جين غودال: رحيل صديقة الشمبانزي والمدافعة عن الطبيعة

توفيت عالمة البيئة البريطانية الشهيرة جين غودال عن عمر ناهز 91 عاماً أثناء جولة لنشر الوعي البيئي في الولايات المتحدة. وقالت مؤسسة جين غودال إنها توفيت لأسباب طبيعية خلال وجودها في ولاية كاليفورنيا.

العالمة التي تعدّ رمزاً عالمياً في الأوساط العلمية والبيئية، عرفت بكونها رائدة في دراسة الشمبانزي وحماية البيئة، وألهمت ملايين الأشخاص حول العالم بالعلم وبالدعوة إلى الرحمة تجاه الكائنات الحية والطبيعة.

“بطلة حقيقية”

وصفت منظمة “غرينبيس” وفاة جين غودال بأنها خسارة لأحد عمالقة الحفاظ على البيئة في عصرنا، مؤكدة أن إرثها العلمي والبيئي لن يُمحى. وقال المدير التنفيذي المشارك للمؤسسة في المملكة المتحدة، ويل ماكالوم، إن “إرث الدكتورة غودال لا يقتصر على العلم فحسب، بل يشمل أيضاً الحركة العالمية التي ساعدت في إطلاقها لحماية الطبيعة ومنح الأمل لعالم أفضل”.

وأثار رحيلها صدمة كبيرة في الأوساط العلمية. فقد وصف أدريان سميث، رئيس الجمعية الملكية، غودال بأنها “عالمة مذهلة ألهمت الناس لرؤية العالم الطبيعي بطريقة جديدة”.

أما روجر هايفيلد، من متحف العلوم في لندن، الذي منحها زمالة في وقت سابق من هذا العام، فاعتبرها “مصدر إلهام”، وقال: “كانت شخصية قوية، وهذه أخبار صادمة للغاية، لأنها غيّرت تماماً الطريقة التي نفكر بها حول الأنواع الأخرى وكيف ننظر إلى أنفسنا، إذ تحدّت فكرة استثنائية الإنسان”.

وقال عالم الطبيعة كريس باكهام لبي بي سي إنه يعدّها من أبطاله، واصفاً إياها بأنها “ثورية” و”استثنائية”، مضيفاً: “أن نفقد بطلة في وقت نحتاج فيه إليها في الصفوف الأمامية للدفاع عن الحياة على الأرض، فهذا أمر مأساوي”.

البدايات وغابة غومبي

وفي منتصف العشرينات من عمرها، سافرت إلى شرق أفريقيا حيث التقت بالعالم الشهير لويس ليكي، الذي لاحظ فضولها وقدرتها على الملاحظة الدقيقة، ومنحها الفرصة لإجراء أبحاث ميدانية في غابة غومبي بتنزانيا، على الرغم من أنها لم تكن تحمل شهادات جامعية أو تدريباً أكاديمياً رسمياً.

وفي عام 1960، حققت غودال اكتشافاً علمياً غير مسبوق عندما رصدت ذكر شمبانزي أطلقت عليه اسم “ديفيد غريبيرد”، وهو يستخدم عصا لاستخراج النمل الأبيض من أعشاشه والتغذي عليه.

وقد شكّل هذا الاكتشاف صدمة للمجتمع العلمي آنذاك، إذ كان الاعتقاد السائد أن صناعة واستخدام الأدوات من خصائص الإنسان وحده. ولم يقتصر أثر الاكتشاف على تغيير الفهم العلمي للشمبانزي، بل دفع أيضاً إلى إعادة النظر في مكانة الإنسان داخل مملكة الحيوان.

وخلال السنوات الطويلة التي قضتها في مراقبة الشمبانزي ودراستهم، أحدثت غودال ثورة في فهمنا لأوثق الكائنات صلة بالإنسان من الرئيسيات. وكان مفتاح اكتشافاتها الرائدة فضولها وقدرتها على الملاحظة الهادئة والمركزة. وأثبتت هذه الاكتشافات أن الحيوانات ليست مجرد كائنات بسيطة، بل كائنات اجتماعية وعاطفية لها شخصيات مستقلة، وهو ما غيّر نهج دراسة الحيوان إلى الأبد.

وفي عام 1965، ظهرت غودال على غلاف مجلة “ناشيونال جيوغرافيك”، وشاركت في فيلم وثائقي بعنوان “الآنسة غودال وعالم الشمبانزي” بصوت الممثل الشهير أورسون ويلز، حيث أبرز الفيلم تفاعلها المباشر والودود مع صغار الشمبانزي، مظهراً الجانب الإنساني والعاطفي في علاقتها بهم.

لكن طريقها لم يكن سهلاً، إذ واجهت كثيراً من الشكوك والتحفظات، خاصة من مجتمع العلماء الذي كان يغلب عليه الطابع الذكوري في ستينيات القرن الماضي. فقد رفض بعضهم أسلوبها في التعامل مع الشمبانزي، الذي اتسم بالود والعاطفة، إذ منحتهم أسماء ووصفتهم بصفات إنسانية، معتبرة أنهم “أصدقاؤها”.

وبفضل هذا الدعم، واصلت غودال أبحاثها حتى نالت شهادة الدكتوراه من جامعة كامبريدج، رغم أنها لم تكن تحمل شهادة جامعية مسبقة، في خطوة استثنائية عكست قدراتها وإصرارها على تحقيق أهدافها العلمية.

من باحثة إلى ناشطة

فتحولت من باحثة ميدانية إلى ناشطة بيئية عالمية، تسافر إلى مختلف أنحاء العالم لإلقاء المحاضرات وتنظيم الحملات التوعوية حول أهمية حماية البيئة ومكافحة التغير المناخي.

وفي عام 1977، أسست “معهد جين غودال”، الذي أصبح مؤسسة رائدة في حماية الشمبانزي وتنفيذ برامج بيئية وتنموية في أفريقيا وخارجها. وركزت أنشطة المعهد على حماية القردة العليا الأخرى مثل الأورانغوتان والغوريلا، ومناهضة استخدام الحيوانات في المختبرات، إضافة إلى دعم المشاريع التي تعزز الاستدامة البيئية.

وكانت شخصية جين غودال مثالاً يجمع بين الهدوء والحزم. وقالت في مقابلة مع بي بي سي عام 2024: “نحن في خضم الانقراض الكبير السادس، وكلما نجحنا في استعادة الطبيعة وحماية الغابات الموجودة، كان ذلك أفضل”.

وعندما sئلت عن مصدر دافعها رغم تقدمها في العمر، أجابت: “بالتأكيد الناس يريدون مستقبلاً لأطفالهم”، مؤكدة أن الرسالة الأساسية في حياتها هي حماية الكوكب من أجل الأجيال القادمة.

ومن العادات الشهيرة لغودال حملها دميتها القرد القماشي “مستر إتش”، التي أهداها لها صديق منذ ثلاثة عقود. وقد رافقتها في جولاتها العالمية، لتصبح رمزاً صغيراً للصداقة الأبدية بين الإنسان وعالم الحيوان. وحتى في مقابلاتها الأخيرة، كان “مستر إتش” حاضراً في الخلفية، شاهداً على رحلتها الطويلة.

الإرث

وأشاد العلماء والزعماء العالميون بإرثها، مؤكدين أن حياتها وأعمالها ستبقى مصدر إلهام دائم لكل من يسعى إلى حماية الأرض والكائنات الحية. فقد جسّدت غودال مثالاً حيّاً على دمج العلم بالإنسانية والعمل من أجل الصالح العام، وأظهرت أن الفضول العلمي يمكن أن يقود إلى اكتشافات غير مسبوقة، وأن الرحمة تجاه الكائنات الحية جزء لا يتجزأ من العمل البيئي.

وخلال مسيرتها الطويلة، قدّمت للعالم إنجازات علمية شكّلت ثورة في فهم الشمبانزي، وأبرزت عمق الروابط الاجتماعية والعاطفية التي تجمع الحيوانات. ولا يزال إرثها العلمي مؤثراً في الأجيال اللاحقة من الباحثين، إذ ألهمت مئات الطلاب والعلماء حول العالم لمواصلة دراسة الشمبانزي وفهم سلوك الحيوانات بعمق أكبر وبنظرة أكثر تعاطفاً.

كما مثّلت غودال نموذجاً للتوازن بين العلم والعمل الإنساني، إذ جمعت بين الدقة العلمية في الملاحظة والرحمة العميقة تجاه الكائنات التي درستها. وأظهر أسلوبها في التعامل مع الشمبانزي، بما في ذلك منحهم أسماء والتعرف على شخصياتهم الفردية، أن الحيوانات ليست مجرد أرقام وبيانات، بل كائنات حية لها مشاعر وروابط عاطفية.

تحولت جين غودال إلى ناشطة بيئية عالمية ذات تأثير واسع في مجال حماية الغابات والحفاظ على الحياة البرية. وكانت تكرر دائماً أن الوقت المتاح لحماية الطبيعة محدود، وأن العمل المستمر هو السبيل الوحيد لإنقاذ الأرض من التدهور البيئي والانقراض الجماعي.

واتسم أسلوبها بالعملية والمباشرة، إذ ركزت على مبادرات ملموسة مثل زراعة الأشجار وحماية الغابات في أوغندا، إلى جانب حملات توعية عامة حول تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي. ومن خلال “معهد جين غودال”، أنشأت برامج تعليمية وتدريبية للأطفال والطلاب لتشجيعهم على الاهتمام بالحياة البرية والطبيعة منذ الصغر، في تعبير واضح عن إيمانها بدور الجيل الجديد ومسؤوليته تجاه البيئة.

وفي حياتها الشخصية، عرفت غودال بالهدوء والاتزان، لكنها جسّدت في الوقت نفسه المثابرة والإصرار. فحتى في التسعينيات من عمرها، واصلت السفر والمشاركة في المؤتمرات العالمية والمحاضرات، مؤمنة بأن نقل الرسالة البيئية مهمة لا تنتهي. وقالت لصحيفة “التايمز” عام 2022 إنها لم تنم في السرير نفسه أكثر من ثلاثة أسابيع متواصلة منذ عام 1986.

وظلّت تعمل حتى أيامها الأخيرة، إذ أجريت لها مقابلة على المسرح في نيويورك قبل أسبوع، وكان من المقرر أن تلقي كلمة أخرى في كاليفورنيا في الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

 

المصدر: BBC