لم تكن نيران الحريق الذي اندلع في مستوطنة “حفات غلعاد” قد أُخمدت بعد، عندما بدأت حسابات إسرائيلية حملة تحريض ضد الفلسطينيين، متهمة إياهم بتعمد إشعال الحريق الذي التهم عشرات المنازل وخلف دماراً واسعاً في المنطقة.
وقد استنفرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي 45 فرقة إطفاء وإنقاذ وقوات من الجيش الإسرائيلي، فضلا عن مشاركة 8 طائرات، للسيطرة على الحريق الذي تبين لاحقاً أن شرارته الأولى اندلعت جراء “عقب سيجارة” أُلقي من سيارة عابرة.
فما علاقة الفلسطينيين بالأمر؟ وكيف انطلقت حملة الشيطنة ضدهم رقمياً وميدانياً؟ وكيف استغل المستوطنون الحادثة لشن هجمات انتقامية؟
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة تتبعت خيوط القصة للتحقق من الرواية المتداولة وتسلسل الأحداث في البؤرة الاستيطانية التي أُنشئت عام 2003.
حريق يلتهم مستوطنة
بدأت القصة يوم السبت الماضي، حين نشرت وسائل إعلام إسرائيلية مشاهد لاندلاع حريق ضخم في مستوطنة “حفات غلعاد” والتهم بعضا من منازل وممتلكات المستوطنين، في مشاهد وصفها الإسرائيليون بأنها “كارثية”.
وأظهرت مقاطع مصورة تصاعد أعمدة الدخان وجهود فرق الإنقاذ التي استمرت حتى صباح الأحد، للسيطرة على الحريق الذي أدى لتضرر 24 منزلاً 13 منها تفحمت جراء سرعة انتشار النيران.
اتهام الفلسطينيين
وسرعان ما تلقفت الحسابات الإسرائيلية الحدث لتأطيره سياسياً بوصفه “عملية إرهابية متعمدة”.
وزعمت حسابات على منصة إكس أن “مخربين فلسطينيين” و”مثيري شغب عرب” هم من أضرموا النار في استهداف متعمد ومباشر لليهود، وفق تعبيرهم.
كيف انتشرت الرواية؟
وكان الناشط الإسرائيلي “يوسف حداد” من أوائل المروجين لهذه السردية، حيث غرد بأسلوب تحريضي داعياً إلى التحقيق في ما إذا كان الحريق متعمدا بدافع إرهابي، مطالباً بتصفية المتورطين.
ولم يقتصر الأمر عليه، بل لمح صحفي إسرائيلي آخر إلى وقوف عامل عربي وراء الحريق.
اتهام الإعلام بـ”التواطؤ”
تزامن هذا التحريض مع هجوم شنه مستوطنون على الإعلام الإسرائيلي وقنواته التي وصفوها بـ”قنوات الذعر والتضليل”، متهمين إياها بتعمد تجاهل الأمر لأن المستهدفين يهود.
وطال الهجوم مراسل هيئة البث الرسمية روعي شارون، حيث تساءل مغردون بحدة عما إذا كان سيلتزم الصمت لو أن الحريق وقع في بلدة “حوارة” الفلسطينية.
ولم يتأخر الخطاب السياسي الرسمي عن ركوب الموجة؛ إذ خرج رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية، يوسي داغان، في مقطع فيديو ليعلن عن وجود “شكوك قوية بأن الحريق كان متعمداً”.
وطالب داغان بمكافحة ما أسماه “إرهاب الحرق العمد”، متعهداً بإعادة بناء المستوطنة لتنمو أضعافاً مضاعفة وتستحوذ على المزيد من أراضي الضفة الغربية.
اعتداءات انتقامية
هذه الحملة التحريضية لم تقف عند حدود الفضاء الرقمي، بل تحولت سريعاً إلى اعتداءات وحشية على الأرض استهدفت بلدات وممتلكات فلسطينية.
ورصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة صوراً ومقاطع فيديو توثق هجوماً انتقامياً شنه عشرات المستوطنين فجر الأحد على قرية “التوانة” في مسافر يطا جنوب الخليل.
وأظهرت كاميرات المراقبة تسلل عشرات المستوطنين الملثمين إلى القرية، من جهة بؤرة “حفات ماعون”، حيث قاموا بخط شعارات عنصرية باللغة العبرية على الجدران حملت عبارات مثل “حفات غلعاد” لربط اعتدائهم بحريق المستوطنة.
إحراق مسجد
وأفاد رئيس مجلس قروي التوانة، محمد ربعي، بأن المستوطنين حطموا نوافذ مسجد القرية وألقوا مواد سريعة الاشتعال وقنابل داخله مما أدى إلى إحراقه، بالإضافة إلى إشعال النيران في منزلين ومركبة، تحت غطاء وحماية من قوات الاحتلال.
وأدانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية الجريمة، مؤكدة في بيان لها أن إحراق مسجد التوانة هو “عمل إرهابي مكتمل الأركان” يأتي بضوء أخضر من حكومة الاحتلال المتطرفة لتحويل الصراع إلى حرب دينية وتهجير الفلسطينيين من مسافر يطا.
تحقيقات تفند المزاعم الإسرائيلية
وبينما كان المستوطنون يحرقون ممتلكات الفلسطينيين انتقاماً، كانت التحقيقات الرسمية الإسرائيلية تكشف زيف الرواية التحريضية بالكامل.
وأعلنت الشرطة الإسرائيلية السيطرة على الحريق، فيما كشف التحقيق الأولي لمحققي الإطفاء والأجهزة الأمنية أن النيران اندلعت من نقطة واحدة نتيجة إلقاء عقب سيجارة على جانب الطريق، بينما تواصل قوات الجيش والشرطة عمليات البحث عن المركبة التي ألقيت منها السيجارة للوصول إلى المتورطين واستكمال التحقيقات، وفق البيان.
ووفق التفاصيل التي أوردها مراسل إذاعة جيش الاحتلال، دورون كادوش، فإن نقطة اندلاع النيران الأولية توجد في نطاق تغطية كاميرات المراقبة الأمنية التابعة للجيش وجهاز الشاباك.
خلفية غير قومية
وبناء على هذه المعطيات، أكدت التقديرات الأمنية أن الأمر لا يتعلق بإضرام نار متعمد على “خلفية قومية”، ونتيجة لذلك، انسحب جهاز الأمن العام (الشاباك) تماماً من التحقيق في القضية وسلم الملف بأكمله إلى الشرطة الإسرائيلية بناء على القناعة بأن الحادث ليس عملاً تخريبياً.
في حين، أفادت مصادر أمنية إسرائيلية بأن المؤشرات “لا تتجه نحو هذا المسار”، وإن كانوا لا يستبعدونه كلياً حتى انتهاء كافة التحريات.
كما أشارت القناة الـ12 الإسرائيلية إلى أن الحريق بدأ في ساعات الظهر بالقرب من حي “متسبيه يشاي” في منطقة كدوميم، وتمدد مع الرياح نحو مستوطنة “حفات غلعاد” واقتحم خط المنازل الأول، مما يؤكد أن المستوطنة لم تكن مستهدفة لذاتها منذ البداية.
وذكر مراسل إذاعة الجيش أن المخاوف الأمنية من وقوع أعمال “انتقامية” دفعت المنظومة الأمنية للاستنفار ونشر قوات كبيرة، وقرابة منتصف الليل، اعتقلت الشرطة ثلاثة مستوطنين يهود في محطة وقود في كدوميم أثناء قيامهم بتعبئة غالونات من البنزين، وضبطت في مركبتهم مواد أخرى أثارت الشبهات.
وفي الوقت نفسه، رصدت الكاميرات اقتحام أكثر من 30 مستوطناً للقرية وإحراق المسجد والسيارة وكتابة عبارات الثأر لـ”حفات غلعاد”، وهو ما تعاملت معه جهات التحقيق كعمل انتقامي مباشر، وفقاً لمراسل هيئة البث.
وتثبت هذه الوقائع كيف توظف آلة الاستيطان الحوادث العرضية لشن حملات شيطنة ممنهجة ضد الفلسطينيين، واتخاذها ذريعة فورية لارتكاب جرائم حرق وتخريب منظم على الأرض، وهو ما يندرج ضمن إستراتيجية متكاملة تهدف إلى تصعيد وتيرة الاستيطان والدفع بمخططات التهجير القسري تحت غطاء من الروايات المفبركة.
وتعمد الحكومات الإسرائيلية لاستغلال أحداث بالضفة الغربية المحتلة وتوظيفها من أجل تشريع بؤر استيطانية غير قانونية، فقد صدقت الحكومة على تشريع البؤرة الاستيطانية “حفات غلعاد” المقامة على أراضٍ فلسطينية غرب مدينة نابلس عقب عملية مسلحة أسفرت عن مقتل مستوطن في عام 2018.
المصدر: الجزيرة