في لحظة بدت أقرب إلى مشهد من الخيال العلمي منها إلى واقع الأسواق المالية، دخل إيلون ماسك التاريخ من أوسع أبوابه بعدما أصبح أول شخص تتجاوز ثروته حاجز التريليون دولار، مدفوعا بالطرح العام الأولي التاريخي لشركة سبيس إكس، الذي حطم الأرقام القياسية ورفع قيمة الشركة إلى أكثر من تريليوني دولار خلال أول أيام تداولها في بورصة ناسداك.
ففي يوم واحد فقط، تحوّل إيلون ماسك إلى أول تريليونير في التاريخ الحديث، بعد أن حققت شركة سبيس إكس، المتخصصة في الفضاء والأقمار الاصطناعية، أكبر طرح عام أولي في تاريخ الأسواق المالية، جامعا نحو 75 مليار دولار ومُقيِّما الشركة بأكثر من تريليوني دولار في أول يوم تداول.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
أغنى رجل في التاريخ
لكن الحدث الذي احتفى به المستثمرون بوصفه انتصارا استثنائيا للابتكار وريادة الأعمال الأمريكية، فجر في الوقت نفسه موجة واسعة من الجدل السياسي والاقتصادي، وانقسمت حوله الصحف والمحللون بين من رأى فيه شهادة على قوة الرأسمالية الأمريكية وقدرتها على مكافأة المخاطرة والإبداع، ومن اعتبره دليلا على تركز الثروة والنفوذ بصورة غير مسبوقة في يد فرد واحد.
أسهم سبيس إكس قدرت بنحو 19% في أول جلسة تداول، لتصل القيمة السوقية للشركة إلى نحو 2.1 تريليون دولار
واعتبرت شخصيات سياسية واقتصادية ما حدث دليلا على اختلالات أعمق في النظام الاقتصادي الأمريكي. ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن السيناتورة إليزابيث وارن قولها إن ماسك أصبح يمتلك “مالا وثروة أكثر من أي شخص في تاريخ البشرية”، مضيفة أن ذلك “ليس مجرد صدفة، بل سمة من سمات اقتصاد مُصمم لصالح القلة”.
وأوضحت في تقرير إخباري أن أسهم سبيس إكس قدرت بنحو 19% في أول جلسة تداول، لتصل القيمة السوقية للشركة إلى نحو 2.1 تريليون دولار، وهو ما جعلها سادس أكبر شركة في العالم خلف عمالقة التكنولوجيا مثل إنفيديا، وغوغل، وآبل، ومايكروسوفت، وأمازون.
وخلال مراسم الإدراج التاريخية، استعاد ماسك بدايات شركته التي أسسها عام 2002، قائلا: “من الصعب حقا تصديق أن شركة صغيرة بدأت في مستودع بمدينة إل سيغوندو بولاية كاليفورنيا أصبحت اليوم صاحبة أكبر طرح عام أولي في التاريخ”.
وأضاف أنه لو أخبره أحد في تلك الأيام بأن الشركة ستصل إلى هذه المرحلة “لكنت اعتقدت أنه يدخن شيئا قويا للغاية”، في إشارة إلى حجم التحديات التي واجهها المشروع في بداياته.
المفارقة الصادمة التي أبرزها تقرير واشنطن بوست هي أن هذا التقييم الفلكي يأتي لشركة “تنزف نقودا وعائداتها ضئيلة مقارنة بعمالقة التكنولوجيا الآخرين”، حيث بلغت خسائرها المتراكمة حوالي 13 مليار دولار منذ مطلع عام 2023.
ومع ذلك، يرى ديفيد ماير، كبير محللي الاستثمار في شركة “ذا موتلي فول”، أن الطلب الهائل من مستثمري التجزئة والمؤسسات، مقابل المعروض المحدود من الأسهم، هو ما خلق هذه القفزة السعرية الكبيرة، متوقعا استمرار هذا الزخم القوي طوال الصيف.

العبقري والمأساة الإنسانية
وبين ثناء الاقتصاديين الليبراليين وهجوم التقدميين، يظل الجانب الإنساني والسلوكي لشخصية إيلون ماسك مثار تساؤل عميق. ففي مقال رأي نشرته صحيفة آي نيوز البريطانية، تناول الكاتب كريس ستوكيل ووكر جانبا من تصرفات إيلون ماسك عشية إنجازه المشهود.
فبينما أقرّ الكاتب بأن ماسك أسهم في تطوير صناعات غيرت وجه العالم، من السيارات الكهربائية إلى الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والإنترنت الفضائي، رأى أن إرثه التاريخي سيظل مشوبا بما وصفه بـ”التناقض المأساوي”.
وكتب ستوكيل ووكر أن ماسك، الذي “كان ينبغي أن يكون أروع رجل على وجه الأرض”، اختار في الساعات السابقة لتحقيق أكبر انتصار مالي في حياته أن ينخرط في خطاب سياسي واجتماعي مثير للانقسام عبر منصته “إكس”.
السيناتورة إليزابيث وارن: ماسك أصبح يمتلك مالا وثروة أكثر من أي شخص في تاريخ البشرية، ذلك ليس مجرد صدفة، بل سمة من سمات اقتصاد مُصمم لصالح القلة
وبحسب المقال، فإن الرجل الذي كان يمكن أن يُخلّد باعتباره أحد كبار بناة المستقبل، أمضى وقته في التفاعل مع رسائل تدعو إلى “ترحيل الغزاة” و”سجن الحكومة” ومغذيا للتوترات العرقية في بريطانيا وإيطاليا، وهو ما دفعه إلى اعتباره “خاسرا مأساويا” رغم كل نجاحاته الاقتصادية والتكنولوجية.
ويرى الكاتب أن الرجل الذي ساهم في تطوير السيارات الكهربائية والصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام والإنترنت الفضائي، كان يفترض أن يُذكر باعتباره أحد أعظم بناة المستقبل، لكنه اختار الانغماس في خطاب سياسي واجتماعي يفاقم الانقسامات.
وفي اعتقاد الكاتب أن المشكلة لا تكمن في منشورات عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل في أن هذه التصريحات تصدر عن شخص يملك واحدة من أكثر منصات الاتصال تأثيرا في العالم، ويسيطر على شركات ترتبط بالبنية التحتية للاتصالات والنقل والدفاع والفضاء.
ولذلك، فإن اللغة التي يستخدمها “لا تبقى مجرد منشورات إلكترونية”، بل تنتقل إلى المجال العام وتؤثر في النقاشات السياسية والاجتماعية.
إدراج سبيس إكس في مؤشرات الأسواق الكبرى سيجعل ملايين الأمريكيين مستثمرين فيها بصورة غير مباشرة من خلال صناديق التقاعد والاستثمار، حتى لو لم يختاروا ذلك بأنفسهم
فشل المبادئ الرأسمالية؟
ومن زاوية اقتصادية، جاءت الانتقادات أكثر حدة في مقال نشرته صحيفة غارديان البريطانية للخبير الاقتصادي روبرت رايش، وزير العمل الأمريكي الأسبق وأستاذ السياسات العامة في جامعة كاليفورنيا-بيركلي.
فقد اعتبر رايش أن صعود ماسك إلى مرتبة التريليونير لا يعكس نجاح الرأسمالية التقليدية بقدر ما يكشف تحولها إلى نظام تحكمه الشعبوية والعلاقات السياسية أكثر من الأسس الاقتصادية المعروفة.
وأشار إلى أن المبادئ الاقتصادية التقليدية القائمة على العرض والطلب كما تُدرّس في مناهج التعليم، لم تعد صالحة لتفسير ما يحدث. وأوضح أن ماسك قام بتسعير أسهم سبيس إكس بما يعادل 100 ضعف إجمالي إيرادات الشركة لعام 2025، وهو ما وصفه بالخطوة الجريئة للغاية بالنظر إلى ربحية الشركة السلبية وفشلها في تحقيق أهدافها السابقة.
وبرأيه، فإن جزءا كبيرا من القيمة السوقية للشركة لا يستند إلى أرباح أو تدفقات نقدية بقدر ما يستند إلى ثقة المستثمرين بشخصية ماسك وقدرته على تحقيق وعود تبدو للبعض أقرب إلى الخيال العلمي.
كما انتقد رايش العلاقة الوثيقة بين إمبراطورية ماسك الاقتصادية وبعض دوائر صنع القرار في واشنطن، مشيرا إلى أن شركاته استفادت من قرارات تنظيمية عززت هيمنتها في قطاع الأقمار الصناعية والاتصالات الفضائية.
وحذر من أن إدراج سبيس إكس السريع في مؤشرات الأسواق الكبرى سيجعل ملايين الأمريكيين مستثمرين فيها بصورة غير مباشرة من خلال صناديق التقاعد والاستثمار، حتى لو لم يختاروا ذلك بأنفسهم.

شبكة نفوذ
لم يكن الحدث ماليا بحتا، بل امتدت ظلاله العميقة إلى أروقة السياسة الأمريكية. فقد كشف تقرير استقصائي لجوليا أورنيدو، المراسلة نشره موقع “ذا ديلي بيست”، عن استفادة واسعة النطاق لرموز حركة ماغا الداعمة للرئيس دونالد ترمب من هذا الطرح.
واستند التقرير إلى تحليلات وكالة بلومبيرغ للإفصاحات المالية، والتي أظهرت أن ما لا يقل عن 10 من مسؤولي إدارة ترمب يمتلكون حصصا مالية في “سبيس إكس” أو في شركة الذكاء الاصطناعي (إكس إيه آي xAI).
ومن أبرز الأسماء التي أوردها التقرير إستنادا إلى إفصاحات مالية حللتها وكالة بلومبيرغ، دونالد ترمب الابن، والمبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف، وجوشوا كوشنر شقيق جاريد صهر الرئيس، والسيناتور السابق كيلي لوفلر، ومايكل لينش، وأنتوني سكاراموتشي.
وقد لخص سكاراموتشي، الذي شغل لفترة قصيرة منصب مدير الاتصالات في البيت الأبيض خلال الولاية الأولى لترمب، هذه الظاهرة بقوله إن “عبادة الشخصية المحيطة بإيلون ماسك تمنح شركاته علاوة سعرية مبالغا فيها إلى حد يصعب تصديقه”، في إشارة إلى أن تقييمات شركاته أصبحت ترتبط بشخصه أكثر من ارتباطها بأدائها الفعلي.
تريليون دولار تكفي نظريا لتوزيع نحو 7800 دولار على كل أسرة أمريكية، أو شراء ملايين المنازل، أو تمويل عام كامل تقريبا من الإنفاق الدفاعي الأمريكي
ما الذي يمكن شراؤه بتريليون دولار؟
في محاولة لتوضيح حجم الثروة الجديدة التي راكمها ماسك، نشرت الصحفية سوزان بليك في مجلة نيوزويك تقريرا تناول الأبعاد الرقمية والقيمة الشرائية للتريليون دولار.
ونقلت عن كيفن تومبسون، الرئيس التنفيذي لمجموعة “9 آي كابيتال” (9i Capital)، قوله إن كثيرين لا يدركون حقيقة ما يعنيه امتلاك شخص ما تريليون دولار، موضحا أن القوة الحقيقية لهذه الثروة لا تكمن في الأموال النقدية، بل في النفوذ الذي تمنحه لصاحبها وقدرته على الاقتراض والاستثمار باستخدام أصوله الضخمة كضمانات.
وفي مفارقة لافتة توضح ضخامة المبلغ، ذكرت المجلة أن ماسك إذا قام بعدّ ثروته بأوراق من فئة الدولار الواحد، بواقع ورقة واحدة في الثانية دون نوم، فسينتهي من هذه المهمة بعد 31700 عام.
وأشارت نيوزويك إلى أن تريليون دولار تكفي نظريا لتوزيع نحو 7800 دولار على كل أسرة أمريكية، أو شراء ملايين المنازل، أو تمويل عام كامل تقريبا من الإنفاق الدفاعي الأمريكي.
لكنها شددت في الوقت نفسه على أن معظم ثروة ماسك تبقى “ثروة على الورق” لأنها مرتبطة بأسعار أسهم شركاته، مما يجعلها عرضة للتقلبات الحادة في الأسواق.
رؤى متناقضة
وفي المعسكر المقابل، برز دفاع مستميت من الجانب الليبرالي الرأسمالي جسدته الافتتاحية الرسمية لهيئة تحرير صحيفة وول ستريت جورنال والتي حملت عنوان “من يريد أن يكون تريليونيراً؟”.
واعتبرت الهيئة أن نجاح “سبيس إكس” هو شهادة ائتمان وتقدير لإيلون ماسك وللرأسمالية الأمريكية، منتقدة ما وصفته بـ”أجواء الضغينة والحسد السياسي” السائدة في وسائل الإعلام الديمقراطية مثل بلومبيرغ.
ورأت أن التركيز على حجم ثروته يطغى على الإنجاز الحقيقي المتمثل في بناء شركة غيرت صناعة الفضاء عالميا. وأكدت الصحيفة أن سبيس إكس نجحت في خفض تكاليف إطلاق الصواريخ عبر تطوير الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وأنهت اعتماد الولايات المتحدة على روسيا في نقل رواد الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية.
كما أشادت الصحيفة بدور خدمة “ستارلينك” التابعة للشركة في توفير الاتصالات لأوكرانيا خلال الحرب مع روسيا، وفي مساعدة معارضين يعيشون تحت أنظمة استبدادية.
ولفتت الافتتاحية إلى أن نجاح سبيس إكس لم يقتصر على مساهميها الكبار، بل امتد إلى آلاف الموظفين الذين حصلوا على أسهم في الشركة، مشيرة إلى تقديرات تفيد بأن الطرح العام الأولي حوّل نحو 4400 موظف حالي وسابق إلى مليونيرات.
بالنسبة للمنتقدين، أصبح ماسك رمزا لعصر جديد تتجاوز فيه قوة الشركات والأفراد حدودا كانت حكرا على الدول الكبرى
سوق حرة
وفي نظر الصحيفة أن الثروة الهائلة التي حققها ماسك ليست دليلا على خلل اقتصادي، بل نتيجة طبيعية لنظام السوق الحرة الذي يكافئ المخاطرة والابتكار.
وكتبت أن “المكافآت المالية هي ما يدفع المستثمرين ورواد الأعمال إلى المخاطرة بإنشاء شركات تجعل حياة الأمريكيين أفضل”.
وبين هذه الرؤى المتعارضة، يبدو أن صعود ماسك إلى مرتبة التريليونير يتجاوز حدود قصة نجاح فردية أو حدث مالي استثنائي. فهو يطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الرأسمالية، وحدود النفوذ الذي يمكن أن يمتلكه فرد واحد في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا بالسياسة والاقتصاد والأمن القومي.
فبالنسبة لمؤيديه، يجسد إيلون ماسك الحلم الأمريكي في أنقى صوره: مهاجر بدأ مشروعا صغيرا وتحول إلى أغنى رجل في التاريخ بفضل الابتكار والمخاطرة.
أما بالنسبة لمنتقديه، فقد أصبح ماسك رمزا لعصر جديد تتجاوز فيه قوة الشركات والأفراد حدودا كانت حكرا على الدول الكبرى. وبين الروايتين، يبقى المؤكد أن العالم دخل، مع صعود أول تريليونير، مرحلة جديدة ستظل موضع نقاش طويل حول معنى الثروة والسلطة في القرن الـ21.
المصدر: الجزيرة