المصانع الصينية تعيد رسم خريطة سوق السيارات العالمية

شهدت صناعة السيارات الصينية في السنوات الأخيرة توسعا سريعا في أوروبا والأسواق العالمية مدفوعة بتقدم كبير في السيارات الكهربائية وانخفاض التكلفة والتطور التقني الذي تتمتع به.

اتجاه الشركات الصينية نحو التوسع الخارجي، وخاصة في أوروبا، ليس خطوة عشوائية، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتقنية والإستراتيجية التي دفعت هذه الشركات إلى البحث عن حضور عالمي أوسع.

فقد أصبحت السوق الصينية شديدة التنافس مع وجود عدد كبير من الشركات المحلية، مما قلل هامش الربح ودفع الشركات إلى البحث عن أسواق جديدة أكثر ربحا.

ومنح التقدم المذهل الذي حققته شركات السيارات الكهربائية الصينية، مثل “سايك” (SAIC) و”شيري” (CHERY) و”بي واي دي” (BYD)، وجيلي (GEELY) و”إم جي” (MG) قدرة تنافسية قوية مقارنة بالعديد من الشركات التقليدية، خاصة في أوروبا، وذلك بسبب ارتفاع القوة الشرائية هناك، إضافة إلى الاهتمام الأوروبي المتزايد بالتحول نحو الطاقة النظيفة والاعتماد على السيارات الكهربائية.

صفقات عدة عقدتها شركات سيارات صينية مع شركات أوروبية، سواء عبر الاستحواذ أو بالاستثمار المشترك، وكانت هذه الصفقات جزءا من إستراتيجية صينية أكبر تهدف إلى اكتساب التكنولوجيا المتطورة والوصول إلى الأسواق الأوروبية وتعزيز الثقة في علاماتها التجارية، ومن ثم الانتشار عالميا.

NINGBO, CHINA - MAY 29: A worker checks car parts on the production line for electric vehicle maker Zeekr at its factory on May 29, 2025 in Ningbo, China. China's automakers account for nearly two-thirds of global sales of electric vehicles and exports more vehicles overseas than any other country. Zeekr, a pure-electric brand aimed at the luxury market, has seen sales growth in the highly competitive Chinese market and is furthering its expansion into Asia, the Middle East, Latin America, and parts of Europe. The company's plans to enter the US market has faced hurdles due to tariffs on China made electric vehicles. In 2024, Zeekr delivered more than 220,000 vehicles, according to the company. Zeekr is among several Chinese EV makers building vehicles in automated factories using robotics powered by artificial intelligence alongside human workers. Zeekr is owned by Geely Holdings, which also has ownership stake in a number of foreign brands including Volvo, Lotus, and Polestar. (Photo by Kevin Frayer/Getty Images)
السيارات الصينية تواجه منافسين أوروبيين أقوياء (غيتي)

صفقات استحواذ واستثمارات صينية

من أجل حضور عالمي قوي في صناعة السيارات، عملت الصين على إبرام صفقات استحواذ وضخ استثمارات في كبرى الشركات الأوروبية، ومن أبرز الأمثلة:

صفقات واستثمارات جيلي في أوروبا

استحوذت شركة جيلي الصينية على “فولفو” السويدية عام 2010، وكانت مملوكة وقتها لشركة فورد الأمريكية.

كما أن جيلي تملك حصة الأغلبية في شركة “لوتس” البريطانية المتخصصة في صناعة السيارات الرياضية الفاخرة، إضافة إلى استثماراتها في مجموعة “مرسيدي بنز” الألمانية.

إعلان

سايك تعيد إحياء علامة بريطانية شهيرة

كانت “إم جي” علامة بريطانية شهيرة في السيارات الرياضية، لكنها واجهت أزمات مالية كبيرة، مما أدى إلى إفلاسها عام 2005 وتوقف الإنتاج الفعلي في مصانعها.

وفي عام 2007 استحوذت شركة “سايك موتور” الصينية على العلامة البريطانية، لتصبح اليوم واحدة من أنجح العلامات الصينية في أوروبا.

Saint Petersburg, Russia, 23 July 2024: Dealer store GEELY, CHERY. Brand's showroom. Chinese State Car Manufacturers. Luxury division of Chinese State-owned automaker GEELY, CHERY.
جيلي الصينية استحوذت على فولفو السويدية عام 2010 (شترستوك)

هل تهيمن السيارات الصينية الكهربائية؟

للصين نصيب كبير في سوق السيارات الكهربائية عالميا، لأنها ببساطة تسيطر على جزء ضخم من صناعة البطاريات التي تعتبر العنصر الأساسي في السيارة الكهربائية، وخاصة بطاريات الليثيوم، التي تعد الصين المُصنع الأول لها.

والصين أيضا من أكبر دول العالم في إنتاج الرقائق الإلكترونية، العنصر المهم في صناعة السيارات الكهربائية، كما أن لدى الصين عمالة ماهرة مدربة وكثيفة قادرة على إنتاج كميات ضخمة، إضافة إلى أنها تقدم أسعارا أقل من المنافسين في السوق، فضلا عن امتلاكها سلاسل توريد قوية.

تحديات تواجه المصانع الصينية للسيارات في أوروبا

تواجه مصانع السيارات الصينية في أوروبا مجموعة معقدة من التحديات، ليست اقتصادية فقط، بل سياسية وتنظيمية أيضا.

السيارات الكهربائية في مصر.. بين الطموح والواقع وحلم لم ير النور
الصين تملك نصيبا كبيرا في سوق السيارات الكهربائية عالميا (الجزيرة)

   1. الرسوم الجمركية

من أهم العقبات التي تواجه التوسع الصيني في أوروبا، فرض الاتحاد الأوروبي رسوما جمركية إضافية على واردات السيارات المصنعة في الصين من أجل حماية الصناعة الأوروبية.

2. القوانين الصارمة

هناك قيود تنظيمية أوروبية من حيث القوانين البيئية والتشغيلية الصارمة، إضافة إلى معايير السلامة والانبعاثات وأمن البيانات داخل السيارات الذكية، مما يفرض على الشركات الصينية إعادة تصميم سياراتها وتعديل البرمجيات والأنظمة، وكل هذا يزيد من التكاليف.

    3.منافسون أقوياء

السيارات الصينية تواجه أيضا منافسين أوروبيين أقوياء، مثل “مرسيدس بنز” و”فولكسفاكن” و”بي إم دبليو” و”بيجو” و”رينو”، إذ تمتلك هذه الشركات مصانع داخل أوروبا وخبرة طويلة في السوق المحلية.

كما تواجه السيارات الصينية تحديات أخرى، مثل الثقة والاعتماد لدى المستهلك الأوروبي، وارتفاع التكاليف التشغيلية والإنتاجية داخل القارة.

كما تمثل التوترات الجيوسياسية والعلاقات المتقلبة بين الصين والاتحاد الأوروبي عاملا إضافيا قد يؤثر على وتيرة هذه الصناعة في الأسواق الأوروبية.

الشركات الأوروبية أصبحت أكثر ارتباطا بسلاسل التوريد الصينية (الفرنسية)

تأثير المصانع الصينية

لا شك أن وجود مصانع وشركات صينية في أوروبا يؤثر على نظيرتها هناك، ومع توسع العلامات التجارية الصينية، تفقد الشركات الأوروبية حصة سوقية داخل القارة، خاصة بعدما انتقل جزء من المستهلكين إلى السيارات الصينية الأرخص، والتي تقدم في الوقت نفسه تقنيات وتجهيرات أعلى، ومن ثم تراجع هامش ربح الشركات الأوروبية، مما يؤدي إلى إغلاق خطوط إنتاج.

حتى مع التصنيع داخل أوروبا، إلا أن الشركات هناك أصبحت أكثر ارتباطا بسلاسل التوريد الصينية، وتعتمد بشكل كبير على البطاريات والمكونات الأساسية التي تأتي معظمها من الصين، مما يجعل أوروبا تعتمد عليها بشكل إستراتيجي.

تحول عميق

توسع المصانع والشركات الصينية في أوروبا يؤكد أن صناعة السيارات العالمية تمر بمرحلة تحول عميقة وغير مسبوقة، فلم يعد الأمر مجرد دخول منافس جديد إلى السوق، بل إعادة تشكيل متكاملة لموازين القوة في واحدة من أهم الصناعات الإستراتيجية في العالم.

إعلان

وبناء على ذلك، فإن التوسع الصيني في أوروبا لم يعد مجرد ظاهرة تجارية، بل أصبح عاملا رئيسيا يعيد رسم خريطة سوق السيارات العالمية، ويفرض واقعا جديدا عنوانه الانتشار للأقوى.

 

المصدر: الجزيرة