في دول مثل اسكتلندا، حيث تنخفض أعداد الغزلان بسبب صيدها، فتناول لحم الغزلان البري يمكن أن يكون خياراً يساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية.
كانت آخر وجبة تناولتها من اللحوم قبل سبع سنوات، حين كان والداي يزورانني في لندن قادمين من كوستاريكا، وفي مطعم صغير يُقدّم شرائح اللحم، قضينا تلك الأمسية نتذوق أطباقاً من قائمة الطعام الصغيرة، لكنها كانت في ذات والوقت غنية. بالنسبة لهما، كانت هذه وجبتهما الأخيرة قبل العودة إلى المنزل، أما أنا، فكانت تلك وجبة الوداع لشغفي باللحوم.
منذ ذلك الوقت اتبعت نظاماً غذائياً يعتمد بشكل أساسي على الأطباق النباتية، مع بعض المأكولات البحرية في حالات استثنائية. وبما أنني اتبعت هذا النظام الغذائي بسبب عملي في مجال تغير المناخ، فإنني أختار طعامي بعناية: فإذا كان المنتج الحيواني منخفض الكربون، مثل بلح البحر، فسيكون موجوداً في طبقي بانتظام.
أما اللحوم – الغنية بالكربون – فتدخل إلى نظامي الغذائي في وجبات خاصة، مثل وجبة عيد الميلاد التي تعُدّها والدتي، أو في مناسبات نادرة أخرى أتناول فيها طبقاً مميزاً مثل طبق “تشيفريخو” الكوستاريكي.
يقول ماثيو موران، أستاذ علم الأحياء في كلية هندريكس بولاية أركنساس الأمريكية: “أعتقد أن الإجابة هنا هي نعم”.
وعندما جمع فريق موران عدد الحيوانات التي يتم صيدها في الولايات المتحدة، وجدوا أنها تعادل أكثر من 3 في المئة من إجمالي اللحوم المستهلكة على الصعيد المحلي، وتساءلوا عن مقدار ما يمكن تخفيضه من الانبعاثات المتعلقة باللحوم في البلاد، في حال تمّ استبدال لحوم البقر أو الدجاج الجاهزة، بلحوم الحيوانات التي يتم اصطيادها، والتي تشكل الغزلان 90 في المئة منها، إضافة إلى أصناف أخرى مشابهة لها.
وخلصت الدراسةإلى أن محاولة خفض الانبعاثات عبر صيد الحيوانات البرية، قد يعادل تخفيض عدد 400 ألف سيارة من الطرق كل عام.
ويوضح موران أن “السبب الرئيسي هو أنك عندما تصطاد الغزلان من الطبيعة كمصدر للغذاء، فإن الأثر على الأماكن الطبيعية يكاد يكون معدوماً، على عكس ما يحدث عند تربية اللحوم في المزارع”.
وتبدو حجة موران منطقية، لكن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند التعمق في التفاصيل. إذ يمكن أن يكون لحم الغزلان خياراً منخفض الكربون إذا كان من غزلان برية وليس من غزالان يتم تربيتها في مزارع.
تقدير التأثير المناخي
يمكن للحم الغزال أن يكون جزءاً من الأنظمة الغذائية الصديقة للمناخ على المستوى المحلي، إلا أن المسألة تزداد تعقيداً عند النظر إليها على نطاق عالمي.
“المشكلة تكمن في نطاق التطبيق”، تقول هانا ريتشي، نائبة رئيس التحرير والباحثة الرئيسية في منظمة (عالمنا في بيانات-Our World in Data)، وهي منظمة تُسهّل الوصول إلى البيانات العلمية وفهمها، وباحثة في التنمية العالمية في جامعة أكسفورد في المملكة المتحدة.
نعم، قد يكون تناول لحم الغزال البري خياراً معقولاً، ومنخفض الكربون لنسبة صغيرة من سكان المملكة المتحدة، لكن هذه الأرقام لا تنطبق على شريحة كبيرة من الناس، كما تقول.
لاستكشاف هذا السؤال، بدأتُ بسؤال أبسط: كيف يُمكن للمرء أن يعرف ما إذا كان الطعام الذي يتناوله يُساهم في تغير المناخ؟
وعندما تُزال الغابات لتحل مكانها حقول الرعي ومحاصيل علف الحيوانات، فإنها تُطلق ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وعندما تهضم الأبقار الطعام، تُنتج بشكل طبيعي كميات كبيرة من الميثان، وهو غاز دفيء قوي. ثم هناك الوقود المستخدم لنقل الماشية إلى الحقول والمسالخ، والطاقة المستخدمة في مرافق البيع بالتجزئة والتخزين، وجميع المواد الأخرى المشاركة في هذه العملية.
وإذا ما تمّ حساب جميع انبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري المرتبطة بلحوم البقر، وقُسّم الناتج على عدد قطع البرغر التي يمكن إنتاجها، يمكن أن نحصل على البصمة الكربونية لكل قطعة برغر.
يشار إلى أنه من أجل إنتاج 100 غرام من البروتين من لحم البقر (غالياً ما يستخدم العلماء البروتين كمقياس لمقارنة الأطعمة المختلفة)، يتمّ إطلاق 25 كغم في المتوسط، من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (CO2e).
ويُطلق التوفو[منتج نباتي بديل عن اللحوم] 1.6 كغم، والدجاج 4.3 كغم، ولحم الخنزير 6.5 كغم من ثاني أكسيد الكربون لكل 100 غرام من البروتين.
ما هو مكافئ ثاني أكسيد الكربون؟
مكافئ ثاني أكسيد الكربون أو CO2e، هو المقياس المستخدم لتقدير انبعاثات مختلف الغازات الدفيئة بناءً على قدرتها على تسخين الغلاف الجوي، أي إمكانيتها في التسبب بالاحتباس الحراري.
أولاً، كان عليّ التأكد من أنها لحم غزال بري، وليس لحم غزال تمّت تربيته في مزارع.
الميزة الأساسية في لحوم الغزلان البرية، عند مقارنتها باللحوم المنتَجة في المزارع، هي أنها لا تتطلب تربية أعداد كبيرة من الحيوانات في أماكن ضيقة مثل المخازن أو الحظائر. ومع ذلك، فإن العثور على لحم غزلان من التي يتمّ تربيتها في المزارع ضمن قوائم الطعام في إسكتلندا ليس أمراً نادراً، رغم وجود أعداد وفيرة من الغزلان البرية.
سألتُ النادلة عن هذا، فأخبرتني أن لحم الغزال الذي يقدمونه يأتي من نويدارت، وهي شبه جزيرة برية نائية تقع على الجانب الآخر من بحيرة مالايج. وبعد أن اقتنعت، طلبتُ طبقاً، واتضح أن كون لحم الغزال برياً أم لا هو أول سؤال مهم.
في فبراير/شباط 2024، أصدرت جمعية الغزلان الإسكتلندية تقريراً لتقدير البصمة الكربونية للحوم الغزلان البرية في البلاد. تتبع الباحثون عوامل مثل الوقود المستخدم في المركبات التي يقودها مربو الغزلان والصيادون، والطاقة المستخدمة في منشأة المعالجة، والميثان الذي تطلقه الغزلان نفسها.
والغزلان حيوانات مجترة، تماماً مثل الأبقار والأغنام والماعز، أي أن لديها أكثر من حجرة معدة واحدة، وتطلق غاز الميثان عند هضم طعامها.
وبحسب تقرير جمعية الغزلان الإسكتلندية، فإن إنتاج 100 غرام من البروتين من لحم الغزلان البري يُنتج 11.9 كغم من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. ورغم أن هذه الطريقة تختلف عن الدراسة التي قارنت مصادر البروتين المختلفة، إلا أنها تُعطي تقديراً تقريبياً أقل من لحم البقر ولكن أعلى من الدجاج ولحم الخنزير، أي أنها ليست وجبة صديقة للمناخ على الإطلاق.
ولكن هناك تحذير مهم، فأكثر من 90 في المئة من هذه البصمة البيئية تأتي من الغزلان نفسها. وهذا يفتح نقاشاً بين الخبراء الذين يحسبون انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.
يقول كريستوفر هيرست، الأكاديمي في جامعة إدنبرة، وكتب تقريراً عام 2021 عن الغزلان البرية وعزل الكربون في إسكتلندا، وخلص إلى ضرورة خفض كثافة الغزلان لتحقيق أهداف المناخ: “هناك سؤال جوهري يتعلق بحساب انبعاثات الكربون، ستبقى الغزلان البرية موجودة وتنتج غاز الميثان بغض النظر عما إذا كان يتم صيدها من أجل لحمها أم لا، فهل يجب أن يُحتسب ذلك؟”
وهنا السؤال الدقيق المتعلق ببصمة الكربون للغزال: هل يجب احتساب الميثان الناتج عن الغزلان البرية في برغر لحم الغزال؟
إذا كان برغر لحم بقر، فالإجابة ستكون نعم بشكل قاطع. فالبقرة تم تربيتها خصيصاً للاستهلاك البشري، وبالتالي فإن الميثان الذي تنتجه (وهو الجزء الأكبر من انبعاثات الغازات الدفيئة للبقرة) لا يمكن فصله عن البرغر.
أما فيما يتعلق بلحم الغزال، يوضح هيرست وآخرون أن السبب “وراء صيد هذه الأعداد الكبيرة من الغزلان البرية ليس لإنتاج اللحم”، ففي إسكتلندا على سبيل المثال، حيث يصل عدد الغزلان إلى مليون غزال، فإن غالبية لحوم الغزلان البرية تأتي من برامج الصيد التي تجري في المساحات الخضراء الإسكتلندية، لحمايتها من الرعي المفرط.
يقول هيرست، الذي يعمل حالياً على رسالة دكتوراة تركز على الغزلان وإدارة الغابات في جامعة إدنبرة: “ستظل هذه الغزلان موجودة – وينبعث منها غاز الميثان – بغض النظر عما إذا ذُبحت أو استخدمت لحومها لاحقاً كغذاء”.
يعترف خبراء مثل هيرست بأن هذه الفكرة يمكن انتقادها، لأن أعداد الغزلان في اسكتلندا (وفي أماكن أخرى حيث تستدعي عمليات التقليل منها) ليست طبيعية، إذ تعكس كيف تخلص البشر من الحيوانات المفترسة، وغيّروا بيئتها، وكثيراً ما يقاومون جهود السيطرة على أعدادها.