تكشف أبحاث حديثة أن بعض مصادر التلوث قد تختبئ في أماكن نقضي فيها ساعات طويلة يوميا، مثل “المطبخ”. إذ يمكن لانبعاثات مواقد الغاز أن تنتشر في أرجاء المنزل وتتجاوز حدود المطبخ، لتصل إلى غرف بعيدة وتؤثر خصوصا في صحة الأطفال والجهاز التنفسي. ومع تزايد الوقت الذي تقضيه العائلات داخل المنازل، يبرز السؤال: كيف يمكن تقليل هذه المخاطر دون التخلي عن عادات الطهي اليومية؟
“لا يزال التعرض الروتيني لمواقد الغاز المنزلية، يشكل تهديدا صحيا غير معترف به بشكل كاف لدى معظم الناس”، وفقا لتقرير الجمعية الأمريكية للصحة العامة الصادر عام 2022.
وذلك رغم ما أظهرته العديد من الدراسات العلمية “عالية الجودة”، من أن “تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين (NO2)، مرتفعة في المنازل التي تستخدم مواقد الغاز”.
وما أشارت إليه تقارير وكالة حماية البيئة الأمريكية من أن:
- المنازل التي تستخدم مواقد الغاز في الطهي بها مستويات أعلى من تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين بنسبة تتراوح بين 50% و400%، مقارنة بتلك التي تستخدم مواقد كهربائية.
- ترتبط التركيزات العليا من ثاني أكسيد النيتروجين بصغر حجم المنزل، وطول أوقات الطهي، ونقص التهوية.
- ثاني أكسيد النيتروجين، ملوِث رئيسي شائع، تُعد انبعاثات مواقد الغاز ودخان السجائر من مصادره الأساسية داخل المنازل.
- ثاني أكسيد النيتروجين يعمل كمهيج يؤثر على العينين والأنف والحنجرة والجهاز التنفسي، وقد يسهم التعرض المستمر لمستويات عالية منه، في تطور الأعراض لدى بعض مرضى الربو ومن يعانون من أمراض مزمنة، وزيادة خطر الإصابة بعدوى الجهاز التنفسي، خاصة عند الأطفال الصغار.

غرف النوم ليست في مأمن من الانبعاثات
أشارت أبحاث نُشرت عام 2023، إلى أن مواقد الغاز تسهم بنحو 13% من حالات الربو لدى الأطفال في الولايات المتحدة، وهو ما يعادل خطر الإصابة بالربو نتيجة التعرض للتدخين السلبي. كما ربطت بين التعرض طويل الأمد لثاني أكسيد النيتروجين الناتج عن مواقد الغاز بزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب.
ووجدت دراسة حول تلوث الهواء في المنازل، أُجريت عام 2024، أن المستويات غير الآمنة من ثاني أكسيد النيتروجين التي تطلقها مواقد الغاز “تبقى في الهواء لساعات بعد إطفاء المواقد والأفران، وتصل حتى إلى غرف النوم البعيدة عن المطابخ”. كما أظهرت أبحاث إضافية أن “مواقد الغاز تطلق أيضا مستويات خطيرة من البنزين، وهو مادة مرتبطة بسرطان الدم”.
وقال ياناي كاشتان، عالم جودة الهواء والمشرف الرئيسي على الدراسة، لموقع جامعة “ستانفورد”: “لقد حان الوقت لإعادة توجيه تركيزنا إلى ما يحدث داخل منازلنا”، خاصة مع قضاء العائلات وقتا أطول في المنزل.

حلول لتقليل التعرض للملوثات الناتجة عن مواقد الغاز
بالإضافة إلى التهوية المناسبة باستخدام شفاط الموقد أو فتح النوافذ، يوصي الخبراء ببعض الأساليب لتقليل التعرض للملوثات الناتجة عن مواقد الغاز، مثل:
- استخدام مواقد كهربائية، فقد ربطت نتائج دراسة جامعة “ستانفورد” التحول إلى المواقد الكهربائية بـ”تقليل التعرض لانبعاثات مواقد الغاز المسببة لأمراض الربو والقلب والسكري والولادة المبكرة وسرطان الرئة، بأكثر من 50%”. وأكد روب جاكسون، الأستاذ بكلية “ستانفورد دور” للاستدامة، أن “المواقد الكهربائية لا تصدر ثاني أكسيد النيتروجين أو البنزين، فالانبعاثات مصدرها وسيلة الطهي وليس الطعام”.
كما وجدت دراسة أجراها باحثون بمعهد أبحاث صحة السكان في أوهايو، ونُشرت في الأول من يوليو/تموز الماضي، أن “التحول إلى الكهرباء له تأثير كبير جدا”، إذ لوحظ انخفاض بنسبة 70% في حالات الدخول إلى المستشفيات وأيام الإجازة من العمل أو الدراسة، لدى الأشخاص الذين يعانون من الربو، “عندما استُبدلت مواقد وأفران الغاز بمواقد كهربائية”.
ويمكن أيضا استخدام أدوات المطبخ الكهربائية، مثل غلايات الشاي، وأفران التحميص، والطباخات البطيئة.
- التخطيط لاقتناء موقد زجاجي مسطح، المعروف أيضا باسم “إندكشن كوك توب” أو “موقد الحثّ الحراري”؛ وهو جهاز حديث يأتي ضمن تقنية للطهي خالية من الانبعاثات، مما يعزز مستويات السلامة في المطبخ، ويساعد في الحفاظ على منزل أكثر صحة مقارنة بمواقد الغاز.
ففي دراسة نُشرت عام 2023، بعنوان “التخلص من الغاز”، استبدل الباحثون مواقد الغاز بمواقد الحث الحراري في 20 منزلا، ورصدوا التغيرات اللاحقة في جودة الهواء الداخلي ومعدلات الإصابة بالربو. وأظهرت النتائج أن “المنازل التي تستخدم المواقد الجديدة شهدت انخفاضا بنسبة 35% في تركيز ثاني أكسيد النيتروجين اليومي، مقارنة بتلك التي تستخدم مواقد الغاز”.
- التهوية الجيدة، فوفقا لموقع جامعة “كولومبيا”، أوضح داربي جاك، الأستاذ المساعد في علوم الصحة البيئية، الذي درس تلوث الهواء الداخلي لأكثر من عقد، وقاد بحثا في عملية التحول من استخدام غاز الطهي، أنه “لا داعي للذعر والاندفاع لاتخاذ إجراءات عاجلة أو القلق من الموت غدا بسبب الطهي بالغاز”، فالتهوية الجيدة “تقلل من خطر التعرض لثاني أكسيد النيتروجين بشكل كبير”.

وأضاف جاك: بغض النظر عن نوع الموقد المستخدم، من المهم “تجنب استنشاق دخان الطهي”، لأنه يشكل خطرا على الصحة.
لكنه أعاد التأكيد على أن “التحول من استخدام مواقد الغاز سيحسن الصحة العامة، وكذلك صحة الأفراد المصابين بالربو وأمراض الجهاز التنفسي الأخرى”.
المصدر: الجزيرة