في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، بات الوصول إلى المحتوى الرياضي التحفيزي أيسر من أي وقت مضى. صور أجساد مثالية، وتمارين لا تهدأ، ونصائح سريعة للوصول إلى “الجسم المثالي” تغزو المنصات يوميا، وتملأ الشاشات بوعود لا تنتهي.
ورغم أن الهدف الظاهر لهذا المحتوى هو تشجيع الناس على ممارسة الرياضة واعتماد أسلوب حياة صحي، فإن متابعته قد تأتي أحيانا بنتائج عكسية، فيتحول من دافع للحركة إلى مصدر للضغط والأذى النفسي.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وهم الجسد المثالي وضغط المقارنة
في الغالب يقدم المحتوى الرياضي على وسائل التواصل الاجتماعي في صورة جذابة ومحسنة بصريا باستخدام الإضاءة الاحترافية والتعديلات الرقمية، فتبدو هذه الصور وكأنها معيار واقعي يقاس عليه. ونتيجة ذلك، يميل المستخدمون إلى تطبيق هذه المعايير المثالية على أنفسهم، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين الواقع والصورة المعروضة، ويدفع إلى مقارنات غير واقعية بين الأجساد الطبيعية والنماذج المحسنة رقميا.
هذا النوع من المقارنة يرتبط عادة بانخفاض الرضا عن صورة الجسد، خصوصا لدى الشباب والمراهقين الأكثر حساسية لتقييم الذات، وقد يحول المحتوى من مصدر إلهام إلى عامل ضغط نفسي يضعف الثقة بالنفس ويزيد مشاعر الإحباط. كما أن بعض المنصات تروج لأنماط غذائية صارمة أو أساليب غير صحية لفقدان الوزن، مما قد يرفع احتمالية ظهور سلوكيات غذائية مضطربة لدى الفئات الأكثر هشاشة.
وأكدت دراسة مشتركة بين جامعة الاتصالات في بكين وجامعة كاليفورنيا، نشرت عام 2025 في مجلة العلوم السلوكية (Behavioral Sciences)، هذا التأثير، فقد أجريت على 462 مستخدما لوسائل التواصل الاجتماعي، وخلصت إلى أن هذه المنصات تعزز المقارنة الاجتماعية السلبية، مما يدفع كثيرا من المستخدمين إلى الشعور بعدم الرضا عن الذات وتراجع تقديرهم لها، إذ ينظر مستخدمو وسائل التواصل عادة إلى صناع المحتوى الرياضي على أنهم “أفضل حالا”، وهو ما يرتبط بانخفاض تقدير الذات بدلا من تعزيز الدافعية أو التحفيز.

اختزال اللياقة في المظهر
يلاحظ أن جزءا كبيرا من المحتوى الرياضي المتداول تحت شعار “الصحة واللياقة” يركز في جوهره على المظهر الخارجي أكثر من الصحة الشاملة. تبرز الصور والفيديوهات أجسادا بعضلات بارزة أو نحافة شديدة، بينما تهمل مؤشرات الصحة الحقيقية مثل جودة النوم ومستوى الطاقة والتوازن النفسي.
هذا التركيز الضيق قد يدفع المتابعين إلى تبني تصورات غير واقعية عن اللياقة، ومن ثم الانخراط في سلوكيات قد تضر بالصحة، مثل الإفراط في ممارسة التمارين أو اتباع حميات قاسية وغير موثوقة أو استخدام مكملات غذائية دون إشراف طبي، فقط لتقليد الصور المنتشرة على المنصات.
ويرتبط التعرض غير المنضبط لهذا النوع من المحتوى التحفيزي بزيادة السلوكيات القهرية المتعلقة بالتمارين، مما ينعكس سلبا على الجسم عبر الإرهاق واضطرابات النوم والإجهاد المزمن. وهكذا قد يتحول المحتوى الذي يفترض أن يشجع على نمط حياة صحي إلى عامل ضغط يضر بالصحة الجسدية والنفسية بدلا من دعمها.
كيف يؤثر المحتوى الرياضي على مزاجك؟
لا تقتصر آثار التعرض المكثف للمحتوى الرياضي المثالي على صورة الجسد فحسب، بل تمتد إلى الصحة النفسية بصورة أوسع. فالمقارنات المتكررة مع نماذج اللياقة المعروضة على المنصات الرقمية قد تؤدي إلى شعور متزايد بعدم الكفاءة وتوتر مستمر مرتبط بالمظهر، وقد تصل في بعض الحالات إلى ظهور أعراض مزاجية سلبية خفيفة، حتى لدى الأشخاص الذين يمارسون الرياضة بالفعل.
تحت تأثير هذه الضغوط قد تتحول ممارسة الرياضة من نشاط صحي وممتع إلى التزام مثقل بالقلق والشعور بالذنب، بحيث يصبح تفويت حصة تدريبية سببا للإحساس بالفشل، بدلا من كونه جزءا طبيعيا من التوازن الصحي.
وتشير دراسات منشورة في مجلات علمية موثوقة إلى وجود ارتباط بين كثافة متابعة محتوى اللياقة على منصات مثل إنستغرام وتيك توك وارتفاع مستويات القلق لدى المراهقين والشباب، نتيجة السعي المستمر لملاحقة معايير متغيرة يصعب تحقيقها.
أظهرت دراسة أجراها باحثون من كلية ديفيدسون عام 2024 أن التعرض لصور اللياقة والنحافة المثالية على إنستغرام يرتبط مباشرة بانخفاض الرضا عن صورة الجسد وارتفاع المشاعر السلبية بعد المشاهدة. وأوضحت الدكتورة لورين ستاتس، الباحثة الرئيسية، أن مجرد التعرض العابر وغير المقصود لهذه الصور يمكن أن يؤثر في الحالة المزاجية ويعزز المقارنة بالمظهر المثالي المنتشر عبر المنصات الرقمية، وهو ما يفسر ارتباط هذا النوع من المحتوى بزيادة القلق المتعلق بالشكل الخارجي لدى الشباب، خاصة طلاب الجامعات.

متى يصبح المحتوى الرياضي عبئا نفسيا لا مصدر إلهام؟
تتضح خطورة المحتوى الرياضي على وسائل التواصل حين يتحول من مصدر تحفيز إلى مرجع دائم للمقارنة وتقييم الذات، خاصة عندما يستخدم معيارا وحيدا للحكم على شكل الجسم أو مستوى اللياقة مع تجاهل الفروق الفردية في القدرات والاحتياجات الصحية.
ومن العلامات الدالة على تجاوز هذا المحتوى حد الفائدة:
- الشعور بالقلق أو الانزعاج بعد تصفح المنصات.
- الإحساس المستمر بعدم الرضا عن الجسد رغم الجهد المبذول.
- الميل إلى تبني أنماط غذائية وتمارين قاسية بدافع الوصول إلى صورة مثالية، لا بدافع تحسين الصحة.
كما يجب الحذر عند الاعتماد على هذا المحتوى كمصدر وحيد للتحفيز وتعزيز الثقة بالنفس، إذ قد يؤدي تدريجيا إلى ترسيخ سلوكيات غير صحية، خصوصا لدى من يعانون أصلا من ضعف تقدير الذات، فيتحول من تجربة داعمة إلى عامل ضغط يخل بالتوازن النفسي والجسدي.
كيف تستهلك المحتوى الرياضي بوعي؟
للاستفادة من المحتوى الرياضي على وسائل التواصل دون التعرض لآثاره السلبية، من المهم اتباع نهج واع ومتوازن في المتابعة، ويبدأ ذلك بـ:
- اختيار مصادر موثوقة تركز على الصحة الشاملة لا على المظهر الخارجي فقط.
- إدراك أن كثيرا مما يعرض عبر المنصات محسن أو منتقى بعناية ولا يعكس الواقع كاملا.
- التركيز على الفوائد الحقيقية للرياضة مثل تحسين المزاج وتعزيز جودة النوم وزيادة مستوى الطاقة، بدلا من السعي وراء شكل جسدي محدد.
- تنظيم وقت التصفح ومراقبة تأثير المحتوى على الحالة النفسية لتجنب الضغط غير الضروري.
- إلغاء متابعة الحسابات التي تثير المقارنة السلبية أو تزيد القلق بشأن شكل الجسد، حتى تبقى الشاشة وسيلة دعم وتحفيز لا مصدر توتر.
لا يمكن إنكار الفوائد الكبيرة للمحتوى الرياضي على وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يحمل قدرا واسعا من الإلهام والتعليم، وقد يساعد كثيرين على بدء رحلة التغيير الصحي.
لكنه قد يتحول إلى مصدر ضغط عند غياب الوعي بطريقة استهلاكه. وبين التحفيز والمقارنة السلبية يبقى الوعي الشخصي وتنظيم المتابعة عاملين حاسمين لضمان أن تظل الرياضة وسيلة لتعزيز الرفاه لا عبئا نفسيا جديدا.
المصدر: الجزيرة