حرب غزة: الأمومة لأول مرة في القطاع “ابنتي نور في أرض مغطاة بالظلام”

كانت مشاعر هدى مختلطة في أواخر العام الماضي عندما اكتشفت حملها. في البداية، كان التعب، ثم الصدمة. وسرعان ما تبع ذلك الخوف والفرح بالحياة الجديدة التي كانت تبنيها، فضلاً عن اليأس من شكل غزة التي سيولد فيها طفلها.

تقول من منزل والدتها في وسط غزة: “كنت خائفة، ليس لأنني لم أكن أريد الطفل، ولكن لأنني لم أكن أعرف كيف سأحمي حياة جديدة في مكان يعد فيه البقاء على قيد الحياة صراعاً من الأساس”.

بحلول ذلك الوقت، كان قد مرّ أكثر من عام على بدء الحرب الإسرائيلية على غزة، رداً على الهجوم الذي شنته حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

تحدثت هدى مع برنامج “نيوزداي” على خدمة بي بي سي العالمية لما يقرب من عامين، بعد بدء حرب إسرائيل مع حماس بفترة وجيزة.

وقدمت هدى لمحة عن الحياة اليومية بعيداً عن التقارير الإخبارية اليومية عن الموت والدمار.

في 28 يوليو/تموز، رُزقت هدى بمولودتها في مجمع الصحابة الطبي بمدينة غزة، وهو مستشفى قريب من منزلها.

يُدير المستشفى طاقم نسائي للمرضى الإناث، ومثل العديد من المرافق الصحية الأخرى في غزة، دُمّرَ جزئياً جراء الغارات الجوية الإسرائيلية، ونتيجةً لذلك، هناك نقصٌ حادٌّ في المعدات والإمدادات الطبية.

تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 94 في المئة من مستشفيات غزة إما تضررت أو دُمّرت، وأن أكثر من نصفها لم يعد يعمل.

“معجزة في هذا الزمن”

“إنها تعني اللين والحزم، وتعني القوة الرقيقة. تعني الهدوء الذي لا ينكسر”، تقول هدى بعد أسبوع من الولادة.

وأضافت: “إنها معجزة في هذا الزمن. إنها كضوء في أرضٍ غارقة في الظلام هنا في غزة. وهي أيضاً عبء أحمله بحب. أرى يديها الصغيرتين البريئتين وأتساءل كيف سأحميها في عالمٍ كاد أن يحطمني”.

لا يوجد رقم دقيق لوفيات الأمهات في غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن المؤشرات تشير إلى أن العدد قد يكون مرتفعاً جداً.

وحذرت الأمم المتحدة من أن الظروف الشبيهة بالمجاعة التي تعيشها قرابة 55 ألف امرأة حامل في غزة تزيد من خطر الإجهاض وولادة أجنة ميتة وإصابة حديثي الولادة بسوء التغذية.

خلال الأشهر التسعة الماضية، اضطرت للعيش على إمدادات متناقصة من الأطعمة المعلبة والدقيق بسبب نقص الطعام الطازج والخضروات والفواكه واللحوم.

وباستخدام دقيق الخبز الذي تملكه – والذي تصفه بـ”الذهب الأبيض” – تصنع “المناقيش” الذي يُغطى عادةً بالجبن.

أرسلت هدى لبي بي سي صورة لأرغفة طازجة من المناقيش. وكتبت: “إنه لذيذ”، لكنها أضافت: “لم أعد أتناول الجبن”.

الحصار

منذ 2 مارس/آذار، تفرض إسرائيل حصاراً شبه كامل على غزة، قاطعةً بذلك الغذاء والدواء وغيرها من الإمدادات، مما فاقم الوضع الصعب أصلاً.

وبينما تتعافى هدى بعد الولادة، فهي لا تزال قلقة بشأن كيفية إطعام طفلتها لين.

مع ذلك، وبمساعدة الأصدقاء والعائلة، تمكنت هدى من تأمين زجاجة حليب أطفال بقرابة 40 دولاراً.

وأضافت: “أعتمد على الرضاعة الطبيعية لتجنب شراء هذا الحليب بهذا السعر. اشتريتُ واحدة كوسيلة مساعدة، لكنني أعتمد أيضاً على الرضاعة الطبيعية، إنها مُرهقة للغاية”.

يتكون نظامها الغذائي بشكل رئيسي من العدس والحمص والباذنجان، ولكن حتى هذه الأطعمة يصعب الحصول عليها.

“نتناول السردين في بعض الأيام، ولكن ليس دائماً. الصيد نشاط جميل، ولكنه ليس آمناً للصيادين بسبب إسرائيل”، وفق هدى.

العيش في حالة خراب

لا تتذكر هدى عدد المرات التي نزحت فيها.

عندما ضربت الغارات الجوية الإسرائيلية منزلها في دير البلح وسط غزة بعد عشرة أيام من بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حطمت زجاج النوافذ والجدران والأثاث.

لاحقاً، انتقلت إلى مدينة غزة لمزيد من الدعم الأسري بعد ولادة لين، حيث تعيش الآن.

منزلها هو مأوى مؤقت في مبنى مُدمر. تستخدم ألواح الخشب فوق مجموعة من الطوب كطاولة مطبخ.

وإمدادات المياه غير منتظمة. ومع وجود طفل حديث الولادة، تزداد الحاجة إليها بشكل مُلّح.

“الماء هنا في غزة يصلنا كل ثلاثة أو أربعة أيام، فنملأ الخزانات أو الزجاجات. وخلال ذلك الوقت، نقوم بجميع أعمال المنزل، ونغسل الملابس، ونفعل ما نريده”، قالت هدى.

كما تُعتبر الحفاضات من الكماليات، ولذلك تُستخدم باعتدال. وسعر العبوة التي تحتوي على 64 قطعة يزيد عن 190 دولاراً.

تقول هدى إنها تحاول تنظيف ما لديها من الحفاضات بمناديل مبللة لإعادة استخدامها إذا لم تكن متسخة جداً.

 

المصدر: BBC