حرب السرديات.. كيف حاصرت شهادات الاغتصاب رواية إسرائيل؟

أحدث مقال رأي، نشره الكاتب الصحفي نيكولاس كريستوف في صحيفة نيويورك تايمز (New York Times)، هزة مدوية في الأوساط السياسية والإعلامية، لم يكتف بنزع الغطاء عن جرائم العنف في السجون الإسرائيلية، بل كشف عن إستراتيجية التعتيم التي تمارسها إسرائيل.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2ترمب يتهم والأكراد يغضبون.. من أفشل خطة الانتفاضة المسلحة في إيران؟
  • list 2 of 2صور فضائية ترصد تحرك بقعة نفطية من خارك إلى غرب الخليج

end of list

وبدل مناقشة الجرائم المروعة، لجأت الآلة الدبلوماسية والإعلامية الإسرائيلية إلى شن هجوم مضاد، يستهدف اغتيال شخصية الكاتب والضحايا، في محاولة لطمس الحقائق تحت ستار مصطلح “فرية الدم”.

رسالة كريستوف ودعوة التنديد

بدأ كريستوف كشف المستور عبر تدوينة مهد فيها لمقاله، ووجه من خلالها رسالة تدعو إلى الاتفاق على إدانة الاغتصاب بغير النظر إلى أي موقف سياسي من الشرق الأوسط.

وأشار في تدوينته إلى الصعوبات التي واجهته في إقناع الضحايا بالتحدث، بعد تعرضهم للتهديد بالقتل أو إعادة الاغتصاب إن تم الإدلاء بأي شهادة.

ورغم ذلك الترهيب، وجد بعضهم الشجاعة للحديث عن تفاصيل مروعة، كوجود رجل تعرض للاغتصاب ثلاث مرات في يوم واحد، وشابة كان الحراس يجبرونها على التعري مع بداية كل نوبة حراسة، وأخرى تعرضت لتهديد بنشر صور الاعتداء عليها لابتزازها كي تعمل مع المخابرات، إلى جانب أطفال واجهوا انتهاكات مشابهة.

الصمت أمام الجرائم.. تفاصيل التقرير

تحت عنوان “الصمت الذي يقابل اغتصاب الفلسطينيين”، استند التقرير إلى مقابلات مع 14 من الضحايا، ليؤكد أن العنف بات سياسة ممنهجة في السجون، ويمكن تلخيص أبرز ما وثقه التقرير في النقاط التالية:

  • شهادة سامي الساعي: تعرض الصحفي للضرب والتجريد من ملابسه، قبل محاولة إيلاج هراوة مطاطية في دبره، ثم استخدام “جزرة” للاعتداء عليه وسط ضحكات الحراس، وتصوير المشهد، مع تعرضه لتحرش جسدي مؤلم من قبل حارسة.
  • عقاب المزارع: يوجد سجين تعرض للاغتصاب عبر هراوة معدنية ثلاث مرات في يوم واحد، وجاءت المرة الثالثة كعقاب مباشر بعد طلب الحصول على ورقة وقلم لكتابة شكوى.
  • الاعتداء بالكلاب: وثق التقرير شهادة لصحفي من غزة أكد فيها تجريده من ملابسه وهو مقيد ومعصوب العينين، ليتم توجيه كلب بوليسي للاعتداء عليه بصفة وحشية، وسط ضحكات الجنود وتوثيق المشهد عبر الكاميرات.
  • استهداف النساء والأطفال: ذكر التقرير تقارير توثق اعتداءات طالت نساء، بينهن سيدة قيدت بطاولة معدنية وتم الاعتداء عليها ليومين كاملين وتصويرها لابتزازها. وتطرق إلى شهادات أطفال وثقت منظمة “أنقذوا الأطفال” تعرضهم لانتهاكات صارخة.
  • شهادة أولمرت: برز في التقرير تعليق رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت، الذي أكد أنه غير متفاجئ، وذكر بصفة قاطعة أن هناك جرائم حرب ترتكب كل يوم.

الرد الإسرائيلي.. محاولة إسكات وهروب للأمام

أثارت هذه الشهادات المروعة ذعر السلطات الإسرائيلية، التي انتقلت بصفة فورية إلى تفعيل خطة الإسكات وتغيير مسار النقاش.

إعلان

وخرجت وزارة الخارجية الإسرائيلية بتصريح يهاجم الصحيفة والكاتب، ووصفت التقرير بأنه يمثل أسوأ “فرية دم” في تاريخ الصحافة الحديثة.

واعتبرت الخارجية أن التقرير يقلب الواقع ويحول الضحية إلى متهم، مدعية أن نشر هذه الشهادات يأتي ضمن حملة كاذبة لوضع إسرائيل على القائمة السوداء التابعة للأمم المتحدة.

ولم يقتصر الأمر على التصريحات الرسمية، بل تجندت حسابات تابعة لدوائر الضغط، مثل منظمة (HonestReporting) وحساب (Israel War Room)، لشن حملة تستهدف ضرب مصداقية الشهود.

وتضمنت الخطة نبش منشورات سياسية سابقة للصحفي الساعي ولغيره من الضحايا، للزعم بأن مواقفهم تلغي حقيقة ما تعرضوا له.

وتطوع بعض الصحفيين الأمريكيين مثل “ديفيد شوستر” لدعم هذه السردية، حيث زعم وجود نقاشات داخل الصحيفة لسحب المقال، وحاول تسخيف شهادة الاعتداء بالكلاب مدعياً أن الكلاب لا تملك القدرة التشريحية لفعل ذلك، بهدف تفريغ الشهادات من محتواها بصفة تامة.

سقوط الأقنعة وازدواجية المعايير

اصطدمت هذه المحاولات الإسرائيلية بجدار صلب من الرفض في الأوساط الصحفية والحقوقية، التي فككت سردية التشكيك وكشفت عن ازدواجية المعايير بصفة واضحة.

وفي مواجهة إنكار الخارجية الإسرائيلية، ردت مجموعة من الصحفيين والكتاب عبر الاستناد إلى تقارير ومقابلات صدرت عن منظمات حقوقية إسرائيلية تؤكد وقوع اعتداءات جنسية ضد الأسرى الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، شاركت الكاتبة (Assal Rad) عبر حسابها لقطة شاشة من تقرير لمنظمة “بتسيلم” الإسرائيلية، يوثق حدوث مثل هذه الجرائم، ليكون بمثابة رد قاطع يفند ادعاءات المسؤولين الإسرائيليين.

وخرج الإعلامي بيرس مورغان للتعبير عن صدمته بكلمات مقتضبة، وصف فيها ما حدث بأنه سلوك مروع ومخز وفاضح.

وفي رد قاطع على استخدام إسرائيل لمصطلح “فرية الدم”، سخر الناشط محمود خليل من هذا الاستهلاك المفرط للكلمة، مشيراً إلى أن إسرائيل تصف قرارات محكمة العدل الدولية وتقارير الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية بالفرية، لتبدو وكأنها الكيان الوحيد الذي لا يكذب، في حين تواجه محاكمة بتهمة الإبادة الجماعية.

وتصدى حساب (Sturgeon’s Law) للتشكيك في المصادر، وطرح تساؤلاً عن مدى منطقية تكذيب 14 من الضحايا تحدث معهم الكاتب بصفة شخصية، فضلاً عن تجاهل تقارير المنظمات المستقلة.

ومن جهته، أكد المراسل رايان غريم أن عدد الشهود على استخدام الكلاب في الاعتداءات يفوق القدرة على التجاهل، وأوضح أن همجية هذه الانتهاكات تجعل من يرويها يبدو غير منطقي بسبب بشاعتها، لكنها تشكل حقيقة موثقة.

وهنا برزت زاوية ازدواجية المعايير بصفة صريحة في تعليق الصحفية سناء سعيد، التي انتقدت التناقض الصارخ في الصحافة الأمريكية، وأوضحت أن كلمة المسؤول الإسرائيلي تؤخذ كحقيقة بغير أي دليل، في حين يطالب الفلسطيني بتقديم كل تفصيل ممكن لإثبات تعرضه للعنف.

ولفتت الانتباه إلى أن الصحيفة نشرت تحقيقها حول مزاعم السابع من أكتوبر كتحقيق رسمي، بينما وضعت تقرير الانتهاكات ضد الفلسطينيين في قسم الرأي.

وهو الطرح ذاته الذي تبنته المديرة القانونية جنين يونس، التي عبرت عن إحباطها من هذا العالم المزدوج، حيث يتم تجاهل الاعتداءات الحقيقية على الفلسطينيين لسنوات، بينما تنشر شائعات يروجها مرتكبو الإبادة بغير أي تدقيق.

إعلان

وفي الختام، توجت هذه الردود بمطالبة منظمة “كير” بضرورة التحرك لوقف التمويل الأمريكي لهذه الانتهاكات، مؤكدة أنه لا ينبغي السماح لأي جهة بارتكاب هذه الجرائم المروعة مع ضمان الإفلات من المحاسبة.

 

المصدر: الجزيرة