باكستان وأفغانستان.. نزاع على الحدود أم جزء من لعبة الكبار؟

لا تريد باكستان ولا أفغانستان الدخول في حرب شاملة لكنهما تدفعان على ما يبدو ثمن التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط وجنوب آسيا بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ من الأراضي الأفغانية، والذي يقول محللون إنه مثير للتساؤلات.

فبين الفينة والأخرى يتبادل البلدان المسلمان اتهامات وربما هجمات تودي بحياة عشرات وربما مئات الأشخاص، ويلقي كل واحد منهما باللائمة على الآخر في الإبقاء على حالة عدم الاستقرار المرشحة للتصاعد.

وفي أحدث حلقات النزاع، شنت باكستان ضربات جوية ونفذت عملية برية شرقي أفغانستان ضد من وصفتهم بالمنشقين عن حركة طالبان الباكستانية في ولايات باكتيا وباكتيكا وكونرا، ردا على هجوم استهدف مقار لقوات الرينجرز الباكستانية شبه العسكرية في كراتشي جنوبي البلاد.

لكن كابل تقول إن الضربات قتلت 36 مدنيا وأصابت 163 آخرين، مما حدا بها لتسليم مذكرة احتجاج رسمية على انتهاك المجال الجوي للبلاد للقائم بالأعمال الباكستاني في إسلام أباد.

صراع متجدد

وهذه الهجمات ليست جديدة فهي تتجدد بين الحين والآخر حيث تتهم إسلام أباد حركة طالبان الباكستانية بشن هجمات عليها، لكن الكاتب الصحفي طاهر خان، يرى أن باكستان تخلت عن الصبر الإستراتيجي الحذر الذي كانت تمارسه تجاه أفغانستان.

فالهجمات التي تتعرض لها الأراضي الباكستانية من وقت لآخر أوقعت نحو 4 آلاف مدني وعسكري بين قتيل ومصاب وبالتالي لم يعد ممكنا أن تقف إسلام أباد موقف المتفرج، وفق ما قاله خان في برنامج “ما وراء الخبر”.

كما أن الوساطة التي قامت بها السعودية وقطر وتركيا والصين لرأب الصدع بين البلدين لم تفلح في وقف تصاعد هذه الهجمات التي قال خان إنها تتطلب موقفا حاسما غير موجود من حكومتي البلدين.

فالوسطاء يمكنهم جمع البلدين على الطاولة لكنهم لا يملكون إلزامهم بتنفيذ التعهدات خاصة وأن إسلام أباد تحمل كابل مسؤولية أي هجوم يطال باكستان حتى لو كان بعيدا عن الحدود بين البلدين، كما يقول خان.

إعلان

صحيح أن حكومة كابل ربما ليست مسؤولة لكنها مطالبة بالتحقيق في هذه التحركات التي يقول خان إنها تجري على أرضها أو تنطلق منها، بينما يرد المحلل السياسي عبيد الله بهير على هذا الكلام بأن باكستان كلما هوجمت من أي طرف هاجمت أفغانستان.

كما أن أفغانستان ليست مضطرة -برأي بهير- لإثبات براءتها من هذه الهجمات التي يجب على باكستان تقديم الدليل على تورط الجانب الأفغاني فيها، بدلا من محاولة تحميله مسؤولية فشلها الأمني الداخلي.

والأهم من ذلك أن باكستان تمتلك الجيش الأقوى والبنية التحتية الأكثر تطورا على الحدود ومن ثم فهي الأقدر على وقف الهجمات التي لم تقدم أدلة عليها منذ عشرين عاما، بطريقة يرى بهير أنها ستفسد العلاقات بين البلدين.

Afghan firefighters and Taliban security personnel work to extinguish fires after Pakistani airstrikes allegedly hit the Secondary Rehabilitation Services Centre in Kabul on March 16, 2026. Heavy casualties were feared on Tuesday after Afghanistan accused Pakistan of hitting a treatment centre for drug addicts in the capital, Kabul, and killing civilians. Pakistan denied deliberately targeting the facility, instead saying it had conducted precision strikes on "military installations and terrorist support infrastructure". The Pakistani military has struck Kabul several times in recent weeks, as part of a conflict sparked by claims that the Taliban government has harboured extremists who have carried out attacks across the border. (Photo by Wakil KOHSAR / AFP)
رجال إطفاء أفغان وعناصر أمن من حركة طالبان يحاولون إخماد النيران عقب غارات جوية باكستانية على كابول يوم 16 مارس/آذار 2026 (الفرنسية)

فات وقت التفاوض

ففرصة التفاوض فات أوانها، برأي بهير الذي قال إن حكومة كابل “مدت يدها بالسلام، لكن مواصلة تحميلها مسؤولية فشل باكستان في حفظ أمنها يعني أننا سنظل في مواجهة هذه الحرب المفروضة علينا”.

وبعيدا عن هذا وذاك، يرى الصحفي المتخصص في الشؤون الآسيوية وائل عواد أن الأزمة ليست جديدة وربما تتفاقم لكنها “لن تصل إلى الحرب الشاملة التي لا يريدها أي بلد من البلدين”.

فالمشكلة برأي عواد أن باكستان كانت تعتقد أن طالبان ستكون عمقا إستراتيجيا لها بعد عودتها للحكم عام 2021، “لكنها صُدمت بأن طالبان اليوم ليست هي طالبان الأمس”.

وبالنظر إلى المخاطر الكبيرة التي  تواجهها إسلام أباد من الهند شرقا ومن أفغانستان غربا، فقد بدأت زعزعة الاستقرار داخل أفغانستان، بدلا من محاولة ترتيب بيتها الأمني الداخلي، كما يقول عواد، الذي توقع أن ترد طالبان على هذه الهجمات.

Taliban soldiers pose as they stand on a Humvee, following exchanges of fire between Pakistani and Afghan forces, in Momand Dara, Nangarhar province, Afghanistan, February 28, 2026. REUTERS/Stringer
جنود من حركة طالبان يقفون لالتقاط صورة فوق مركبة “همفي” عقب تبادل لإطلاق النار بين القوات الباكستانية والأفغانية في منطقة موماند دارا بمقاطعة ننجرهار يوم 28 فبراير/شباط 2026 (رويترز)

صراع جيوإستراتيجي

لكن الأخطر برأي المتحدث أن سلوك باكستان “يعزز مشاعر العداء الأفغانية، لأن كابل تواجه تهديدات من عدة أطراف وليس من إسلام أباد فقط”، بحسب عواد، الذي قال إن طالبان “لم تعترف بخط ديورند الحدودي الذي رسمه الاستعمار البريطاني، ويمكنها زعزعة أمن باكستان عن طريق الجماعات الموالية لها”.

ومع ذلك، لا ينفي عواد تعرض باكستان أيضا لضغوط جراء انضمامها للممر الاقتصادي الصيني، ويرى أن ما يجري ليس نزاعا حدوديا بقدر ما هو جزء من صراع جيوإستراتيجي كبير في جنوب آسيا.

فلا أحد يعرف ما الذي سيحدث في هذه المنطقة بعد الانسحاب الأمريكي المفاجئ من أفغانستان، والذي قال عواد إنه “ترك كثيرا من الأسئلة حول مستقبل جنوب آسيا التي ربما تشهد سطوع جماعات مسلحة جديدة أو عودة للإرهاب”.

 

المصدر: الجزيرة