يمكن لشاب في كثير من المجتمعات الغربية اليوم أن يقضي سهرته في حانة ثم يغادر من دون تناول الكحول، من غير أن يثير ذلك استغرابا كما في السابق. فما كان يُعد خروجا على طقوس السهرة بات جزءا من ظاهرة ترصدها الدراسات منذ سنوات: تراجع الاستهلاك بين الأجيال الأصغر، وفي مقدمتها “الجيل زد”، الذي يميل أكثر إلى تأخير الشرب أو تقليله أو قصره على مناسبات محدودة.
فما الذي أفقد الكحول مكانته في المجتمع الغربي، وحوّله من رفيق شبه إلزامي للسهر والمرح إلى مجرد خيار، وجعل الامتناع عنه مقبولا، بل مشجعا أحيانا؟
عندما فقد الكحول “سمعته”
أحد أبرز التحولات التي قللت إقبال الشباب على المشروبات الكحولية لم يحدث داخل الحانات، بل في صورة الكحول نفسه. فما كان يُسوَّق علامة على النضج أو الرقي في المجتمعات الغربية، بات يصطدم بثقافة تقدر النوم الجيد، وصفاء الذهن، واللياقة، والصحة النفسية، والقدرة على العمل في اليوم التالي.
وفي استطلاع بريطاني أوردته مجلة “فوربس”، أفاد 30% من أبناء جيل “زد”، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما، بأنهم قللوا استهلاك الكحول خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، بينما قال 13% إنهم امتنعوا عنه تماما. وعزا 74% من المشاركين هذا التوجه إلى رغبتهم في اتباع نمط حياة أكثر صحة.
ويعزز هذا الاتجاه ما توصل إليه معهد “غالوب”، إذ انخفضت نسبة الأميركيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما ويقولون إنهم يتناولون الكحول من 72% مطلع الألفية إلى 62% بعد عقدين.
ويتزامن هذا التحول مع تحذيرات صحية أكثر وضوحا؛ إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية عدم وجود مستوى آمن تماما من استهلاك الكحول فيما يتعلق بمخاطر الإصابة بالسرطان، وتصنفه مادة مسرطنة ترتبط بما لا يقل عن 7 أنواع من المرض، بينها سرطان الثدي.
ويشرح طبيب علاج الإدمان أخيل أناند، لموقع “كليفلاند كلينك”، أن الحديث المفتوح عن القلق والاكتئاب جعل مزيدا من الشباب يدركون أن الكحول ليس حلا ليوم سيئ، وأن تأثيره في المزاج والنوم والطاقة يتعارض مع ثقافة العناية بالنفس المنتشرة بينهم.
وفي دراسة شملت مئات الشباب في إنجلترا، كانت أضرار الكحول التفسير الأكثر شيوعا لتراجع استهلاكه. ولم يتحدث المشاركون عن أمراض بعيدة فحسب، بل عن خسائر فورية مثل الصداع والقيء والشجار والندم على تصرفات ليلة واحدة.

الكاميرا لا تنسى.. والتكنولوجيا غيرت شكل اللقاء
بالنسبة إلى جيل يدير جانبا كبيرا من صورته وعلاقاته وفرصه المهنية عبر الإنترنت، لم يعد فقدان السيطرة شأنا عابرا يمكن نسيانه بعد ليلة سيئة.
ففي عصر كاميرات الهواتف الذكية، قد يصل الخطأ موثقا بالصوت والصورة إلى زملاء الدراسة والعمل والأسرة قبل أن يستيقظ صاحبه في اليوم التالي.
وتشير دراسة نُشرت عام 2022 في دورية “BMC Public Health”، واستندت إلى مقابلات مع شباب بريطانيين، إلى أن بعض المشاركين ربطوا تقليل استهلاك الكحول بالخوف من العواقب الرقمية؛ إذ يمكن تصوير تصرفاتهم خلال السهرات ونشرها، ليصبح ما يصاحب فقدان السيطرة من مواقف محرجة موثقا وقابلا للانتشار.
ولا تعدّ الدراسة وسائل التواصل الاجتماعي العامل الوحيد وراء هذا التراجع، لكنها تشير إلى دورها في زيادة حرص الشباب على تجنب الظهور في حالة سُكر. وفي الوقت نفسه، أسهمت هذه المنصات في نشر محتوى يشجع على الامتناع المؤقت عن الكحول، ويعرّف بالمشروبات الخالية منه وتجارب السهر من دون تناوله.
وساعد تنوع البدائل الجديدة على تسهيل هذا التحول؛ إذ لم يعد الممتنع عن الكحول محصورا بين الماء والمشروبات الغازية، بعدما تطورت المشروبات الخالية أو المنخفضة الكحول، وأصبحت توفر طقوس تناول الكأس نفسها من دون آثارها. وفي بريطانيا، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة “درينك أوير” ارتفاع نسبة الشباب الذين يلجؤون إلى هذه البدائل للحد من استهلاكهم، من 28% عام 2018 إلى 49% عام 2025.
ووفق تقرير صادر عن مكتب الجراح العام الأمريكي حول التواصل الاجتماعي، هبط الوقت اليومي الذي يقضيه الشباب بين 15 و24 عاما مع أصدقائهم حضوريا من نحو ساعتين ونصف الساعة عام 2003 إلى 40 دقيقة عام 2020.
ومع ذلك، لم تجد دراسة نشرتها المجلة الدولية لسياسات المخدرات (International Journal of Drug Policy) وشملت 33 دولة أوروبية أن زيادة استخدام الإنترنت والألعاب تفسر وحدها تراجع الشرب، ما يرجح أن التكنولوجيا تتداخل مع تحولات اجتماعية واقتصادية أوسع.

حين أصبحت السهرة عبئا على الميزانية
لا يرتبط الامتناع عن الكحول دائما بالاعتبارات الصحية، إذ قد تكون الضغوط المالية عاملا حاسما في قرار الشباب تقليل استهلاكه.
وكشفت دراسة بريطانية منشورة في دورية “بي إم سي للصحة العامة” أن ارتفاع أسعار المشروبات الكحولية جاء ضمن أبرز الأسباب التي قدمها الشباب لتراجع استهلاكهم؛ إذ أشار إليه 22% من المشاركين، وارتفعت النسبة إلى 29% بين الفئة العمرية من 16 إلى 19 عاما.
ولا تقتصر تكلفة السهر خارج المنزل على ثمن المشروبات، بل تشمل أيضا نفقات الطعام والمواصلات ورسوم الدخول، مما يجعلها عبئا إضافيا في ظل ارتفاع تكاليف السكن والدراسة والاحتياجات اليومية.
شرب أقل.. لكن الخطر لم يختفِ
لا يعني اتساع دائرة الممتنعين أن بقية الشباب أصبحوا أكثر اعتدالا. فقد أظهر مسح الصحة لإنجلترا أن الفئة بين 16 و24 عاما هي الأقل شربا بانتظام، لكنها سجلت أعلى نسبة لسلوك الشرب المحفوف بالمخاطر. فقد يشرب بعض الشباب في أيام أقل، ثم يستهلكون كميات كبيرة في مناسبة واحدة؛ فينخفض المعدل من دون أن تختفي الأضرار.
وتزداد الصورة تعقيدا مع الانتقال إلى العشرينيات. فقد تابعت جامعة كوليدج لندن قرابة 10 آلاف بريطاني ولدوا بين عامي 2000 و2002، ووجدت أن نحو سبعة من كل عشرة أبلغوا عن نوبة إفراط واحدة على الأقل خلال عامهم الثالث والعشرين، بينما قال قرابة الثلث إن ذلك يحدث شهريا أو أكثر. وهذا يعني أن بعض الشباب لا يهجرون الكحول نهائيا، بل يؤخرون تجربته أو يحصرونه في مناسبات متباعدة قد تشهد استهلاكا كثيفا.
ولا تلغي هذه المفارقة الاتجاه العام، بل توضح أن قلة مرات الشرب لا تعني بالضرورة انخفاض مخاطره. وهو التحول الذي يسترعي الكثير من الاهتمام بسبب حدوثه داخل مجتمعات ظل فيها الكحول طويلا جزءا شبه ثابت من الحياة الاجتماعية. فالكحول لم يختفِ، لكنه بدأ يفقد جاذبيته ومكانته القديمة بين الشباب.
المصدر: الجزيرة