منذ أسبوع، ينتظر سوريا تامانغ خبرا عن شقيقه سونام، أحد آلاف المفقودين في فيضانات نيبال. وفي معسكر للجيش قرب كاتماندو، يفتش بين قوائم الناجين المعلقة على الجدران، لكن الاسم الذي يبحث عنه لا يزال غائبا.
ولا يزال سونام (34 عاما) في عداد المفقودين، بينما تتضاءل آمال العثور على ناجين مع مرور الأيام. ويقول شقيقه وهو على وشك البكاء “بدأت أفقد الأمل، لكنني ما زلت أبحث عنه”.
وارتفعت حصيلة الكارثة إلى ما لا يقل عن 1050 قتيلا، بينما لا يزال نحو 4 آلاف شخص في عداد المفقودين، وسط مخاوف من أن يكون كثير منهم مدفونين تحت كميات هائلة من الطين والصخور والأنقاض.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، أعلنت السلطات الصينية مقتل 16 شخصا وفقدان 546 آخرين في التبت.
الأمل يتضاءل تحت الأنقاض
يقول المسؤول في المركز الوطني لعمليات الطوارئ فانيندرا باوديل إن “الآمال في العثور على ناجين تتضاءل”، في حين تواصل فرق الإنقاذ عملياتها داخل أنفاق عدد من محطات الطاقة الكهرومائية التي يُعتقد أن أشخاصا ما زالوا عالقين فيها.
وتمكنت السلطات من إنقاذ 279 شخصا من مواقع مشروعات الطاقة، لكن 639 آخرين على الأقل ما زالوا في عداد المفقودين، ويُعتقد أن بعضهم محاصرون داخل الأنفاق.

وفي بعض المواقع، حفرت فرق الإنقاذ فتحات في الأنفاق وأنزلت أفرادا بالحبال، كما ضخت الأكسجين إلى الداخل بحثا عن أي إشارة للحياة، لكن عمليات مماثلة انتهت من دون العثور على ناجين.
ويقول الجنرال المتقاعد بينوج باسنيت، الذي أشرف على عمليات البحث والإنقاذ خلال زلزال نيبال عام 2015، إن طبيعة الكارثة والمناطق التي ضربتها تجعل فرص العثور على ناجين أقل مع مرور كل يوم.
المشارح تمتلئ والدفن الجماعي يبدأ
ومع تقلص فرص النجاة، تواجه السلطات تحديا مختلفا، يتمثل في التعامل مع الأعداد المتزايدة من الجثث.
وامتلأت المشارح في المناطق المتضررة، وبدأت عمليات دفن جماعي تُلف فيها الجثث بأكياس بلاستيكية، وتوضع عليها بطاقات تعريف قبل إنزالها في قبور مؤقتة، على أمل أن تتمكن العائلات لاحقا من إعادة دفن أقربائها بصورة لائقة.
ووجهت السلطات إدارات المقاطعات إلى جمع عينات من الحمض النووي قبل اللجوء إلى الدفن الجماعي، بعدما جعل تحلل الجثث وخطر العدوى ونقص سعة المشارح الاحتفاظ بها أمرا بالغ الصعوبة.

وفي قرى على ضفاف نهر تريشولي، لا يزال السكان يعتقدون أن أقاربهم مدفونون تحت طبقات سميكة من الطين والصخور.
ويشير تاجر الأقمشة أشوك تشوراسيا إلى ركام متراكم على ضفة النهر، قائلا إنه يعتقد أن جثتي ابن أخيه راهول (18 عاما) وزوجة أخيه أوشا (51 عاما) موجودتان تحته بعدما جرفتهما المياه أثناء محاولتهما الفرار.
2.2 مليون طن من الأنقاض
ومع استمرار عمليات البحث، بدأت الحكومة النيبالية بالفعل تحويل جزء من اهتمامها نحو الترميم وإعادة الإعمار.
وقال رئيس الوزراء باليندرا شاه إن الحكومة تركز الآن على إعادة تأهيل المناطق المتضررة، إلى جانب حماية السكان وتوفير العلاج والرعاية النفسية للناجين.
ويكشف حجم الأنقاض عن ضخامة المهمة المقبلة، إذ قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الفيضانات خلّفت ما لا يقل عن 2.2 مليون طن من الحطام والصخور والرواسب وأجزاء المباني، وهي كمية تعادل نحو 6 مبان بحجم مبنى “إمباير ستيت”.
وعلى امتداد نهر تريشولي، جرفت المياه جسورا وطرقا ومنازل، وحولت حقول الأرز إلى وحل، بينما استقرت صخور بحجم مبان داخل مجرى النهر.
وفي بلدة بيدور، إحدى أكثر المناطق تضررا، بات هطل أمطار خفيفة يدفع السكان إلى الصعود نحو مناطق أعلى خوفا من عودة الفيضانات.
أما بارفاتي أديكاري (40 عاما) فانتقلت مع زوجها وبقرتيها إلى مأوى مؤقت أعلى الجبل، بعد أن فقدت منزلها وكل ما كانت تملكه تقريبا.
وتقول “لا أملك شيئا سوى هذه الملابس التي أرتديها”، في حين أصبحت حتى بعض الأسر الميسورة تعتمد على مخيمات الإغاثة للحصول على الطعام والمأوى.
ولا تنتهي المخاطر بانحسار المياه، فقد حذرت الأمم المتحدة من تزايد المخاطر الصحية في المناطق المنكوبة نتيجة اكتظاظ الملاجئ وتلوث مصادر المياه وتضرر المنشآت الصحية، لا سيما بالنسبة للنساء والأطفال خلال موسم الرياح الموسمية.
ويقيم نحو 3500 شخص حاليا في 27 موقعا للنازحين في منطقتي نواكوت وراسووا، وهما من أكثر المناطق تضررا، في وقت عززت الحكومة إجراءات المراقبة الصحية لمنع تفشي الأمراض.
لماذا حدثت الكارثة؟
لا يزال السبب الدقيق للانهيار الذي أشعل سلسلة الفيضانات والانهيارات الأرضية قيد الدراسة.
وتشير تقديرات خبراء إلى أن كتلة ضخمة من الصخور والجليد انفصلت عن الوجه الشمالي لجبل لانغتانغ ليرونغ صباح 26 أغسطس/آب، مع ترجيح أن يكون صخر الأساس نفسه قد انهار وحمل الجليد معه، بدلا من انهيار الجليد بصورة مستقلة.
ويرى علماء أن ارتفاع درجات الحرارة أسهم في زيادة عدم الاستقرار في جبال الهيمالايا، حيث ترتفع الحرارة بنحو ضعفي المتوسط العالمي، لكنهم يحذرون من نسبة الانهيار الأخير مباشرة إلى تغير المناخ قبل اكتمال الدراسات العلمية.
ووصف وزير الخارجية النيبالي شيشير خانال ما حدث بأنه لم يكن “فيضانا عاديا”، وقال إن الأمواج بلغت ارتفاعات تراوحت بين 20 و30 مترا وبسرعات وصلت إلى 180 كيلومترا في الساعة، مضيفا أن حجم الكارثة يبرر وصفها بـ”تسونامي الهيمالايا”.

لكن بالنسبة لآلاف العائلات، يظل السؤال الأكثر إلحاحا أبسط من الجدل بشأن أسباب الكارثة.
ففي مراكز الإغاثة والمستشفيات ومعسكرات الجيش، ما زال أقرباء المفقودين يبحثون في قوائم الأسماء والصور، ويتمسكون بما تبقى من أمل في العثور على أحبائهم أحياء.
وبينما تبدأ نيبال حساب كلفة الكارثة والاستعداد لإعادة البناء، لا تزال عائلات آلاف المفقودين -ومن بينها عائلة تامانغ- تنتظر إجابة عن السؤال الأصعب: هل يعود أحباؤها أم تتحول عمليات البحث إلى انتظار للجثث؟
المصدر: الجزيرة