بعد أشهر قليلة من سقوط نظام بشار الأسد، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في ملف تجارة المخدرات في سوريا، مع بروز أطراف تسعى لوراثة النفوذ الذي كان يديره النظام السابق ضمن ما عُرف بـ”اقتصاد الكبتاغون”.
وفي هذا السياق، تشير مصادر أمنية أردنية إلى صعود جماعة حكمت الهجري، مستفيدة من انهيار بنية النظام السوري السابق، لإعادة تنظيم شبكات التهريب وتوسيع نشاطها عبر الحدود.
بالتوازي مع هذه التحولات، دخل التعاون الأردني السوري مرحلة جديدة، مع توقيع ما يشبه بروتوكولا أمنيا مشتركا يهدف إلى تنسيق الجهود لمكافحة تجارة المخدرات، التي أصبحت من أبرز التحديات الأمنية في المنطقة.
وفي مقال له بعنوان: هدم أوكار المخدرات بردع أردني وغطاء سوري، نقل الكاتب فهد الخيطان عن مسؤول أردني رفيع تأكيده أن آلية التنسيق بين الجانبين فعالة للغاية، مشيرا إلى توافر إرادة سياسية مشتركة للقضاء على هذا التهديد الذي خلّفه النظام السوري السابق، والذي شمل أمن سوريا ودول الجوار على حد سواء.
وبحسب المصدر، شهدت العلاقات بين البلدين سابقة غير معهودة تمثلت في إطلاق قناة لتبادل المعلومات والإنذار المبكر، تُعنى بتتبع تحركات وتجمعات تجار المخدرات في جنوب سوريا.
كما أتاح هذا التنسيق تنفيذ عمليات مشتركة نجحت في إحباط تهريب كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون ومادة الحشيش قبل وصولها إلى الأراضي الأردنية.
وامتدت نتائج هذا التعاون إلى تفكيك شبكات تهريب عابرة للحدود، وإلقاء القبض على خلايا متورطة في التصنيع والنقل والدعم اللوجستي على جانبي الحدود.
وفي الإطار ذاته، أوضح المصدر أن الضربات التي نفذها الطيران الحربي الأردني أخيرا جاءت ضمن تنسيق مسبق عبر غرفة عمليات مشتركة، في تحول لافت مقارنة بمرحلة حكم النظام السابق، حين كانت دمشق تتلقى معلومات العمليات عبر وسائل الإعلام.
ورثة اقتصاد الكبتاغون
وخلال سنوات الحرب، تحولت سوريا إلى أحد أكبر مراكز إنتاج المخدرات في العالم، حيث قدّرت تقارير دولية أن النظام السابق كان مسؤولا عن نحو 80% من إنتاج الكبتاغون عالميا، غير أن هذا النشاط لم يتوقف مع سقوطه، بل أعاد تشكيل نفسه تحت رعاية أطراف جديدة.
وفي هذا السياق، تشير مصادر أردنية إلى أن أحداث الصيف الماضي في محافظة السويداء كشفت عن تصدّر جماعة حكمت الهجري مشهد تجارة المخدرات في الجنوب السوري.
وتقول المصادر إن تحركات الجماعة، المدعومة من جهات خارجية ومن حكومة نتنياهو، فتحت المجال مجددا أمام شبكات التهريب التي كانت تعاني تضييقا شديدا نتيجة التنسيق الأردني السوري.
وأضافت المصادر أن هذه الجماعة عملت على استقطاب تجار المخدرات وتوفير بيئة حاضنة لنشاطهم مقابل تمويل أنشطتها المسلحة وتعزيز نفوذها المحلي.
ويرى مسؤولون أردنيون أن رفض الهجري الالتزام بخريطة الطريق الأردنية الأمريكية السورية، الموقعة في عمّان في سبتمبر/أيلول الماضي، كان عاملا رئيسيا في عودة نشاط تهريب المخدرات إلى الواجهة في السويداء.
وتقدّر مصادر رسمية أن عمليات التهريب عبر الحدود تضاعفت بنسبة تصل إلى 400% منذ سيطرة الجماعة على المدينة.
أبعاد أمنية وإقليمية
ولا تتوقف دلالات تصاعد نشاط التهريب عند البعد الإجرامي، إذ ترى عمّان أن الملف أصبح يحمل أبعادا إستراتيجية أكثر خطورة. فبحسب تقديرات رسمية، يرتبط صعود هذه الجماعة بتقاطع مصالح مع الحكومة الإسرائيلية، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى إنشاء مناطق عازلة في جنوب سوريا.
وتحذر تلك التقديرات من أن اقتصاد المخدرات لطالما أسهم في إنشاء كيانات موازية داخل الدول، مهددا وحدة الأراضي وسيادة الحكومات المركزية، وهو السيناريو الذي يُخشى تكراره في الجنوب السوري.
كما تشير مصادر أردنية إلى أن هذا التصعيد يشكل ضغطا مباشرا على الأردن من حدوده الشمالية، سواء عبر تهريب المخدرات أو من خلال تداعيات أمنية واقتصادية أوسع.
وفي ضوء هذه التطورات، تؤكد عمّان أن استمرار التنسيق مع دمشق يمثل ركيزة أساسية لاحتواء التهديد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الجنوب السوري مجددا إلى بؤرة لنشاط شبكات المخدرات العابرة للحدود.
المصدر: الجزيرة