أن ينظر إليها باعتبارها “أجنبية”.
لكنها تؤكد اليوم أن تعلم العربية أصبح بالنسبة لها “استعادة للهوية” و”ردا على صعود اليمين المتطرف”، مضيفة: “يمكن أن نفتخر بكوننا فرنسيين ونعتز في الوقت نفسه بأصولنا”.
وتعكس هذه الشهادة تحولا أوسع في أوساط أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين المغاربيين، الذين باتوا يرون في العربية والكسكسي والعادات الثقافية الموروثة جزءا من هويتهم الفرنسية المركبة، لا نقيضا لها.
بينما تنشغل الطبقة السياسية بمعارك الدجاج الحلال والخنزير المشوي، يبدو أن القضية الحقيقية تكمن في البحث عن صيغة جديدة للتعايش داخل مجتمع فرنسي تتعدد فيه الهويات والانتماءات
وترى المؤرخة جوليا تسيرغو أن هذه التشنجات حول المأكل والمشرب واللغة تعكس أزمة أعمق تواجه النموذج الفرنسي التقليدي.
وتقول إن هذه التوترات ازدادت خلال العقد الأخير، مع تنامي النزعات الهوياتية لدى أطراف متعارضة سياسيا، لكنها تتفق -رغم اختلاف مواقعها- على تحويل الممارسات الغذائية والثقافية إلى أدوات لتعريف الجماعات وتصنيفها.

وفي نظرها، فإن الجدل حول الحلال أو الكسكسي أو اللغة العربية لا يتعلق فعليا بالطعام أو اللغة بحد ذاتهما، بل بأسئلة أكبر حول مكانة التنوع الثقافي والديني داخل فرنسا المعاصرة.
وهكذا، بينما تنشغل الطبقة السياسية بمعارك الدجاج الحلال والخنزير المشوي، يبدو أن القضية الحقيقية تكمن في البحث عن صيغة جديدة للتعايش داخل مجتمع تتعدد فيه الهويات والانتماءات.
فخلف ضجيج القدور وأطباق الكسكسي والسجالات حول العربية، تدور معركة أعمق حول تعريف فرنسا لنفسها في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: الجزيرة