تتجه الأنظار اليوم السبت إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد، التي تشهد تحركات دبلوماسية مكثفة مع وصول وفود رفيعة المستوى من واشنطن وطهران، تمهيداً لبدء مفاوضات تهدف إلى تثبيت الهدنة الهشة وإنهاء الحرب بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي استمرت 40 يوماً.
وقال مصدر دبلوماسي باكستاني للجزيرة إن من المتوقع أن تكون المفاوضات مباشرة بين الوفدين الإيراني والأمريكي.
وأعلنت وزارة الخارجية الباكستانية وصول وفد أمريكي على رأسه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد صباح اليوم السبت للتفاوض مع إيران.
كما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤول أمريكي رفيع القول إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أرسل فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في خطوة تهدف إلى إثبات أن هذا الوفد يتحدث باسمه مباشرة ويتمتع بصلاحيات كاملة لإدارة هذا الملف الحساس.

تفاؤل حذر
وتتحدث وسائل إعلام أمريكية عن مؤشرات على سعي الإدارة الأمريكية لإنجاح المفاوضات، إذ نقلت شبكة “سي إن إن” عن مسؤول باكستاني رفيع أن نائب الرئيس الأمريكي كان له دور محوري في إطلاق المحادثات، مشيراً إلى أن فانس كان له دور بارز في الدفع نحو المفاوضات وإيجاد حل دبلوماسي يضع حداً للحرب.
وكان فانس قد صرح أثناء توجهه إلى باكستان بأنه يتوقع نتيجة إيجابية خلال المفاوضات، لكنه أضاف: “إذا كانوا سيحاولون التلاعب بنا، فسوف يجدون أن فريق التفاوض ليس متجاوباً إلى هذا الحد”.
وكان وفد إيراني قد وصل إلى إسلام آباد مساء أمس، يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ويضم وزير الخارجية عباس عراقجي، والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر، والأمين العام لمجلس الدفاع علي أكبر أحمديان، ورئيس البنك المركزي عبد الناصر همتي، إلى جانب أعضاء في البرلمان ولجان سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية وقانونية.
كما أفادت وكالة “فارس” بأن عدد أعضاء الوفد الإيراني الموجود في باكستان يبلغ 70 شخصاً. وأوضحت أن الوفد يضم 26 عضواً من لجان فنية ومتخصصة في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية إلى جانب المفاوضين الرئيسيين، و23 إعلامياً من مؤسسات مختلفة، فيما يضم باقي الوفد فرق المراسم والتنسيق والحماية.
لقاءات تمهيدية
وأفادت وكالة “تسنيم” الإيرانية بأن الفريق الإيراني التقى قائد الجيش الباكستاني ليلة أمس، ومن المقرر أن يجتمع برئيس الوزراء شهباز شريف بعد ظهر اليوم السبت.
كما نقلت وكالة رويترز عن مصادر في إسلام آباد أن مسؤولين باكستانيين عقدوا محادثات مبدئية على نحو منفصل مع فرق استطلاعية من الجانبين الإيراني والأمريكي. ونقلت رويترز عن مصدر باكستاني آخر وصفته بأنه مقرب من المناقشات التي جرت قوله: “نحن متفائلون للغاية”، ورداً على سؤال حول ما إذا كانت المحادثات ستنتهي اليوم السبت، قال المصدر: “من المبكر جداً الجزم بذلك. لديهم تعليمات بإبرام اتفاق أو الانسحاب؛ لذا فهم ليسوا في عجلة من أمرهم، هذه المحادثات ليست محددة بوقت”.
في غضون ذلك، أعرب وزير الخارجية الباكستاني عن أمله في أن ينخرط الوفدان الأمريكي والإيراني في محادثات سلام بناءة خلال جولة المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد، مؤكداً رغبة بلاده في مواصلة العمل على تسهيل التوصل إلى حل دائم للصراع بين الطرفين وإنهاء حالة التوتر التي تعصف بالمنطقة.
حذر إيراني
وقبيل انطلاق المفاوضات، قال وزيرة الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن “إيران تدخل المفاوضات وسط انعدام كامل للثقة بسبب عدم التزام واشنطن بعهودها وخيانتها للدبلوماسية.”
وكان التلفزيون الإيراني نقل عن قاليباف قوله -في تصريح لدى وصوله إلى مطار إسلام آباد- إن تجربة إيران السابقة في التفاوض مع واشنطن كانت “دائماً مصحوبة بالفشل ونقض العهود”. وأضاف أن بلاده تعرضت -خلال أقل من عام من المفاوضات ورغم إبدائها حسن النية- لهجومين، وارتُكبت بحقها “جرائم حرب متعددة”.
وأكد قاليباف أن إيران تدخل هذه المفاوضات بحسن نية لكنها تفتقر إلى الثقة بالجانب الأمريكي، مشدداً على أن طهران مستعدة للتوصل إلى اتفاق إذا كانت واشنطن جادة ومستعدة لمنح الشعب الإيراني حقوقه. وحذر من أن بلاده ستواجه ما سماها أي محاولة لاستخدام المفاوضات كغطاء للخداع أو لطرح عروض “عديمة الجدوى”، مؤكداً أن إيران أثبتت -خلال الحرب الأخيرة- استعدادها للدفاع عن حقوقها بالاعتماد على قدراتها الوطنية.
وقد أكدت طهران -وفقاً لوكالة تسنيم- أن الشروع في المحادثات مشروط بقبول الجانب الأمريكي بالشروط المسبقة التي وضعتها، في حين شدد محمد رضا عارف -النائب الأول للرئيس- على دعم بلاده للفريق التفاوضي في “تنفيذ المهمة الموكلة إليه من النظام والشعب باقتدار”.
ملفات “عالية المخاطر”
ووفق مصادر عدة، ستتناول محادثات إسلام آباد قضايا معقدة، أبرزها برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني وحرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز. وكان قاليباف قد شدد على أن بدء المفاوضات مشروط بوقف إطلاق النار في لبنان والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، في حين عبّر ترمب عن امتعاضه من “طريقة تعامل إيران” مع المضيق الاستراتيجي، رغم سريان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين.
كما أفادت شبكة “سي إن إن” -نقلاً عن مسؤول أمريكي ومصدر إقليمي- بأن المفاوضات في إسلام آباد بين واشنطن وطهران تُعد عالية المخاطر، ومن المتوقع أن تُعقد بصيغتين متوازيتين، مباشرة وغير مباشرة في الوقت نفسه. وأوضح مصدر إقليمي للشبكة أن الطرفين يُرجَّح أن يتوصلا أولاً إلى الاتفاق على جدول أعمال المحادثات عبر وسطاء باكستانيين، على أن ينتقلا لاحقاً -خلال اليوم السبت- إلى مناقشات مباشرة وجهاً لوجه.
وتأتي المفاوضات المرتقبة اليوم وسط إجراءات أمنية باكستانية غير مسبوقة، حيث انتشر الآلاف من أفراد القوات شبه العسكرية والجيش في الشوارع، في ظل إغلاق أمني شامل وصفه رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، بأنه تمهيد لمحادثات حاسمة.
المصدر: الجزيرة