كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، الثلاثاء، أن إيران اضطرت إلى استيراد قطع ومكونات من الصين ودول غربية عند تصنيعها طائرات مسيرة من طراز “شاهد”، التي اعتمد تطويرها على تصميم ابتكرته الولايات المتحدة وألمانيا الغربية.
وجاء ذلك استنادا إلى تصريحات مسؤولين أوكرانيين ومسؤولين أمريكيين سابقين ومحللين، الذين أكدوا أن المكونات الغربية كانت تُنقل غالبا عبر شركات وهمية في الصين أو هونغ كونغ بهدف إخفاء منشئها، قبل أن تستبدل العديد من القطع بمكونات مصنعة محليا مع مرور الوقت.
واليوم، أصبحت الطائرة المسيرة “شاهد” -الشبيهة في أثرها بالصواريخ- قادرة على الطيران بسرعة تصل إلى حوالي 300 ميل في الساعة (نحو 482.8 كيلومترا في الساعة)، أي ما يعادل 3 أضعاف سرعة الإصدارات القديمة، مما يجعلها أحدث ابتكار في مجال المسيرات الهجومية ذات الاتجاه الواحد.
ولم يكن ذلك ممكنا من دون الصين، التي كانت بمثابة أهم مركز لتوريد وتوزيع أجزاء المحرك والمحركات المؤازرة والجيروسكوبات، وفقا لمسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين ومحللين.
وبحسب المسؤولين الأوكرانيين والأمريكيين والوثائق المسربة، مكّنت الصين بسلسلة إمداد عالمية معقدة إيران -وهي دولة معزولة بفعل العقوبات الأمريكية والدولية- من ريادة وتبادل أحد أكثر الابتكارات العسكرية تأثيرا في عصرنا الحالي: مسيرات قتالية رخيصة الثمن، التي أرهقت الولايات المتحدة وحلفاءها، وزادت الخسائر في صفوف المدنيين في أوكرانيا، وقوضت التفوق العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط.

ابتكار عسكري تحت وطأة العزلة
كان طاقم ناقلة النفط “إم في ميرسر ستريت” أول من شهد إمكانيات المسيرة القتالية من طراز “شاهد-136”-تلك الطائرة ذات اللون الأخضر الفاتح على شكل دلتا- التي اصطدمت بمقصورة القيادة، مخلفة أولى ضحاياها: القبطان الروماني وضابط أمن بريطاني.
وجاءت هذه الطائرة المسيرة ثمرة عقود من الجهود التي بذلتها إيران لإعادة بناء سلاح جوّها، الذي تعرض للتدمير الشديد جراء عمليات التطهير والانشقاقات التي أعقبت ثورة عام 1979، فضلا عن حظر واشنطن على قطع غيار الطائرات الأمريكية الصنع.
بيد أن التحدي الأكبر الذي واجه المهندسين الإيرانيين في تصنيع مسيرات “شاهد” تمثل في تطوير محرك قادر على تحمل السرعات العالية ودرجات الحرارة المرتفعة ساعات متواصلة. وكان تصميم المحرك الألماني “إل 550 إي” أفضل الخيارات المتاحة آنذاك.
وفي هذا الصدد، كشف موقع “ويكيليكس” عام 2008 عن برقية مسربة وجهها دبلوماسيون أمريكيون إلى نظرائهم الألمان، تُوضح كيف حصلت إيران على المحرك من الشركة المصنعة له، “ليمباخ فلوغموتورين”، على الأرجح بمساعدة وسطاء استخدموا وثائق مزورة لإبعاد شكوك مفتشي الجمارك.
وفي عام 2012، بدأت شركة صينية في توزيع محركات “ليمباخ”، قبل أن تستحوذ على الشركة الألمانية بالكامل في عام 2017، مما سهل على إيران استيراد هذه المحركات.
وقد طورت إيران في نهاية المطاف محركا خاصا بها استنادا إلى نماذج “ليمباخ” بقيادة شركة “أوجي بارفاز مادو نافار”، وهي شركة مرتبطة بالحرس الثوري الإيرانية، وفقا لوزارة الخزانة الأمريكية. غير أن المحرك اعتمد هو الآخر على مكونات رخيصة مصدرها الصين.
وذكرت الصحيفة أن الطائرات المسيرة أحادية الاتجاه الإيرانية والروسية اعتمدت أيضا على قطع غيار من دول غربية، تشمل وحدات التحكم الدقيقة من شركة “تكساس إنسترومنتس” والمستقرات الخطية من شركة “إس تي مايكروإلكترونيكس” في سويسرا، وذلك وفقا لنتائج عمليات تفكيك الطائرات التي أجراها باحثون حكوميون أوكرانيون ووثائق مسربة من روسيا.
فرض عقوبات
بدورها، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الشركة التابعة للشركة الصينية “شيامن ليمباخ لمحركات الطائرات” لتزويدها روسيا بالمحركات اللازمة لبرنامج الطائرات المسيرة الخاص بها.
كما فرضت الوزارة عقوبات على شركة “مادو” في عام 2021. وفي وقت لاحق، أعلنت أوكرانيا أن المالك المشارك للشركة ورئيس مجلس إدارتها، العميد عبد الله مهرابي، كان مسؤولا بشكل مباشر عن صفقة أُبرمت في عام 2022 لبيع أكثر من 13 ألف طائرة “شاهد” إلى روسيا، إضافة إلى مكونات ومعدات تصنيع، مقابل 324 مليون دولار.
واستهدفت العقوبات الأمريكية المفروضة على شركة “مادو” كذلك رجل أعمال صينيا يُدعى “ما جي” لمساعدته في توريد قطع الغيار. ويُزعم أن عمله شمل ترتيب لقاءات بين مسؤولي الدفاع الإيرانيين والموردين الصينيين، واستخدام شركات في الصين وهونغ كونغ لشراء قطع غيار لتصنيع محركات مسيرات “شاهد”، مثل قطع الصب المصنوعة من سبائك الألمنيوم.
وخلصت تحقيقات وزارة الخزانة إلى أن جميع القطع الأمريكية والأوروبية تقريبا كانت تُحوَّل عبر وسطاء صينيين، إذ كانت شركات وهمية -غالبا في هونغ كونغ- تطلب قطع غيار من موردين غربيين، مع إخفاء أن الوجهة النهائية هي إيران أو روسيا.
لكن مع مرور الوقت، بدأت المكونات الغربية تختفي تدريجيا من مسيرات “شاهد”، مع اكتسابها قدرات أكثر تطورا في مجالي الملاحة والهجوم، حسب ما نقلته الصحيفة عن مسؤولين ومحللين أوكرانيين.
وقال العقيد أولكسندر زاروبا، وهو باحث حكومي رفيع المستوى في أوكرانيا، إن مسيرات “شاهد” أصبحت الآن مزودة بعدد أكبر من الهوائيات وأجهزة المودم وبطاقات “سيم” لتصحيح مسارات الطيران باستخدام الشبكات المحلية، مضيفا أن هذه المكونات تأتي بشكل متزايد من الصين.
المصدر: الجزيرة