لم تستغرق مناورات الذخيرة الحية التي أجراها الجيش الأمريكي في معسكر فوجي باليابان الأسبوع الماضي سوى دقائق معدودة، إلا أنها مثلت استعراضا مهما لقدرات الولايات المتحدة أمام حلفاء المحيط الهادي، في ظل سعي واشنطن لردع أي هجوم صيني محتمل على تايوان التي تعتبرها بكين جزءا من أراضيها، ولم تستبعد الاستيلاء عليها بالقوة.
ومثلت هذه المناورات استعراضا لكيفية تغيير الولايات المتحدة لتكتيكاتها في المحيط الهادي، وهو تغيير فرضته التطورات والتحسينات السريعة التي شهدها الجيش الصيني في السنوات الأخيرة.
ويرى إيوان غراهام، كبير محللي الدفاع في المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية، أن الولايات المتحدة لا ترغب في غزو الصين لتايوان، “لكنها لن تعتمد على أسراب الهجوم التقليدية التي كانت تعتمد على حاملات الطائرات”.
ويقول مقارنا بين تايوان والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران “خلال الضربات على إيران تم تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 40 طائرة أمريكية، مأهولة وغير مأهولة، في مواجهة خصم أقل قدرة بكثير، لذا في حالة نشوب صراع مع الصين، ستكون هذه المخاطر أكبر بكثير ولهذا السبب نرى الولايات المتحدة تُركّز على هذه الوحدات الأصغر حجما”.

طبيعة الردع
ووفقا لأحدث تقرير سنوي قدمته وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) إلى الكونغرس، فإن الهدف هو “منع أي دولة في منطقة المحيطين الهندي والهادي من الهيمنة علينا أو على حلفائنا”، وأشار التقرير إلى أن الأولوية تكمن في تعزيز الردع “بالقوة، لا بالمواجهة”.
وتؤكد الحروب الأخيرة وانتشار الطائرات المسيّرة على الحاجة إلى القدرة على الحركة. وتتضح وظيفة نظام “هيمارس” من اسمه الكامل، “نظام صواريخ المدفعية عالي الحركة”.
والنظام المذكور عبارة عن حاضنة صواريخ محمولة على شاحنة، يمكن إخفاؤها عن أعين الطائرات المسيّرة أو الأقمار الاصطناعية، ثم تطلق صواريخها الموجهة بنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس)، ثم تعود بسرعة إلى موقع مخفي جديد باستخدام ما يُعرف في الجيش بتكتيكات “الإطلاق والانسحاب”.
ويعتمد الأمر على الطاقم، ولكن يمكن أن تصل سرعة الإطلاق إلى أربع دقائق، بل حتى دقيقتين أحيانا حسبما يقول الرقيب كيفن ألفاريز، رئيس قسم في إحدى بطاريتي فوكس التابعتين للكتيبة الثالثة، الفوج الـ12 من مشاة البحرية، والمزودتين بنظام هيمارس، والمشاركتين في مناورات معسكر فوجي.

تم إدخال نظام هيمارس الخدمة قبل نحو 20 عامًا، واستُخدم في العراق وأفغانستان، لكنه ظل غير معروف على نطاق واسع للعامة حتى تمكنت أوكرانيا من استخدامه بنجاح كبير في حربها ضد روسيا.
وأكد المقدم رايان أنيس، قائد الكتيبة الثالثة، أن تلك الصراعات، ولا سيما مع انتشار الطائرات المسيّرة في ساحة المعركة القادرة على تحديد مواقع المدفعية الثابتة بسرعة، قد أبرزت أهمية الحركة.
وأضاف “إنها أسرع بكثير، وأكثر مرونة، وأسهل في الإخفاء من المدفعية التقليدية، ومن الواضح أن امتلاك أسلحة دقيقة قادرة على إطلاق النار، وسهولة الاختباء، هو السبب وراء امتلاك العديد من الدول لها، وأهمية امتلاكنا لنظام هيمارس الذي يستطيع إصابة أهداف على بُعد يزيد على 300 ميل (482.8032 كم)”.
ويُمكن لنظام هيمارس إطلاق مجموعة متنوعة من الصواريخ، وفي البداية لم تُزوَّد أوكرانيا إلا بذخائر قصيرة المدى، إلى أن قررت الولايات المتحدة السماح لكييف بالحصول على نظام أتاكمز أو نظام الصواريخ التكتيكية للجيش، القادر على إصابة أهداف على بُعد حوالي 300 كيلومتر (180 ميلا).
وفي الأيام الأولى للحرب ضد إيران، عقب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في 28 فبراير/شباط الماضي، استُخدم نظام هيمارس لإطلاق صواريخ أتاكمز، ولأول مرة في القتال، صواريخ الضربة الدقيقة ذات المدى الأطول، مما أدى إلى إغراق “عدة” سفن إيرانية وغواصة في الميناء، وفقًا لما ذكره الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة.
ويستطيع ما يُسمى بصواريخ الضربة الدقيقة (بي آر إس إم) الوصول إلى أهداف على مدى يزيد على 500 كيلومتر، بحسب الشركة المصنعة لوكهيد مارتن.
وقال غراهام إنه إلى جانب نظام تايفون التابع للجيش، وهو نظام إطلاق آخر محمول على شاحنات يطلق صواريخ توماهوك بعيدة المدى وغيرها، ولكنه أقل قدرة على المناورة من نظام هيمارس، يمكن للنظامين معا تغطية مضيق تايوان بسهولة بين تايوان والصين، ومضيق لوزون ذي الأهمية الإستراتيجية بين الفلبين وتايوان، في حال نشرهما في تايوان والجزر الفلبينية واليابانية المجاورة، وسيكون كلا الممرين المائيين حاسمين لأي غزو أو حصار صيني محتمل.
وأضاف غراهام “قبل نشوب أي صراع حول تايوان، من المرجح أن يكون هناك انسحاب واسع النطاق للأصول الأمريكية من المناطق الواقعة ضمن نطاق القدرات الصاروخية الصينية. ولن يتبقى سوى الغواصات، التي تتمتع بقدرة أكبر على البقاء، ووحدات صغيرة من القواعد العسكرية”.
وتُظهر التدريبات التي جرت الأربعاء الماضي على أنظمة متنقلة مثل نظام هيمارس في معسكر فوجي القدرة العالية على البقاء في الظروف القاسية.
واستُخدمت في المناورات أنابيب مملوءة بالخرسانة بدون متفجرات، ونُفذت وفقًا لإرشادات سلامة صارمة وتحت إشراف مسؤولين عسكريين يابانيين، قاموا بإغلاق طريق محلي أثناء التمرين تحسبًا لسقوط أحد المقذوفات قبل الوصول إلى الهدف.
وعلى الرغم من أن هذه الاحتياطات أدت إلى إجراء تدريبات الرماية الحية بوتيرة أبطأ من وتيرة استخدام نظام هيمارس في القتال، فإن المقدم أنيس أكد على أهميتها لكل من قواته البحرية وللعلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة.
وخلص إلى القول “إن امتلاك أسلحة دقيقة بعيدة المدى يوفر قوة ردع هنا في المحيط الهادي، ونتدرب مع شركائنا اليابانيين قدر الإمكان لضمان جاهزيتنا”.
المصدر: الجزيرة