انهيار ثقة أم إعادة ضبط؟ خفايا التراشق الأبرز بين إدارة ترمب وحكومة نتنياهو

في لهجة غير مألوفة بين حليفين اعتادا إدارة الخلاف خلف الكواليس، وجه جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي انتقادات علنية قاسية لمسؤولين إسرائيليين هاجموا اتفاق واشنطن مع طهران، واصفا رد الفعل داخل إسرائيل بأنه “ذعر غريب” و”هلع”، قبل أن يذكّر حكومة بنيامين نتنياهو بأنها لا تملك ترف مهاجمة “الحليف القوي الوحيد” المتبقي لها في العالم.

لا تعني هذه التصريحات، بذاتها، أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية دخلت طور القطيعة، لكنها تكشف لحظة توتر حقيقية في حسابات ما بعد الحرب.

فواشنطن تريد منح مذكرة التفاهم مع إيران فرصة للتحول إلى تسوية أوسع خلال 60 يوما من المفاوضات، بينما تخشى تل أبيب أن يقيد الاتفاق يدها في لبنان، وأن يؤجل ملفات تعدها جوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية.

وتنص المذكرة على وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري عن إيران، مع رفع تدريجي للعقوبات عن صادراتها النفطية.

كما تفتح الباب أمام صندوق لإعادة الإعمار والتنمية قد تصل قيمته إلى 300 مليار دولار، وأرجأت الملفات الأصعب -ومنها مستقبل التخصيب- إلى مرحلة تفاوضية لاحقة. وإسرائيل ليست طرفا مباشرا في المذكرة، لكنها معنية عمليا ببندين أساسيين فيها: مستقبل المواجهة مع حزب الله في لبنان، ومصير البرنامج النووي الإيراني.

ISLAMABAD, PAKISTAN - APRIL 11: U.S. Vice President JD Vance (C) walks with Pakistan's Chief of Defence Forces and Chief of Army Staff Field Marshall Asim Munir (L), and Pakistani Deputy Prime Minister and Foreign Minister Mohammad Ishaq Dar after arriving for talks with Iranian officials on April 11, 2026 at Islamabad, Pakistan. The proposed meeting marks a rare direct engagement between senior U.S. and Iranian officials, as Washington and Tehran seek to advance stalled negotiations over Iran's nuclear programme, with Pakistan serving as neutral ground amid persistent tensions between the two countries. (Photo by Jacquelyn Martin - Pool/Getty Images)
جيه دي فانس قاد الوفد الأمريكي المفاوض في باكستان (غيتي)

ماذا قال فانس للإسرائيليين؟

في مقابلة مع نيويورك تايمز نُشرت أمس الخميس، ثم في إفادة بالبيت الأبيض، خص فانس بالذكر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، سائلا: “ما هو مقترحكم تحديدا؟ أنتم دولة تعدادها تسعة ملايين نسمة. لا يمكنكم ببساطة أن تعتمدوا القتل كوسيلة لحل كل مشكلة أمن قومي”.

إعلان

وفي البيت الأبيض، شدد على أن “المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست دونالد ترمب، وأي شخص في إسرائيل يعتقد أن أكبر مشكلاته هي رئيس الولايات المتحدة عليه أن ينتبه ويدرك حقيقة الوضع الذي تمر به بلاده”، مذكرا بأن ثلثي الأسلحة الدفاعية التي حمت إسرائيل “صنعت بأيدٍ أمريكية ومن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين”.

ورد بن غفير، عبر منصة “إكس”، قائلا: “هذا هو المقترح.. التعامل مع نازيي القرن الحادي والعشرين، كما تعاملت الولايات المتحدة مع نازيي القرن العشرين”.

ويعكس هذا الرد حدة الرفض داخل اليمين الإسرائيلي لأي تهدئة مع إيران وحزب الله، ولا سيما في الساحة اللبنانية.

Israel's Prime Minister Benjamin Netanyahu and National Security Minister Itamar Ben-Gvir visit the scene where a suspected shooting attack took place at the outskirts of Jerusalem September 8, 2025 REUTERS/Ronen Zvulun/Pool/File Photo Purchase Licensing Rights
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (وسط) ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (يمين) (رويترز)

لبنان في قلب الخلاف

يزيد الملف اللبناني حساسية المشهد، فقد قال ترمب في كلمته الختامية بقمة مجموعة السبع في فرنسا إن على نتنياهو اعتماد “نهج أكثر مرونة” تجاه لبنان، مضيفا أنه لا حاجة إلى هدم مبنى سكني كلما جرى البحث عن شخص من حزب الله.

ثم أعلن في منشور على “تروث سوشيال” أنه يتوقع “وقفا كاملا لإطلاق النار على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان وحزب الله وإسرائيل”.

لكن نتنياهو لم يذهب في الاتجاه نفسه، ففي أول تعليق له بعد الاتفاق، خلال فعالية رسمية، شدد على تقدير العلاقة مع واشنطن، لكنه أكد أن إسرائيل ستُبقي قواتها في جنوب لبنان طالما اقتضت احتياجاتها الأمنية ذلك.

كما أن غارات الجيش الإسرائيلي لم تتوقف، إذ قُتل 16 شخصا على الأقل جراء غارات إسرائيلية استهدفت ليل الجمعة منطقة النبطية في جنوب لبنان، وفق ما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام.

“صقور واشنطن” والاتفاق

النقد الأمريكي للاتفاق لا يأتي من إسرائيل وحدها، فقد انتقده مشرعون جمهوريون بارزون ومؤسسات ضغط مقربة من إسرائيل، إذ وصفه السيناتور تيد كروز بأنه “غير حكيم”، وسماه السيناتور بيل كاسيدي “أسوأ خطأ سياسي في عقد”، فيما رأى السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة، أن ما ستحصل عليه إيران يجعل اتفاق أوباما “يبدو تافها بالمقارنة”.

كما أصدرت لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) بيانا مفصلا انتقد رفع العقوبات وغياب قيود واضحة على برنامجي إيران النووي والصاروخي.

لكن اللافت أن كثيرين من هؤلاء يتجنبون الاصطدام المباشر بترمب، فيوجهون انتقاداتهم إلى فانس أو إلى تفاصيل الاتفاق التنفيذية، وهو ما يعكس -في قراءة محللين- وزن ترمب داخل الحزب الجمهوري وقدرته على إعادة تعريف الموقف المقبول من إيران وإسرائيل في آن واحد.

FILE PHOTO: Subcommittee chairman U.S. Senator Ted Cruz (R-TX) presides over a Senate Judiciary subcommittee hearing on Special Counsel Jack Smith’s investigation into whether U.S. President Donald Trump had interfered with the 2020 election, code-named Arctic Frost, on Capitol Hill in Washington, D.C., U.S., March 24, 2026. REUTERS/Jonathan Ernst/File Photo
السيناتور الأمريكي تيد كروز أبرز المعارضين للاتفاق (رويترز)

هل تتزعزع ثقة الإسرائيليين بترمب؟

داخل إسرائيل، لا تبدو المخاوف محصورة في الحكومة، فقد أظهر استطلاع للقناة 12 الإسرائيلية، نقلته تايمز أوف إسرائيل الخميس، أن 71% من الإسرائيليين لا يثقون بترمب في رعاية مصالحهم ضمن اتفاق مع إيران، وأن 11% فقط يعتقدون أن إسرائيل خرجت منتصرة من الحرب، فيما رأى 52% أن أداء نتنياهو أضر بمصالح بلادهم.

وتعكس هذه الأرقام تحولا في صورة ترمب داخل الرأي العام الإسرائيلي، بعدما ظل لسنوات يحظى بتأييد واسع بوصفه حليفا استثنائيا منذ اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقله السفارة إليها.

إعلان

وفي الداخل الإسرائيلي، حاولت المعارضة توظيف السجال الأمريكي الإسرائيلي لتأكيد أن الأزمة أوسع من خلاف عابر بشأن اتفاق إيران.

وقال رئيس المعارضة يائير لبيد إن يوما واحدا شهد غضب نائب الرئيس الأمريكي من سموتريتش وبن غفير، وقطع وزير الخارجية جدعون ساعر الاتصالات مع مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، وتصريحات ترمب عن “عدم مسؤولية” نتنياهو في لبنان.

وخلص إلى أن استمرار هذه الحكومة، وفق تعبيره، يهدد بتآكل علاقات إسرائيل الخارجية.

ومع ذلك، لا ينبغي قراءة اللحظة باعتبارها انهيارا في العلاقة، فالتاريخ الأمريكي الإسرائيلي يكشف عن خلافات انتهت غالبا إلى تثبيت التحالف لا تفكيكه.

ففي عام 2015، هاجم نتنياهو اتفاق باراك أوباما النووي مع إيران أمام الكونغرس، قبل أن توقّع إدارة أوباما لاحقا أكبر حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 38 مليار دولار.

U.S. President Donald Trump and Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu hold a joint press conference in the State Dining Room at the White House, in Washington, D.C., U.S., September 29, 2025. REUTERS/Kevin Lamarque
ترمب ، رغم تصعيد لهجته ضد نتنياهو، رجح أن يدعمه في الانتخابات القادمة (رويترز)

في المحصلة، لا يمكن قراءة التراشق على أنه نهاية التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فترمب نفسه صرح بأنه “من المرجح جدا” أن يدعم نتنياهو في الانتخابات المقبلة، واصفا إياه بأنه يقوم بـ”عمل جيد” لكنه يحتاج ليكون “أكثر عقلانية”.

ما يظهر اليوم للعلن يبدو إعادة ضبط لقواعد الاشتباك السياسي بين البلدين، فواشنطن ترسل رسالة مفادها أن مظلتها الأمنية غير المحدودة لا تعني شيكا مفتوحا لإشعال حروب لا تخدم الإستراتيجية الأمريكية الأوسع، بينما تحاول إسرائيل التمرد على هذه القيود للحفاظ على قوة الردع الإقليمية.

 

المصدر: الجزيرة