لم تكن سمية علي ناصر تبحث عن وظيفة حين قصدت مؤسسة الحق في الحياة بالعاصمة المؤقتة عدن جنوبي اليمن، بل عن علاج لطفلها أحمد المصاب بالشلل الدماغي. هناك وجدت جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي مجانا، ثم حصلت أيضا على فرصة عمل تساعدها على إعالة أسرتها والمشاركة في رعاية أطفال يعانون الحالة نفسها.
لكن الرعاية التي خففت عن سمية وأسرتها أعباء العلاج والمعيشة، أصبح استمرارها مهددا مع تراجع التمويل الذي تعتمد عليه المؤسسة لتقديم خدماتها لمئات الأطفال، في بلد أنهكت الحرب اقتصاده وخدماته الأساسية.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وتقول سمية للجزيرة نت إن تراجع الدعم أثر في المواصلات التي كانت تنقل الأطفال مجانا إلى المركز، كما أصبحت أسعار الأدوية والعلاجات عبئا ثقيلا على الأسر التي تحتاج إلى رعاية مستمرة لأبنائها.
ولم تعد تداعيات الأزمة مجرد مخاوف، إذ تؤكد المؤسسة أن نسبة حضور الأطفال لجلسات العلاج تراجعت إلى 30% فقط. وكانت قد أعلنت مطلع سبتمبر/أيلول الماضي وفاة طفل وطفلة من المستفيدين من خدماتها في أيام متقاربة، دون أن تتضح الأسباب الطبية للوفاتين.

أزمة التمويل
في مقر مؤسسة الحق في الحياة بمنطقة الخساف في كريتر، أحد أقدم أحياء عدن، يتلقى الأطفال خدمات العلاج الطبيعي والوظيفي والتخاطب، إلى جانب برامج تعليمية وتأهيلية تستهدف تحسين قدراتهم الحركية وتواصلهم واعتمادهم على أنفسهم.
ويقول المسؤول الإعلامي للمؤسسة، علي الكويتي، للجزيرة نت إن المؤسسة، التي تأسست عام 2006، تقدم خدماتها لأكثر من 400 طفل وشخص من ذوي الإعاقة الناتجة عن الشلل الدماغي، ينتمون إلى مديريات عدن الثماني.
ويشير إلى أن تراجع مساهمات بعض الجهات المانحة في الفترة الأخيرة تسبب في عجز مالي أثر في انتظام الخدمات، بعدما كانت المؤسسة تعتمد على هذا الدعم لتغطية جانب كبير من احتياجاتها التشغيلية.
ويكشف الكويتي أن الحضور انخفض إلى 30% فقط بسبب الأزمة، مؤكدا أن عشرات الأطفال انقطعوا بالفعل عن الحضور، في مؤشر على حجم الصعوبات التي تواجه الأسر في الاستفادة من برامج التأهيل.
ومن أبرز مظاهر الأزمة تعثر المواصلات المجانية، التي كانت تنقل الأطفال من منازلهم إلى المركز وتعيدهم بعد انتهاء جلساتهم، إذ أدى نقص التمويل والوقود إلى تقليص الخدمة.
وكانت المؤسسة قد حذرت في أغسطس/آب الماضي من تداعيات نقص الوقود على استمرار النقل، وهو ما أضاف عبئا على أسر تحتاج إلى نقل أطفالها بصورة متكررة، ويواجه بعض أفرادها صعوبات في الحركة والتنقل دون مساعدة.
لكن تراجع التمويل يثير مخاوف أوسع من تعثر المواصلات، تتعلق بقدرة المؤسسة على المحافظة على برامج العلاج والتأهيل والتعليم، في وقت تتزايد فيه احتياجات الأطفال وتضعف قدرة أسرهم على تحمل تكاليف الرعاية خارج المركز.
وبالنسبة إلى سمية، فإن توفير جلسات التأهيل لا يلغي الأعباء الصحية الأخرى، وفي مقدمتها الأدوية والعلاجات التي تقول إن أسعارها أصبحت باهظة، مطالبة الجهات الحكومية بتوفيرها مجانا للأطفال الذين تعجز أسرهم عن تحمل تكاليف علاجهم.

وفاتان ومخاوف
وسط هذه التحديات، أعلنت مؤسسة الحق في الحياة في 5 سبتمبر/أيلول الماضي وفاة طفل وطفلة من المستفيدين من خدماتها في أيام متقاربة، في واقعة أعادت الاهتمام بالأوضاع الصحية للأطفال الذين يحتاج بعضهم إلى متابعة ورعاية مستمرتين.
وفي حديثه للجزيرة نت، يربط الكويتي الوفاتين بتعذر وصول خدمات الرعاية إلى الطفلين، محذرا من خطورة انقطاع الخدمات عن الأطفال الذين تتطلب حالاتهم متابعة صحية منتظمة.
غير أن الأسباب الطبية للوفاتين لم تتضح بصورة مستقلة، ولا تتوفر معلومات طبية موثقة تثبت أن تعثر الخدمات كان سببا مباشرا فيهما.
وتتفاوت الاحتياجات الصحية للأطفال المصابين بالشلل الدماغي بحسب شدة حالاتهم، إذ يواجه بعضهم صعوبات في الحركة والتوازن والتخاطب، وقد يحتاج آخرون إلى متابعة مشكلات التشنجات والبلع والتغذية وغيرها من المضاعفات.
ويوضح اختصاصي العلاج الطبيعي في المؤسسة، الدكتور أسامة محمد أحمد، أن برامج التأهيل تستهدف تحسين الحركة والمشي والتقلب والتخاطب، وتعزيز قدرة الأطفال على أداء الأنشطة اليومية باستقلالية أكبر.
ويشير إلى أن عددا من الأطفال حقق تحسنا ملحوظا بفضل جلسات التأهيل، وهو ما يبرز أهمية مواصلة البرامج العلاجية المناسبة لكل حالة.
ورغم أن الإصابة الدماغية الأساسية في الشلل الدماغي لا تتفاقم مع مرور الوقت، فإن بعض المشكلات العضلية والحركية المصاحبة قد تزداد مع النمو، مما يجعل المتابعة والتأهيل المنتظمين مهمين للمحافظة على القدرات الحركية والحد من المضاعفات المحتملة.

العلاج والمعيشة
ولا تقف الأعباء التي تواجه أسر أطفال الشلل الدماغي عند تأمين العلاج والتأهيل، بل تمتد إلى توفير الدواء والغذاء واحتياجات الحياة اليومية، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
في مخبز الحق بعدن، يعمل عمار عبد الله، وهو والد طفل مصاب بالشلل الدماغي، لتأمين دخل يساعده على إعالة أسرته ومواجهة جانب من تكاليف رعاية ابنه.
وبين العجين وأفران الخبز، يمضي عمار يومه في عمل يخفف عنه بعض الأعباء الاقتصادية، لكنه لا يلغي الصعوبات التي تواجهها أسر الأطفال المصابين بالإعاقة في الحصول على الأدوية والرعاية الصحية.
ويقول للجزيرة نت إن توفير العلاج والدواء يمثل تحديا مستمرا لكثير من هذه الأسر، في ظل ارتفاع التكاليف ومحدودية الإمكانات، خاصة أن احتياجات بعض الأطفال تتطلب متابعة صحية وتأهيلية متواصلة.
وقد حصل عمار على فرصة عمل في المخبز المرتبط بمؤسسة الحق في الحياة، وهو أحد المشروعات التي تسهم في توفير فرص عمل لبعض أولياء الأمور، إلى جانب دعم أنشطة المؤسسة.
ويصف عمار المؤسسة بأنها “نقطة بيضاء في هذه العتمة”، لما وفرته لطفله من رعاية واهتمام.
وتكشف تجربته جانبا آخر من معاناة أسر أطفال الشلل الدماغي، إذ تتداخل الحاجة إلى توفير دخل للأسرة مع متطلبات الرعاية الصحية والتأهيل، بينما يزيد تراجع الخدمات المجانية الأعباء التي يتحملها الآباء والأمهات.

تعليم مهدد
ولا تقتصر احتياجات الأطفال المصابين بالشلل الدماغي على الرعاية الصحية، بل تشمل أيضا التعليم وتنمية المهارات والتواصل والمشاركة في الحياة اليومية.
وتوفر مؤسسة الحق في الحياة برامج تعليمية تبدأ بمرحلة ما قبل التعليم الأكاديمي والروضة، وتمتد إلى الصفوف الدراسية الأولى، ضمن محاولات تهيئة الأطفال للتعلم والاندماج في المجتمع.
غير أن توفير فرص تعليم مناسبة لهذه الفئة يتطلب أكثر من وجود فصول داخل مركز التأهيل، إذ يحتاج بعض الأطفال إلى وسائل مساعدة وبيئة مدرسية مهيأة ومعلمين مدربين على التعامل مع احتياجاتهم المختلفة.
وفي 6 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، بحث وزير التربية والتعليم اليمني عادل العبادي مع ممثلين عن المؤسسة إمكانية توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز فرص تعليم الأطفال المصابين بالشلل الدماغي، وتوفير بيئة تعليمية تراعي احتياجاتهم وتساعد على دمجهم في العملية التعليمية.
وتأتي مساعي توسيع فرص التعليم في وقت تواجه فيه خدمات العلاج والتأهيل القائمة تحدي الاستمرار، مع تراجع التمويل وانخفاض حضور الأطفال إلى المركز.
أما سمية علي ناصر، التي قصدت المؤسسة بحثا عن علاج لابنها أحمد، فقد أصبح همها اليوم ألا ينقطع عن الجلسات التي يحتاج إليها، وألا تتحول تكاليف الرعاية إلى عبء يفوق قدرة أسرتها.
وهو قلق تشاركها فيه أسر أخرى انقطع أطفالها عن الحضور، لا لأن حاجتهم إلى العلاج والتأهيل قد تراجعت، بل لأن قدرتهم على الوصول إليهما أصبحت أكثر صعوبة.
المصدر: الجزيرة