حرب “المصانع الفضائية”.. واشنطن وبكين في صراع على كعكة الـ1.8 تريليون دولار

في المدار المنخفض حول الأرض، وفي بيئة الجاذبية الصغرى الناتجة عن السقوط الحر المستمر، بدأت الشركات الخاصة في اختبار وتصنيع أدوية وبلورات وألياف ضوئية وأشباه الموصلات ومواد متقدمة قد يصعب تصنيعها بالمستوى نفسه على الأرض.

وعلى ارتفاع يقارب 400 كيلومتر، بدأت ملامح اقتصاد التصنيع المداري تتشكل مدفوعة بانخفاض تكاليف الإطلاق وتطور المحطات الفضائية التجارية، واستعدادات نهاية عصر “محطة الفضاء الدولية”.

وفي هذا السياق، تتحول الجاذبية الصغرى من عائق إلى ميزة تنافسية قد تعيد رسم خرائط سلاسل التوريد العالمية للأدوية والمواد الإستراتيجية.

بيئة الجاذبية الصغرى تفتح آفاقا جديدة لتطوير علاجات للأمراض المستعصية (ناسا)
بيئة الجاذبية الصغرى تفتح آفاقا جديدة لتطوير علاجات للأمراض المستعصية (ناسا)

حين تتحول الجاذبية إلى عائق صناعي

منذ بداياتها، تعتمد الصناعة الأرضية على بيئة محكومة بثوابت فيزيائية صارمة، على رأسها قوة الجاذبية وتيارات الحمل الحراري والطفو والترسيب، مما يضع حدودا أمام كفاءة المواد المنتجة.

أما في المدار الأدنى للأرض، حيث تسود بيئة الجاذبية الصغرى، تتراجع هذه القيود بشدة، حيث تكون المركبات الموجودة داخلها في حالة سقوط حر مستمر، فتبدو تأثيرات الوزن والترسيب والحمل الحراري أضعف بكثير مما هي عليه على الأرض.

ويسمح هذا الأمر بنمو بلورات أقل عيوبا وأكثر انتظاما على المستوى الذري، وهو ما قد يفتح المجال أمام مواد شبه موصلة ذات خصائص كهربائية وبصرية أفضل، مع استخدامات محتملة في الاتصالات والإلكترونيات العالية القدرة والحوسبة.

وأثبتت شركات، مثل “فاردا سبيس إندستريز” ، إمكانية معالجة مركبات دوائية في المدار ومن ثم إعادتها إلى الأرض، حيث نجحت الشركة في إنتاج شكل بلوري محدد من مادة “ريتونافير” في المدار المستخدمة في علاج فيروس نقص المناعة.

ونجحت شركة “سبيس فورغ” البريطانية في توليد بلازما داخل قمر صناعي مستقل، وهي خطوة تجريبية أساسية نحو عمليات نمو البلورات المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات.

إعلان

وأثبتت التجارب السابقة على متن “محطة الفضاء الدولية” هذا المفهوم بشكل قاطع، أبرزها إنتاج ألياف “زبلان” (ZBLAN)، وهي نوع متطور جدا من الألياف الضوئية المصنوعة من زجاج الفلوريد بدلا من الزجاج التقليدي.

وتتبلور هذه المادة على الأرض بشكل غير متجانس بسبب الجاذبية، مما يحد من أدائها. أما في الفضاء، فإنها تنتج بجودة شبه مثالية تتيح نقل بيانات تتجاوز 10 أضعاف الألياف التقليدية المصنوعة من السيليكا.

لكن الانتقال من التجربة إلى الإنتاج التجاري يتطلب تكرارا أكبر وتكاليف أقل واستقلالية عن المحطات المأهولة، وتتحرك الصناعة الآن من مرحلة التجارب داخل المحطات المأهولة إلى اختبار المنصات التجارية المستقلة والقابلة للتوسع.

من المختبر الحكومي إلى المصنع الخاص

طوال العقود الماضية، اعتمدت أبحاث التصنيع الفضائي على “محطة الفضاء الدولية”، لكن محدودية الوقت والموارد المتاحة للتجارب التجارية عبر المحطة الحكومية، إلى جانب قرب تقاعدها، دفعت الشركات إلى البحث عن منصات تجارية أكثر مرونة.

وأفسح هذا الأمر المجال لظهور بيئة أعمال جديدة تقودها الشركات الخاصة، مثل “فاردا سبيس إندستريز”، التي تبني كبسولات فضائية غير مأهولة تمثل مصانع مدارية مصغرة تدور حول الأرض وتقضي أسابيع في الفضاء لتصنيع منتج معين جاهز للتوزيع التجاري.

وفي عام 2026، دخلت الشركة في اتفاق تطوير متعدد الرحلات مع شركة “يونايتد سيميكوندكتورز” لإنتاج أشباه الموصلات في المدار لاستخدامها على الأرض.

الكبسولات الفضائية والمحطات الخاصة تحل محل المحطات الحكومية التقليدية لإنتاج المواد
الكبسولات الفضائية والمحطات الخاصة تحل محل المحطات الحكومية التقليدية لإنتاج المواد (بيكسابي)

في حين طورت شركة “ريدواير” مختبر الأدوية في الفضاء من أجل إجراء عمليات تبلور للأدوية في المدار، وقد دخلت في شراكات مع شركات دوائية بهدف استخدام الجاذبية الصغرى لتطوير بلورات بروتينية وجزيئات دوائية ذات قيمة عالية.

فيما تبني شركة “أكسيوم سبيس” محطتها المستقبلية التي تضم وحدة مخصصة للبحث والتصنيع بما يسمح بإجراء عمليات إنتاج وتجارب في المدار.

أما شركتا “أوربيتال ريف” و”ستارلاب” ، فإنهما تمثلان نماذج أخرى للمشاريع التي تتطور لتصبح منصات تجارية قد تستضيف مستقبلا مرافق بحث وتصنيع.

وفي فبراير/شباط 2026، أعلنت “وكالة الفضاء البريطانية” تمويل دراسة بقيمة 300 ألف جنيه إسترليني (نحو 380 ألف دولار) لشركة “سبيس فورغ” من أجل دراسة إمكانية إنتاج بلورات أشباه الموصلات في المدار، مع استخدامات محتملة في الاتصالات ومراكز البيانات وشحن السيارات الكهربائية والحوسبة الكمية.

الاستثمارات والأسواق الناشئة

تتحدث الأرقام عن سوق في طور التشكل، حيث تشير تقديرات “المنتدى الاقتصادي العالمي” إلى أن اقتصاد الفضاء العالمي قد يرتفع من نحو 630 مليار دولار عام 2023 إلى 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035.

ويأتي هذا الارتفاع مدفوعا بانخفاض تكلفة الوصول إلى الفضاء واتساع استخدام تقنياته، مع الإشارة إلى أن التصنيع المداري هو أحد القطاعات الناشئة داخل هذا الاقتصاد.

وتجذب الشركات الناشئة في هذا المجال استثمارات من صناديق رأس المال المغامر الكبرى، حيث جمعت “فاردا سبيس إندستريز” حتى عام 2025 نحو 329 مليون دولار من التمويل، مدعومة بمستثمرين بارزين.

انخفاض تكاليف الإطلاق عبر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام يرفع الجدوى الاقتصادية للإنتاج في الفضاء
انخفاض تكاليف الإطلاق عبر الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام يرفع الجدوى الاقتصادية للإنتاج في الفضاء (بيكسابي)

وفي الوقت نفسه، تدخل شركات الأدوية الكبرى والشركات التقنية كعملاء محتملين أو شركاء، حيث وقعت الشركة في مايو/أيار 2026 اتفاقية تعاون بحثي مع شركة “يونايتد ثيرابيوتكس” لتطوير علاجات لمرض رئوي نادر.

إعلان

ويعتمد النموذج الاقتصادي الناشئ على فرضية أن تكلفة الإنتاج في المدار تصبح قابلة للتبرير عندما يكون المنتج النهائي مرتفع القيمة بما يكفي.

وتختلف المصانع المدارية عن اقتصاد الأقمار الصناعية التقليدي، حيث ترتبط القيمة في النموذج الجديد بالمنتج الذي يصنع هناك ويعاد إلى الأرض، وليس في الخدمة التي يقدمها القمر الصناعي من مداره.

ومع إعادة استخدام الصواريخ، انخفضت تكلفة الوصول إلى المدار مقارنة بعصر المكوك الفضائي، بينما تراهن الصناعة على أن المركبات الثقيلة القابلة لإعادة الاستخدام، وفي مقدمتها “ستارشيب”، قد تخفضها أكثر مستقبلا.

التصنيع الفضائي يغير قواعد الاقتصاد العالمي

لم يعد السباق الفضائي مجرد مسألة نفوذ وسيادة علمية، إنما أضحى تنافسا على امتلاك سلاسل التوريد الصناعية المستقبلية.

وإذا نجحت هذه التقنيات في الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري، فإن التأثير المحتمل يتجاوز مجرد منتج جديد إلى إعادة تشكيل أجزاء من سلاسل التوريد العالمية.

وقد تصنع الأدوية العالية القيمة جزئيا في المدار، ومن ثم تعالج على الأرض، فيما قد تعتمد أشباه الموصلات المتقدمة المستخدمة في المجالات الحساسة على مواد أولية منتجة فضائيا.

ويعني هذا فرصا جديدة للدول التي تمتلك قدرات إطلاق أو محطات أو خبرات بحثية، وفي الوقت نفسه تحديات للدول التي تعتمد على التصنيع التقليدي فقط.

التنافس الدولي يحتدم لتأسيس موطئ قدم في المدار الأدنى وتطوير البنية التحتية للصناعات الفضائية القادمة
التنافس الدولي يحتدم لتأسيس موطئ قدم في المدار الأدنى وتطوير البنية التحتية للصناعات الفضائية القادمة (بيكسابي)

وتقود الولايات المتحدة المشهد مستفيدة من منظومة فريدة تمزج بين وكالة الفضاء “ناسا” وسوق رأس المال المغامر الجريء الذي يضخ المليارات في الشركات الناشئة، إلى جانب وجود شركات صناعية عملاقة تبحث عن الميزة التنافسية التالية.

ويهدف برنامج “استخدامات الإنتاج في الفضاء”، الذي أطلقته وكالة “ناسا”، إلى دعم وتطوير تقنيات التصنيع في بيئة الفضاء، وتحويل الأبحاث إلى استخدامات تجارية قابلة للتوسع، وجعل الطلب غير الحكومي هو المحرك الرئيسي للاقتصاد المداري المنخفض.

فيما تعتمد أوروبا على عقود من الخبرة المتراكمة من المشاركة في “محطة الفضاء الدولية”، وتركز على مجالات محددة تتفوق فيها، حيث تشارك الشركات الأوروبية، بينها “إيرباص” و “تاليس ألينيا سبيس”، في تطوير بنية المحطات التجارية، مما يضمن لها موطئ قدم في السوق.

في حين تمثل محطة “تيانغونغ” الفضائية المنصة الوطنية الشاملة الصينية الخاضعة لسيطرة الدولة والموجهة لخدمة أهدافها الإستراتيجية الطويلة المدى، حيث تنظر الصين إلى التصنيع الفضائي كجزء لا يتجزأ من خطتها لتصبح قوة عظمى في الفضاء بحلول عام 2045.

فيما تمول المملكة المتحدة دراسات لتصنيع الأدوية وأشباه الموصلات والألياف الضوئية في المدار، وعملت مع الجهات التنظيمية الدوائية والطيران المدني على وضع مسار تنظيمي لتصنيع الأدوية في المدار، بما في ذلك مسارات الترخيص والإرشادات والصناديق التنظيمية التجريبية.

ووسط هذا المشهد، تبرز فرص حقيقية أمام الدول الصاعدة، حيث إن الانضمام إلى هذا السباق لا يعني بالضرورة بناء محطة فضائية وطنية كاملة، حيث توجد مسارات أخرى أقل تكلفة.

ويشمل ذلك الاستثمار في البنية التحتية، وإنشاء مراكز أرضية متخصصة لاختبار الحمولات الفضائية، والمشاركة في صياغة قوانين الملكية الفكرية للأدوية والمواد المصنعة في الفضاء، وتوفير بيئات تنظيمية مرنة تجذب شركات الفضاء الناشئة، إلى جانب الشراكات الإستراتيجية.

التحديات التقنية والتنظيمية والبيئية

من الناحية التقنية، لا تزال الاستقلالية الآلية الكاملة للمصانع المدارية قيد التطوير، إلى جانب التحديات القائمة، مثل إدارة الحرارة والطاقة في بيئة قاسية، وضمان سلامة العودة، والتعامل مع الاهتزازات، وتقليل مخاطر الحطام الفضائي.

إعلان

أما من الناحية الاقتصادية، فإن التكاليف الأولية مرتفعة وبحاجة إلى حجم إنتاج كبير من أجل خفض التكاليف، كما أن السوق لا يزال في مرحلة إثبات المفهوم بالنسبة لكثير من الاستخدامات، وبحاجة إلى منتج يثبت بشكل قاطع أن القيمة المضافة تفوق التكاليف المرتفعة.

الحطام المداري والتكاليف التنظيمية والاستقلالية الآلية تحديات تواجه المصانع المدارية
الحطام المداري والتكاليف التنظيمية والاستقلالية الآلية تحديات تواجه المصانع المدارية
(بيكسلز)

وتشير وكالة “ناسا” إلى أن نجاح الاقتصاد التجاري في المدار يحتاج إلى معالجة عوائق السوق، والوصول إلى العملاء، ونماذج الأعمال المربحة، والاستثمار والتمويل.

وبالانتقال إلى الناحية التنظيمية، فإن بعض جوانب الإطار القانوني الدولي للتصنيع في الفضاء لا تزال غير محسومة، خصوصا في ما يتعلق بالملكية الفكرية، مثل من يملك براءة الاختراع لعملية تمت في المدار، وكيف تطبق معايير سلامة الأدوية على منتج معالج خارج الأرض.

ختاما، فإن ما بدأ كتجارب علمية محدودة يتحول تدريجيا إلى صناعة ناشئة، كما أن الجاذبية الصغرى، التي كانت يوما ما عائقا أمام الوجود البشري في الفضاء، أصبحت الآن موردا اقتصاديا، حيث قد تتحول المصانع المدارية، إذا نجحت في تجاوز تحديات التكلفة والتوسع والتنظيم، إلى مكون جديد في الاقتصاد القائم على المعرفة والتقنيات المتقدمة.

 

المصدر: الجزيرة