تشارلز ديكنز: قصة الرجل الذي بث الحياة في أوليفر تويست وديفيد كوبرفيلد

من تحت معطفه الذي أثقلته حمل هموم عصره، خرجت إلى العالم شخصيات خالدة سكنت الذاكرة والوجدان، عشنا معها تفاصيل الحياة بكل ما فيها من ألم وأمل، من قسوة وظلم، ومن صبرٍ وتمسكٍ بالحياة. إنه الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز.

ومن بين هذه الشخصيات البارزة التي خلدها يسطع اسم الطفلين أوليفر تويست وديفيد كوبرفيلد، اللذين بث فيهما الحياة، فلم يكونا مجرد بطلي روايتين، بل كانا تجسيدا حيا وعميقا لمعاناة الطفولة الفقيرة في العصر الفيكتوري.

فبقلم ديكنز، تحوّلت ملامحهما البريئة، ودموعهما الصامتة، وجوعهما الصارخ إلى صرخة مدوية في وجه الظلم الاجتماعي، ولم يكتفِ ديكنز بسرد قصتيهما، بل منحنا فرصة لنشعر بألم الجوع الذي أنهكهما، وبالوحدة التي رافقتهما، وبالأمل البسيط الذي تشبثا به وسط عالم لا يرحم، ومن خلالهما أعطى صوتًا لكل طفل منسي خلف جدران المصانع ودور الأيتام الباردة.

لقد كتب تشارلز ديكنز عن مواضيع تجاهلها الكثير من الكُتّاب الآخرين في عصره، فقد كتب كثيرا عن الأشخاص الذين يعيشون في فقر، أو يعانون من المرض، أو يضطرون للنضال من أجل مكانهم في المجتمع تمامًا كما اضطر هو نفسه إلى فعل ذلك في طفولته.

وفي 9 يونيو/ حزيران من عام 1870 توفي ديكنز الذي يُعتبر على نطاق واسع أعظم كُتّاب العصر الفيكتوري، ولقد حظي بشعبية كبيرة للغاية، فقد كان في أعماله ما يجذب البسطاء والمثقفين، والفقراء والملكة على حد سواء، وقد انتشرت شهرته بسرعة في جميع أنحاء العالم.

وكانت اللحظة الحاسمة في حياة الطفل تشارلز ديكنز عندما كان في الثانية عشرة من عمره، عندما سُجن والده بسبب الديون، فأُجبر على ترك المدرسة والالتحاق بالعمل في مصنع لإنتاج مادة تلميع الأحذية، حيث كان يضع الملصقات على الزجاجات، بحسب موقع ديكينز أونلاين إنفو.

وقد أثّر هذا الحدث تأثيرًا عميقًا في نفسه الحساسة، وعلى الرغم من عودته إلى المدرسة في سن الثالثة عشرة، إلا أن تعليمه الرسمي انتهى عند سن الخامسة عشرة. ولقد أثّرت هذه الصدمات بعمق فيه، فعلى الرغم من كراهيته لهذا الانحدار القصير الزمن إلى طبقة العمال، فقد بدأ يكتسب فهماً متعاطفا لحياة هذه الطبقة ومعاناتها، وهو ما تجلّى لاحقًا في كتاباته، كما أن صور السجن، والطفل الضائع أو المقهور أو الحائر، تتكرر في العديد من رواياته.

وقد تطورت الكثير من سمات شخصيته وفنه خلال هذه المرحلة، بما في ذلك ما أشار إليه الروائي أنغوس ويلسون من صعوبة فهمه للنساء لاحقًا، سواء كإنسان أو ككاتب، وهي صعوبة قد تعود إلى مرارته الشديدة تجاه والدته، التي شعر أنها فشلت فشلاً ذريعًا في تقدير معاناته في ذلك الوقت، فقد كانت تريد منه أن يواصل العمل، رغم أن إطلاق سراح والده من السجن وتحسن أوضاع الأسرة المالية جعلا من الممكن له العودة إلى المدرسة.

وكانت دراسته متقطعة، وانتهت وهو في الخامسة عشرة من عمره ليبدأ رحلة العمل ككاتب في مكتب محامٍ، ثم ككاتب اختزال في المحاكم (وهو ما أكسبه معرفة بعالم القانون استثمرها كثيرًا في رواياته)، وأخيرًا، مثل أفراد آخرين من عائلته، أصبح مراسلًا في البرلمان، وقد تركت تلك السنوات في نفسه حبًا دائما للصحافة، وازدراء لكل من القانون والبرلمان.

وقد انعكست مشاعره تجاه بيدنيل، سواء في ذلك الوقت أو عند عودتها القصيرة والمخيبة للآمال إلى حياته لاحقًا، في حب ديفيد كوبرفيلد الشديد لدورا سبينلو، وكذلك في رواية دوريت الصغيرة عندما اكتشف آرثر كلينم، وهو في منتصف العمر، أن فلورا فينتشنغ، التي بدت له ساحرة في شبابه، أصبحت الآن “مشتتة وسخيفة”.

المسيرة الأدبية

كتب تشارلز ديكنز 15 رواية طويلة، و5 روايات متوسطة الطول (نوفيلا)، ومئات القصص القصيرة. وذلك بحسب موقع بايوغرافي دوت كوم.

وكان قد بدأ يكتب القصص والمقالات في المجلات والصحف عام 1833، وقد لفتت هذه الأعمال الأنظار، فأُعيد نشرها تحت عنوان “رسوم بقلم بوز” في فبراير/شباط من عام 1836.

وخلال عام 1836 أيضًا، كتب مسرحيتين وكتيبا حول قضية تمكين الفقراء من الاستمتاع بيوم الأحد. كما استقال من عمله الصحفي وتولى تحرير مجلة شهرية نشر فيها رواية أوليفر تويست على حلقات بين عامي1837و1839.

وقد ظهر اعتداده بنفسه وطموحه الفني بوضوح في رواية أوليفر تويست، حيث رفض إغراء تكرار الصيغة الناجحة التي استخدمها في بيكويك. فبالرغم من احتوائها على قدرٍ لا بأس به من الكوميديا، فإن رواية أوليفر تويست ركزت بدرجة أكبر على الشرور الاجتماعية والأخلاقية، مثل نظام دار الايتام وعالم الجريمة.

وقد خُلدت الحلقة الأخيرة من أوليفر تويست في رسم مؤثر أبدعه الفنان جورج كروكشانك. وتجدر الإشارة إلى أن القوة الخيالية لشخصيات ديكنز وعوالمه السردية تدين بالكثير لرسّامي أعماله الأوائل، فقد رسم كروكشانك مشاهد من رسوم بقلم بوز وأوليفر تويست، بينما تولّى فيز (هابْلوت ك. براون) توثيق معظم الروايات الأخرى حتى ستينيات القرن التاسع عشر.

وبعد أن وجد أن النشر على شكل حلقات شهرية يناسبه ويحقق له الربح، كرّر نمط الرواية المؤلفة من أجزاء شهرية في رواية نيكولاس نيكلبي (1838–1839)، ثم جرّب الحلقات الأسبوعية الأقصر في روايتي متجر الفضول القديم (1840–1841) وبارنابي ردج (1841).

وفي رواية بارنابي ردج، خاض ديكنز تجربة نوع أدبي آخر هو الرواية التاريخية. وكما في محاولته اللاحقة في هذا النوع، أي قصة مدينتين، فقد وضع أحداث بارنابي ردج في أواخر القرن الثامن عشر، وصوّر بحيوية وفهم عميق مشهد العنف الجماهيري واسع النطاق.

وبعد أن أنهكه العمل، أخذ عطلة لمدة 5 أشهر في أمريكا، قام خلالها بجولة مرهقة حيث حظي بترحيب كبير باعتباره نجما أدبيا، لكنه أثار استياء الأمريكيين حين احتجّ على غياب حماية حقوق التأليف والنشر.

لقد كانت هذه الرواية أولى كتب عيد الميلاد (وهو نوع أدبي جديد). لقد وُصفت نظرته للحياة لاحقًا بأنها “فلسفة عيد الميلاد” التي تعكس الرغبة في أن تسود روح عيد الميلاد طوال العام، حيث كان تعلقه الكبير بعيد الميلاد، في حياته الأسرية كما في كتاباته، أمرا ذا دلالة فعلية وساهم في شعبيته، فبعد وفاة ديكنز، صاحت فتاة بائعة خضروات في لندن عام 1870 قائلة: “ديكنز مات؟ إذن هل سيموت بابا نويل أيضًا؟” وهو تعبير عن ارتباطه بعيد الميلاد وعن المكانة الأسطورية التي حظي بها هو وعمله معًا.

ومع رواية دومبي وابنه في عام 1848، بدأت كتاباته تعكس قلقًا متزايدًا إزاء شرور المجتمع الصناعي الفيكتوري، وهو ما ازداد وضوحًا في روايته ديفيد كوبرفيلد في عام 1850، وكذلك في بيت كئيب في عام 1853، ودوريت الصغيرة في عام 1857، وتوقعات كبيرة (1861)، وغيرها.

وصدرت رواية قصة مدينتين (1859) في الفترة التي بلغ فيها ديكنز ذروة شعبيته من خلال قراءاته العامة أمام الجمهور.

ما الذي يجعله مختلفا؟

كتب تشارلز ديكنز عن مواضيع تجاهلها الكثير من الكُتّاب الآخرين.

فقد كتب كثيرًا عن الأشخاص الذين يعيشون في فقر، أو يعانون من المرض، أو يضطرون للنضال من أجل مكانهم في المجتمع تمامًا كما اضطر هو نفسه إلى فعل ذلك في طفولته.

وتميزت أعماله بمعرفته الموسوعية بمدينة لندن، وباللمسة العاطفية، والخيط السوداوي، وروح الإحسان والود، وقدرته التي لا تنضب على ابتكار الشخصيات، وأذنه الحادة في التقاط أساليب الكلام المميزة، وأسلوبه النثري الفريد والمبتكر.

وكان ديكنز شديد الانجذاب إلى المسرح، وكاد أن يصبح ممثلاً محترفًا في عام 1832، كما كان انتشار رواياته الواسع مدينًا أيضا لسهولة تحويلها إلى عروض مسرحية فعّالة، ففي بعض الأحيان، كانت تُعرض نسخ مقتبسة من أحدث رواياته في 20 مسرحا بلندن في الوقت نفسه، مما مكّن حتى أولئك الذين لا يقرأون من التعرف على نسخ مبسطة من أعماله كما كان المسرح موضوعًا متكررًا في كتاباته أيضًا.

وغالبًا ما كان يتحدى السلطة، ويتحدث بصراحة عن القوانين التي لا يتفق معها، خاصة “قانون الفقراء الجديد”، الذي تصفه المكتبة البريطانية بأنه محاولة لـ”تقليص الإنفاق على الفقر” حيث رأى ديكينز أن هذا القانون قاسٍ، وأن الفقراء بحاجة إلى المساعدة لا إلى إجبارهم على العمل في ظروف قاسية داخل المصانع.

وكانت سنة 1855 عامًا مضطربا بالنسبة له، بحسب ما ذكر جون فورستر، صديقه المقرب وكاتب سيرته الذاتية فيما بعد، ويرجع ذلك جزئيا لأسباب سياسية فحرب القرم، إلى جانب كشفها عن قصور الحكومة، كانت تُشتت الانتباه عن “الفقر والجوع واليأس” داخل البلاد. وكتب ديكنز في إشارة إلى رواية دوريت الصغيرة: “كنت أنفّس فيها قليلًا عن غضب كان من الممكن أن يفجّرني، إذ ليس لدي حاليًا أي ثقة أو أمل سياسي”.

فالحكومة والبرلمان في ذلك الوقت لم يكونا فقط محل ازدراء، بل إن “الحكم النيابي بأكمله قد فشل لدينا، المنظومة كلها انهارت، ولا أمل فيها”، ومع ذلك، لم يكن لديه بديل متماسك يقترحه.

ولم يكن الفن يشغل كل طاقاته الهائلة حيث كان ديكنز متميزا بمهارات عديدة، واعتبره العديد من معاصريه أنه كان أفضل مراسل صحفي، وأفضل ممثل هاوٍ على المسرح، ولاحقًا، أصبح واحدًا من أنجح محرري الدوريات وأفضل مُلقى للأداء الدرامي في عصره. وكُتب عنه في صحيفة التايمز في 10 يونيو/ حزيران من عام 1870 وهو اليوم التالي لوفاته: “حتى بغض النظر عن عبقريته الأدبية، كان رجلاً قوي العقل وكفء، وكان سينجح في أي مهنة”. وقال صحفي أمريكي عنه: “كان الجميع منبهرين ببريق عينيه ومظهره الأنيق”.

ومن الأشياء التي قام بها أيضا أنه أدار، بحيوية وبصيرة وتعاطف كبيرين، لمدة تزيد على عقد من الزمن، دار إصلاح للشابات الجانحات، كانت ممولة من صديقته الثرية أنغيلا بيرديت كاوتس، وكانت الروح الخيرية الظاهرة في كتاباته كثيرًا ما تجد تعبيرًا عمليًا في خطاباته العامة، وأنشطته لجمع التبرعات، وأعماله الخيرية الخاصة.

مشاكل أسرية

 

المصدر: BBC