الملل: ما الأسباب التي تجعل البعض أكثر عرضة للشعور به؟

لا شك أن رحلة الفضاء تنطوي على مشاعر مروعة بكل المقاييس، بدءاً من صوت احتكاك الصمامات واهتزاز المعدات، مروراً بقوة الدفع لحظة اشتعال المحرك، التي تشعر من فرط قوتها أنك تلقيت ركلة في ظهرك، وصولاً إلى الشعور المزعج بأن هذه اللحظات قد تكون الأخيرة في حياتك.

في عام 1982، شعر فالينتين ليبديف، رائد الفضاء الروسي، في ثاني رحلة فضائية في حياته المهنية، أن الصاروخ يترنح يميناً ويساراً، كما لو أنه فقد توازنه، وفي النهاية تيقن أنه غادر الأرض.

كان ليبديف مفعماً بالنشاط والإثارة في بداية الرحلة، لكن سرعان ما خفتت عزيمته، وبعد أسبوع واحد من مهمته على متن المحطة الفضائية ساليوت 7، التي استغرقت سبعة أشهر، استسلم للملل.

إذ لم يكن الانطلاق بسرعة 17,900 ميل في الساعة على المدار الأرضي المنخفض في مركبة فضائية كافياً لإثارة اهتمامه، بل كتب في مفكرته، “بدأ الروتين الممل”.

غير أن الملل لا يوجد له تعريف واضح، إذ كشفت أبحاث امتدت لعقود أن الملل شعور غامض بقدر ما هو مؤلم، وأن القدرة على احتمال المهام الرتيبة تتفاوت بشدة من شخص لآخر.

وعلى النقيض، يبحث بعض الناس عن تجارب قد تعد في نظر البعض مملة. إذ يزعم الناسك كريستوفر نايت، الذي قضى 27 عاماً في إحدى الغابات بولاية مين في الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1986، أنه لم يشعر بالملل قط، رغم أنه لا ينكر أنه لم يكن يفعل شيئاً في معظم الوقت.

ما أسباب ذلك؟

وراج في العصور الوسطى مصطلح يوناني يعني “اللامبالاة”، وكان يعده رجال الدين المسيحيون مرادفاً للفتور الديني أو الكسل الذي يندرج ضمن الخطايا السبع.

ودخلت كلمة “ملل” إلى اللغة الإنجليزية منذ مطلع القرن التاسع عشر، لكنها لم تجر على الألسنة إلا بعد أن ذكرها تشارلز ديكنز في إحدى رواياته.

وقد انتشر الآن الملل في كل مكان، حتى إنه يوصف أحياناً بأنه آفة المجتمع المعاصر. وفي عام 2016، قاضى موظف فرنسي رئيسه السابق في العمل، لأن الموظف كان يشعر أن وظيفته مملة إلى حد “يثبط العزيمة” و”يقتل الإبداع”، وحكمت المحكمة لصالحه.

واكتشف بعض الباحثين مؤخراً أن الحيوانات الأليفة أيضاً تصاب بالملل.

تعريف الملل

لم يكن من السهل الكشف عن الأسباب التي تجعل البعض سريع الضجر في حين قد يعيش آخرون دون أي مصدر للترفيه، وذلك لأن علماء النفس لم يتفقوا حتى الآن على تعريف للملل.

وفي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، عرّف بعض الباحثين الملل بأنه الشعور الذي ينتاب المرء عند أداء مهمة تتسم بالتكرار. وأشارت دراسة إلى أن الملل قد يزيد القدرة على الانتباه والاستجابة لكل ما يدور من حولنا.

ومنذ عام 1986، استخدمت الكثير من التجارب “مقياس سرعة الإصابة بالملل” من خلال طرح أسئلة لتقييم مدى موافقة المشاركين على عبارات مثل “من السهل أن أركز أثناء تأدية أنشطتي”، وكلما زاد تأييد المشاركين للعبارة كانوا أقل عرضة للملل.

ويدرك علماء النفس الآن أن هناك خمسة أنواع على الأقل من الملل، منها “الملل القياسي”، حين يشرد ذهنك وتشعر أنك لا تجد شيئا تفعله، و”الملل التفاعلي”، حين يتملكك الغضب من الشخص الذي أرغمك على أداء هذه المهمة المملة، كالمدرس أو المدير في بيئة العمل، وتفكر في الأشياء التي كان يمكن أن تفعلها في المقابل.

وهناك أيضاً “ملل البحث”، حين تكون مضطرباً ومتململاً وتبحث عن أشياء تفعلها للتخلص من الملل، و”ملل اللامبالاة”، حين تشعر بالراحة وتنفصل عن العالم من حولك، واكتشف مؤخراً “ملل عدم الاكتراث”، حين تشعر أنك لست منزعجاً ولا سعيداً، لكنك عاجز عن التخلص من هذا الملل.

وأجرى باحثون دراسات عن تأثير الملل على الدماغ. إذ قاد دانكيرت دراسة استخدم فيها الباحثون التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي لمراقبة أدمغة المشاركين أثناء مشاهدة مقطع فيديو شديد الملل عن رجلين ينشران ملابسهما، ويسألان بعضهما بين الحين والآخر عن مشابك الملابس.

ولاحظ الباحثون وجود صلة بين الملل وبين نشاط “شبكة الوضع الافتراضي”، وهي مجموعة من المناطق من الدماغ ترتبط عادة بشرود الذهن. ويقول دانكيرت إن هذه الشبكة تنشط عادة في حالة عدم وجود مهام تؤديها أو عندما لا يوجد شيء يحدث من حولك.

ويقول دانكيرت إن إشارات الملل هي رسالة من الدماغ مفادها أنك لا تتفاعل مع العالم من حولك، أي أنك فقدت السيطرة على البيئة المحيطة بك وأنك غير مؤثر. وربما تطور لدينا الشعور بالملل، كشأن سائر المشاعر السلبية كالغضب والحزن، لتحفيزنا.

ولهذا يستطيع بعض الناس البقاء بمفردهم لسنوات، بينما لا يتردد آخرون في صعق أنفسهم بعد 15 دقيقة فقط من العزلة. ففي الوقت الذي يستسلم فيه البعض لمشاعر الضجر والملل، تدفع هذه المشاعر آخرين للبحث عن طرق لتسلية أنفسهم وممارسة أنشطة هادفة.

وعلى النقيض من ليبديف، لم يهدر رائد الفضاء الكندي كريس هادفيلد، لحظة واحدة في بعثته الفضائية عام 2012 إلى محطة الفضاء الدولية، رغم المهام الرتيبة وقلة فرص مخالطة الآخرين.

وأعلن هادفيلد أكثر من مرة أن “الملل لا يصيب إلا الناس المملة”. واستفاد هادفيلد من وقت فراغه لأداء أغنية للمغني ديفيد بوي من الفضاء. ويقول دانكيرت: “إذا تحدثت إليه، ستدرك أنه يتلقى إشارة الملل، لكنه يتعامل معها بسرعة وبكفاءة فائقة”.

واستطاع هادفيلد في الفضاء أن يجد متعة في تأدية المهام التي اشتهرت بأنها تبعث على الضجر، مثل أعمال السباكة. ويحكي أنه عندما كان طفلاً يساعد أبويه في المزرعة بأونتاريو، كان دائماً ما ينجح في الوصول إلى حيلة لشغل نفسه، حتى عند أداء المهام الأكثر رتابة مثل تمهيد التربة.

وربما لو سرنا على درب هادفيلد، لأصبحت المهام المملة ذات مزايا مدهشة. فقد أثبتت دراسات أن شرود الذهن أثناء أداء المهام الرتيبة قد يحفز الإبداع.

عيوب الملل

والغريب أن سرعة الضجر ارتبطت أيضاً بعدة اضطرابات شخصية، منها النرجسية، لكن ليس النرجسية المعتادة التي يتسم بها بعض الساسة، وإنما “النرجسية الخفية”، التي تنطوي على شعور المرء بأنه موهوب للغاية، لكنه لا يحصل على التقدير الذي يستحقه.

ولا أحد يعرف بعد سبب العلاقة بين الاثنين، لكن بعض الباحثين يرى أن اتساع الفجوة بين الأهداف وبين القدرات الطبيعية يعد أحد أهم أسباب الفشل، وعندما يتحقق المرء من عجزه عن تحقيق أهدافه، يسيطر عليه الملل.

في حين يرى آخرون أن أصحاب النرجسية الخفية عندما يحصلون على الثناء الذي يلهثون وراءه، يفقدون الهمة ويشعرون بالملل.

وربطت دراسات بين الملل وبين سمات شخصية أخرى، مثل سرعة الغضب والعصبية، والميل إلى القلق والشعور بالذنب والغيرة. وفي كل الأحوال، فإن الملل مؤشر سيء، وقد يكون ناتجاً عن عدم القدرة على التحكم في المشاعر.

ويقول دانكيرت إننا نحاول أن نفهم طبيعة العلاقة بين الملل وبين هذه الاضطرابات الشخصية والمشاكل النفسية، مثل الاكتئاب، فليس من الواضح ما إن كان الملل يورث الاكتئاب أم أنه يعد من العوامل التي تنذر بالإصابة بالاكتئاب.

لكن السؤال الأهم الذي يحاول دانكيرت الإجابة عليه هو ما إن كانت القابلية للإصابة بالملل تكتسب من البيئة أم تنتقل بالوراثة.

ويرى دانكيرت أن الشعور بالملل، كشأن جميع المشاعر، هو محصلة لعوامل مكتسبة ووراثية. فيبدو أن هادفيلد طور قدراته على التعامل مع الملل حتى أتقنه، وربما يتمكن أضيق الناس صدراً وخلقاً من الاستمتاع بالعزلة وشغل وقت الفراغ في أعمال هادفة، لو استخدموا الأساليب الصحيحة.

ولهذا إذا لاحظت أنك تشتكي من الحياة الرتيبة والمملة، فكر في مدى اختلاف تجربة ليبديف عن تجربة هادفيلد في الفضاء، وستدرك حينها أن العبرة برؤيتك الخاصة للأمور.

يمكنك قراءة المزيد على موقع BBC Future

 

المصدر: BBC