الساحل الأفريقي.. سوق رائجة للخطف ودبلوماسية الوساطة

حتى وقت قريب مثّلت أنشطة التنقيب عن المعادن والذهب، أكثر الأنشطة غير الشرعية ازدهارا لدى المنظمات الإجرامية العابرة للحدود في منطقة الساحل الأفريقي، لكن مع انتشار الجماعات المسلحة في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو وتوغو، بات “خطف الرهائن” أكثر رواجا، ومعها أصبحت الدبلوماسية الموجهة أكثر من مجرد وساطة لتحرير المخطوفين.

وخلال أسابيع قليلة فقط تحولت منطقة الساحل إلى ساحة نشاط مزدوج: الخطف والتفاوض. وبين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب أفرجت جماعات مسلحة عن رهينة ألمانية وأخرى أمريكية، بينما لا يزال مصير رهينتين فرنسيتين غير واضح في توغو. كما تجري مفاوضات مضنية ومعقدة منذ أكثر من عام من أجل الافراج عن رهينة نمساوية وأخرى سويسرية في النيجر.

ألماني وأمريكي

بعد انقضاء الأسبوع الأول من أغسطس/آب الجاري تنفس الرهينة الألماني من أصول تركية سنان أولوماسكان الصعداء بمجرد وصوله إلى الجزائر بعد نجاح وساطات دبلوماسية مع جماعات مسلحة اختطفته مدة أسبوعين.

لم يتضح كثير من التفاصيل في عملية اختطاف سنان، لكنه نقل جوا فور استلامه من قبل الجيش الجزائري من بلدة “إن غزام” على حدود النيجر الواقعة على الساحل في غرب أفريقيا، إلى قاعدة بوفاريك العسكرية قرب العاصمة الجزائر، قبل تسليمه لاحقا للقنصلية الألمانية.

من سوء حظ سنان أنه كان هدفا سهلا للجماعات المسلحة في النيجر لكنه في الوقت نفسه يعد محظوظا بنجاح مفاوضات الإفراج عنه، في بلد يعاني منذ سنوات من أعمال عنف دامية ترتكبها جماعات مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية.

الطيار كيفن رايدوت Kevin Rideout is seen during preflight checks in preparation for a flight from Niamy to Maradi, Niger in December 2022. المصدر: حساب صحيفة ABC News @ABC على إكس https://x.com/ABC/status/2088348445497053390?s=20
الطيار الأمريكي كيفن رايدوت تم تحريره من الأسر في النيجر (الصحافة الأمريكية)

ومثل سنان، كتب للطيار الأمريكي كيفن رايدوت عمرا جديدا، بعد اختطافه في أكتوبر/تشرين الأول 2025 من قبل 3 مجهولين في طريقه إلى ⁠مطار نيامي، قبل أن يتوجهوا به إلى منطقة تيلابيري في غربي النيجر بحسب شهادات نقلتها وكالة رويترز، حيث ينشط مسلحون إسلاميون مرتبطون بتنظيميْ الدولة الإسلامية والقاعدة.

إعلان

لم يتضح ما إن كان قد تم تقديم أي شيء مقابل الإفراج عنه، ولكن رويترز أشارت إلى دور نشط لليبيا في عملية إطلاق سراحه.

Riot police officers stand guard as they try to stop protesters from gathering in front of the College Saint Joseph in Lome, Togo February 28, 2020. REUTERS/Luc Gnago
رغم سيطرة قوات الأمن على الوضع في توغو حاليا لا يزال التوتر قائما (رويترز)

لكن على عكس سنان ورايدوت، لا يزال مصير صحفيين فرنسيين اثنين تعرضا للاختطاف في توغو يوم 27 يوليو/تموز وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية، غير واضح حتى كتابة التقرير.

وتخضع توغو منذ عام 2005 لحكم فور غناسينغبي الذي خلف والده الذي حكم هذه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا 38 عاما. ومنذ أواخر 2021، يعاني أقصى شمال البلاد من هجمات يشنها مسلحون يتمركزون عبر الحدود في بوركينا فاسو.

وقد أعلنت الحكومة حالة طوارئ في العام التالي في إحدى المناطق الشمالية ومددتها مرات عدة كان آخرها في فبراير/شباط لمدة عام.

سباق دبلوماسي

ومثل ما تعكسه البيئة الحالية في منطقة الساحل المضطربة، تقود دول الرهائن مفاوضات بعناية شديدة لا يتم في الغالب الكشف عن تفاصيلها حتى عند نجاحها في الإفراج عن رعاياها.

وتخوض دولتا النمسا وسويسرا مفاوضات سرية مضنية ومعقدة للإفراج عن رهينتين اختطفا في الفترة بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان عام 2025 في النيجر.

ووفق المعلومات التي نشرتها هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، اختطفت الرهينة السويسرية كلوديا أبت البالغة من العمر 67 عاما والتي كانت تدير تعاونية تنتج سلعا جلدية موجهة إلى السوق الأوروبية في أغاديس بالنيجر، على يد جماعة متشددة.

كما اختطفت الرهينة النمساوية إيفا غريتزماخر البالغة من العمر 75 عامًا ليلا من منزلها بالطريقة نفسها. وكانت قد أسست في النيجر مركزا تعليميا لدعم الشابات، وساعدت منظمات محلية غير حكومية في مشاريع لزراعة الخضراوات.

ووفق المعلومات المنشورة، نُقلت المرأتان من النيجر إلى منطقة صحراوية في مالي، حيث تحتجزهما جماعة “تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل” في المنطقة الحدودية.

وترفض سويسرا والنمسا دفع فدية إلى الجهات الخاطفة، بدعوى تفادي المساهمة في تمويل الإرهاب، في الوقت الذي يكتنف فيه الغموض جهودهما في الإفراج عن الرهينتين.

لكن بيتر لاونسكي تيفنتال، المبعوث الخاص للشؤون العالمية، وهو دبلوماسي بارز يتمتع بعلاقات دولية واسعة وخبرة طويلة في قضايا الاختطاف في الخارج، رجح في تصريحه للهيئة السويسرية، إمكانية التوصل إلى حل عبر دولة ثالثة.

اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر قاد وساطة لتحرير طيار أمريكي بحسب رويترز
اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر قاد وساطة لتحرير طيار أمريكي بحسب رويترز (الأوروبية)

وتلجأ دول غربية مثل سويسرا والنمسا وألمانيا وأيضا الولايات المتحدة، إلى وساطات من دول وأطراف أخرى تملك قنوات اتصال أو أوراق ضغط أكثر فعالية ما يؤهلها للعب دور في المفاوضات وعمليات الإفراج.

وفي عملية إنقاذ الطيار الأمريكي كيفن رايدوت، كشفت وكالة رويترز نقلا عن 4 مصادر، أن اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، لعب دور الوسيط في تحرير الرهينة من جماعة مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل. كما ذكر أحد المصادر الأربعة أن الجانب الليبي دفع فدية، لكنه لم يقدم مزيدا من التفاصيل.

صمود تحت خطر الموت

وبينما تسابق الدول والوسطاء الزمن لتحرير الرهائن، فإن المخطوفين وحدهم مجبرون على اختبار مدى قدرتهم على الصمود وتحمل ظروف الاحتجاز في حر الصحراء، تحت تهديد السلاح ومع خطر فقدان الحياة في أي لحظة.

Nigerian soldiers from the Multinational Joint Task Force (MNJTF) drive an armoured truck at the MNJTF military base, Sector 3 Headquarters, in Monguno, Borno state, Nigeria, on July 5, 2025. Twelve checkpoints manned by the Nigerian army control the various entrances to Monguno. Monguno's huge fortifications have kept the garrison town mostly secure even as northeastern Nigeria has seen a recent surge in attacks on military bases by jihadists fighting a grinding 16 year war. Fighting in Borno may have eased since the conflict's highpoint in 2015 as jihadists have been forced back. But militants from Islamic State West Africa Province or rival Boko Haram have attacked or temporarily overrun a dozen military bases since the start of the year. (Photo by Joris Bolomey / AFP)
جنود من قوة المهام المشتركة على تخوم حوض بحيرة تشاد في عملية لملاحقة عناصر تنظيم الدولة (الفرنسية)

وتقول عائلتا الرهينتين السويسرية والنمساوية إنهما توصلا بطريقة ما عبر وسطاء، إلى إيصال أدوية إليهما، حيث كانت السويسرية على شفا الموت فيما تعاني النمساوية من مرض مزمن.

إعلان

ويروي الألماني يورغ لانغه الذي جرى تحريره من الأسر في النيجر قبل سنوات، كيف يغير الخاطفون موقعهم باستمرار في الصحراء حتى لا يُعثر عليهم، بينما كان هو ينام في العراء تحت الأشجار.

ويكشف لانغه، في حديثه لهيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، أنه تعرض أثناء نومه خلال الاحتجاز للدغات ثعابين وأصيب بالملاريا وشارف على الموت أكثر من مرة.

 

المصدر: الجزيرة