“لماذا لا يجيبني جوجل بنعم أو لا؟”
كان ذلك سؤالاً عابراً من ليان، وهي تمسك بهاتف والدها في أحد متاجر عمّان. لكن ما بدا استفساراً بريئاً، كشف عن تحوّل عميق في الطريقة التي يفكّر بها جيل جديد بأبسط مفاهيم المعرفة: السؤال، والإجابة.
ففي وقت لم يعد الكتاب هو الخيار الوحيد للبحث عن المعلومة، وأصبحت المعرفة متاحة في خوارزمية، يعود العالم في 15 تموز/يوليو لإحياء اليوم العالمي لمهارات الشباب، الذي يُصادف هذا العام مرور عقدٍ كامل على إقراره من قبل الأمم المتحدة، ويجيء تحت عنوان: “تمكين الشباب بالذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية”.
وفي رسالة بمناسبة هذا اليوم، قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش:
في هذا المقال، نحاول الاقتراب من إجابة. نستعين بآراء خبراء في التعليم التقليدي والرقمي، ونستمع إلى وجهات نظر أهالي، والأهم: نمنح الكلمة للشباب أنفسهم.
كانت دانة بدوي، الطالبة الأردنية الأمريكية، تواجه مادة لطالما أرّقت طلاب الثانوية: الجبر. لكنها لم تكن وحدها في هذه المواجهة. إلى جانبها، لم يقف معلّم خاص أو مجموعة دراسية، بل تطبيق على شاشة.
تقول دانة، صاحبة الـ 16 عاماً، لبي بي سي:
تتحدث بثقة واضحة، وكأنها اكتشفت مفتاحاً لحلّ عقدة دراسية مزمنة. وبالنسبة لها، لم يكن تشات جي بي تي مجرّد أداة، بل معلّماً خاصاً، وصبوراً، يجيب دون ملل أو ملاحظات حادة.
النتيجة؟ علامة 97 من 100 في مادة الجبر، بفضل شرحه لها خطوة بخطوة، مما ساعدها على فهم ما استعصى عليها في الصف.
لكن ما بدا حلاً سحرياً لدانة، يُخفي في طيّاته تساؤلات أعمق. فعندما سُئلت إن كانت تتحقّق من صحة المعلومات التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي، أجابت دون تردّد:
“بكل صراحة لا، لا أتحقّق من المصادر. آخذ الإجابة كما هي.”
لماذا لا يجيبني جوجل بنعم أو لا؟
وقفت ليان، طفلة تبلغ من العمر 11 عاماً، أمام رفّ مزدحم بالمنتجات. أرادت أن تعرف ما إذا كان أحد هذه المنتجات مشمولاً في قائمة المقاطعة، فأمسكت بهاتف والدها وكتبت اسم المنتج في محرّك البحث.
لكن النتيجة لم تُرضِ فضولها. نظرت إلى الشاشة، ثم إلى والدها، وقالت بانزعاج واضح:
“لماذا لا يجيبني جوجل بنعم أو لا؟ لماذا يعطيني كل هذه الروابط؟”
يقول دبّاس لبي بي سي: “في جيلي، كان الوصول إلى معلومة يحتاج إلى وقت، وقراءة، وإلى مقارنة مصادر، وبناء سياق. أمّا اليوم، فهناك توقّع بأن تكون الإجابة فورية وقاطعة، ولا لبس فيها”.
ويضيف أن هذا التغيير في توقعات الجيل الجديد يعكس أثر الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً ما يعرف بنماذج اللغة الكبيرة (التقنية التي تعمل بها روبوتات الدردشة)، التي أصبحت تشكّل الطريقة التي نتعامل بها مع المعرفة.
ويحذّر دبّاس من ما يصفه بـ”الكسل المعرفي”، حيث تقلّ الرغبة في الفهم، لأن كل شيء أصبح في المتناول. لكنّ ما هو في المتناول، ليس بالضرورة صحيح ويُبنى عليه الفهم.
يقول: “من الواضح أن الأطفال اليوم يمتلكون قدرة تركيز قصيرة جداً، سواء في التعلّم أو مشاهدة الفيديوهات أو حتى الحصول على إجابة من جوجل.”
لكن ما يثير قلقه ليس استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل الطريقة التي يُستخدم بها، فـ “هذه النماذج مصممة لتعطيك جواباً مهما كلّف الأمر. لا تقول ‘لا أعلم’، حتى لو كانت فعلاً لا تعرف.”
ويضيف أن سرعة الرد، التي تبهر المستخدم، قد تأتي على حساب الدقّة أو حتى الحياد. فالخوارزميات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن أكثر إجابة ترضيك، أو ترضي نمط بياناتك السابقة، أو أحياناً لترضي “الجهة التي صنّعتها” كما يقول دبّاس.
في رأيه، التحدّي الأكبر الذي سيواجهه الجيل الجديد ليس في إيجاد الجواب، بل في مقاومة الرغبة في تصديقه واتّباع آرائه بلا تفكير.
وتبدو تجربة دانة مثالاً حياً على هذا التحدي: الطمأنينة التي منحتها لها التكنولوجيا، قابلها تراجع في حسّ التحقق والتفكير النقدي، وهي المهارات التي يُفترض أن يزودها التعليم للشباب واليافعين.
علامة كاملة… وسؤال ناقص
“المشكلة لا تبدأ عند الذكاء الاصطناعي، بل قبله بكثير”
يرى عازر أن الأنظمة التعليمية في العالم العربي (ودول أخرى) تُقصّر في تهيئة الطلاب للحياة، لأنها تركّز على ما هو أكاديمي، وتُغفل ما هو إنساني وعقلي.
يقول:
“الهدف من التعليم ليس فقط تدريس الرياضيات أو اللغة، بل تجهيز الطالب بمهارات تساعده في مستقبله. برأيي، النظام الحالي يكاد لا يسهم في ذلك.”
بعد أكثر من 15 عاماً في تدريب وتطوير مهارات الطلاب في العالم العربي، يلاحظ عازر أن كثيراً منهم يتعلّمون المهارات الحقيقية خارج الصف التقليدي، عبر التجربة أو بمساعدة أدوات رقمية.
“نحن نُبعد الطلاب عن الشغف، ونزرع فيهم القلق. نضغط عليهم في مواد قد لا تعني لهم شيئاً، وننسى أن التعلّم يجب أن يكون ممتعاً، وأن يتصل بما يحبّونه فعلاً.”
وهذا ما عبّرت عنه دانة، حين قالت إنّ بعض المعلمين “يغضبون لأننا نستخدم الذكاء الاصطناعي، لكن ربّما لأنهم لا يشرحون الدرس بشكل كافٍ… فنضطر نرجع لأدوات ثانية.”
لكن معتز لا يُلقي اللوم على المعلّمين وحدهم، بل يرى أن صعود أدوات الذكاء الاصطناعي يُحتّم علينا أن نعيد التفكير في ماهية التعلّم.
“أصبح معروفاً الآن أن الذكاء الاصطناعي لا يقدّم دائماً إجابات دقيقة،” يقول عازر، مؤكداً أن المهارة الأهم ليست في الوصول إلى الجواب، بل في فحصه، وسؤال من أين جاء، ولماذا يبدو صحيحاً.
من وجهة نظره، المهارات التي ستبقى ضرورية مهما تطوّرت الآلات، هي تلك التي تميّز الإنسان: حلّ المشكلات، التفكير الإبداعي والنقدي، ومهارات التواصل، والذكاء العاطفي، والقدرة على التحمّل.
يقول عازر: “أنا أحب التعلّم، ولا أحبّ الدراسة. هناك فرق، وهذا الفرق هو ما يجب أن يعيه المعلم والطالب وصانع القرار”.