تطور صامت داخل الجسم يفسّر داء السكري من النوع الثاني

تواصل معدلات الإصابة بداء السكري الارتفاع عالميا، إذ يعاني أكثر من نصف مليار شخص من هذا المرض، وتشكل حالات النوع الثاني النسبة الأكبر.

ويرتبط هذا الانتشار المتزايد بعوامل مثل شيخوخة السكان وتغير أنماط الحياة، ما يجعل فهم آليات المرض أولوية علمية وصحية ملحّة.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة Nature Metabolism، بقيادة الدكتورة دانا أفراهامي-تسفاتي من الجامعة العبرية، وبمشاركة باحثين من جامعة بنسلفانيا، عن رؤى جديدة حول كيفية تكيف خلايا بيتا في البنكرياس، المسؤولة عن إنتاج الأنسولين، مع التقدم في العمر، وكيف يختلف هذا التكيف لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني.

وتؤدي خلايا بيتا دورا أساسيا في تنظيم مستويات السكر في الدم عبر إفراز الأنسولين، وهي مضطرة للتكيف باستمرار مع تغير احتياجات الجسم الأيضية. وقد اعتمد الباحثون على تحليل بيانات “ميثيلوم” (خريطة كيميائية توضح أين أُضيفت مجموعات صغيرة تسمى “ميثيل” إلى الحمض النووي. هذه الإضافات لا تغيّر تسلسل الجينات نفسه، لكنها تؤثر على تشغيل الجينات أو إيقافها) لرسم خريطة للتغيرات فوق الجينية، مع التركيز على مثيلة الحمض النووي، وهي آلية تتحكم في نشاط الجينات بمرور الوقت.

وأظهرت النتائج أنه لدى الأشخاص الأصحاء، تمر خلايا بيتا بعملية تدريجية تعرف بـ”إزالة الميثيل”، تحدث في مناطق مهمة من الجينوم، وتساعد على الحفاظ على كفاءة إنتاج الأنسولين على مدى سنوات طويلة. وفي المقابل، تتبع خلايا ألفا – المسؤولة عن إنتاج هرمون الغلوكاغون (وظيفته الأساسية هي رفع مستوى السكر في الدم) – مسارا مختلفا، إذ تُظهر زيادة طفيفة في الميثيل، ما يعكس اختلافا في طريقة تكيف هذه الخلايا مع التقدم في العمر.

أما لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني، فقد لاحظ الباحثون تسارعا في عملية إزالة الميثيل داخل خلايا بيتا. ويشير ذلك إلى أن آلية التكيف الطبيعية تتكثف استجابة للإجهاد الأيضي المزمن. ورغم أن هذا التكيف المعزز يساعد في البداية على الحفاظ على إنتاج الأنسولين، فإنه يصبح مع الوقت غير كاف، حيث تبدأ الخلايا بفقدان قدرتها الوظيفية تدريجيا.

وتقدم هذه النتائج تفسيرا مختلفا لتطور المرض، إذ تشير إلى أن داء السكري من النوع الثاني لا ينشأ فجأة، بل يتطور تدريجيا نتيجة استنزاف قدرة خلايا بيتا على التكيف مع الضغط الأيضي المستمر.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة نظرا لكون داء السكري أحد أبرز أسباب أمراض القلب والفشل الكلوي وفقدان البصر، إضافة إلى دوره في زيادة معدلات الوفاة المبكرة، ما يضع عبئا كبيرا على أنظمة الرعاية الصحية حول العالم.

ويرى الباحثون أن فهم آليات تكيف خلايا بيتا قد يفتح الباب أمام تطوير استراتيجيات علاجية جديدة، تركز على تقليل الإجهاد الأيضي، والحفاظ على وظيفة هذه الخلايا، وتأخير تدهورها. ومن شأن هذه المقاربة أن تعزز الجهود الحالية في إدارة مستويات السكر في الدم، من خلال استهداف جذور تطور المرض، وليس فقط أعراضه.

المصدر: ميديكال إكسبريس

 

المصدر: روسيا اليوم