لم تعد أجراس الكنائس الصوت الوحيد الذي يملأ أرجاء القرى المسيحية الواقعة في جنوب لبنان، بل باتت تتداخل معه أصوات القذائف وهدير الطائرات المسيّرة الإسرائيلية.
وتمثّل هذه الأصوات جانبا من مشهد مأساوي يعيشه آلاف السكان المسيحيين العالقين بين مرارة النزوح القسري، ومشاعر الخوف، وحنين جارف إلى بيوت هُجّروا منها تحت وطأة الحرب.
ورصدت وكالة الأناضول في تقريرها معاناة العائلات اللبنانية النازحة للبقاء داخل أديرة وكنائس تحولت بدورها إلى ملاجئ مؤقتة في ظل استمرار التوغل الإسرائيلي داخل عشرات البلدات الحدودية، وسط مخاوف متزايدة من أن يتحول النزوح المؤقت إلى واقع دائم.
وتفرض إسرائيل سيطرتها على شريط حدودي بعمق يتراوح بين 4 كيلومترات و12 كيلومترا داخل الأراضي اللبنانية، في حين تبدو قرى مسيحية في أقضية مرجعيون وحاصبيا وبنت جبيل وكأنها معلقة بين الدمار والغياب، وبين الأمل بعودة الأهالي إلى منازلهم والخشية من فقدانها إلى الأبد.
وتضم هذه البلدات القليعة، ودير ميماس، وبرج الملوك، وجديدة مرجعيون، وراشيا الفخار، ورميش، وعين إبل، ودبل، والقوزح، وعلما الشعب، وهي قرى عُرفت تاريخيا بتمسك سكانها بأرضهم رغم الحروب المتكررة التي شهدها الجنوب اللبناني.
ومع استمرار التحذيرات العسكرية الإسرائيلية لسكان المناطق الحدودية من العودة إلى القرى القريبة من مواقع انتشار قوات الاحتلال، يتمسك كثير من أبناء هذه القرى بأمل العودة واستعادة حياتهم الطبيعية.

معاناة النازحين
ونقلت الأناضول معاناة نزوح سيدة تُدعى بديعة الحداد (65 عاما) التي قالت إن القصف الإسرائيلي المتواصل في بلدة إبل السقي الحدودية دفعها إلى مغادرة منزلها بعدما بات البقاء فيه مستحيلا، مضيفة أن ابنتها كانت تعيش حالة خوف دائمة بسبب أصوات الانفجارات.
وروت بديعة كيف اضطرت إلى اتخاذ قرار النزوح، بعدما فقدت القدرة على النوم، قائلة إنها غادرت مع ابنتها بحثا عن أي مكان آمن يؤويهما. ورغم أن منزلها لم يتعرض للتدمير الكامل، فإن آثار القصف بدت واضحة داخله، على حد تعبيرها.
وتعيش بديعة حاليا داخل حاوية معدنية مع ابنتها وعائلة ابنها، بعدما استضافهم الدير، غير أنها لا تخفي غضبها من استمرار الحروب وما خلّفته من خوف وتشريد ومعاناة.
ويواجه النازحون في لبنان أوضاعا معيشية صعبة نتيجة الأضرار الكبيرة التي لحقت بمنازلهم ومصادر رزقهم، في وقت تحول فيه الانتهاكات الإسرائيلية دون عودة كثير من الأهالي إلى مناطقهم.
كذلك، عبّرت السيدة نبيهة (75 عاما)، وهي نازحة مُهجَّرة من بلدة راشيا الفخار، عن عمق المأساة التي يعيشها أبناء القرى الحدودية جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل على بلدات الجنوب، مؤكدة أنهم باتوا يعيشون على وقع القصف الدائم والخوف من المجهول.
وأضافت: “لا يمكن لأحد أن يترك منزله في مثل هذه الظروف، لولا القصف والخطر المستمران”.

التعايش بين السكان
وذكرت الأناضول أن المؤسسات الدينية في قضاء حاصبيا تحولت إلى ملاذ آمن للعائلات النازحة، في مشهد يعكس طبيعة التعايش التي تتميز بها المنطقة.
بدوره، أكد فارس اللحام، وكيل كنيسة حاصبيا ودير سيدة صيدنايا، أن كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس تمثل رمزا للوحدة بين مختلف الطوائف، مشيرا إلى أن الكنيسة -التي يعود تاريخ ترميمها إلى عام 1836- احتضنت على مدى عقود أبناء المنطقة بمختلف انتماءاتهم.
وفي دير سيدة صيدنايا، تستقبل الراهبات العائلات النازحة القادمة من القرى الحدودية، حيث تقيم حاليا عائلات من بلدتي إبل السقي وراشيا الفخار. ونقلت الأناضول عن الراهبة ستيفاني قولها إن أبواب الدير مفتوحة أمام الجميع دون تمييز ديني أو طائفي، مؤكدة أن حاصبيا لطالما عُرفت بروح التعايش بين سكانها.
كما أوضحت أن الأهالي والمؤسسات المحلية والبلدية والجمعيات ساهموا في دعم النازحين عبر توفير الغذاء والبطانيات والوقود ومياه التدفئة، مؤكدة أن ترك العائلات النازحة لمواجهة مصيرهم في الشوارع أمر مرفوض وغير مقبول تحت أي ظرف.

وترى الراهبة أن جنوب لبنان -أو ما وصفته بـ”عروس لبنان”- يدفع ثمن كل حرب تخوضها البلاد، معبرة عن حزنها لما يعيشه من دمار.
ومنذ 2 مارس/آذار الماضي، تشن إسرائيل هجوما موسعا على لبنان، مما أسفر عن مقتل 3089 شخصا وإصابة 9397 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص وفق معطيات رسمية.
ورغم دخول هدنة حيز التنفيذ في 17 أبريل/نيسان، وتمديدها لمدة 45 يوما حتى مطلع يوليو/تموز المقبل، تواصل إسرائيل خرق الاتفاق عبر قصف واستهداف مناطق في جنوب لبنان، مما أدى إلى موجات نزوح واسعة دفعت آلاف العائلات إلى الإقامة داخل خيام ومراكز إيواء مؤقتة، وسط اعتماد متزايد على المبادرات الفردية والتكافل المجتمعي لتأمين الاحتياجات الأساسية.
المصدر: الجزيرة