حين يبدأ العام بالهجرة والربيع معا.. ماذا يكشف تزامن الفطر والنوروز عن إيران؟

في البيت الإيراني، يمكن أن تتجاور هذا السبت مائدةُ “هفت سين” النوروزية مع الاستعداد لصلاة العيد، وأن يمرَّ اليوم نفسه بين تهاني “نوروز مبارك” و”فطر مبارك”.

و”سفرة هفت سين”، أو السينات السبع هي مائدة تضم سبعة رموز يبدأ اسم كل منها بحرف السين ولكل منها دلالته الخاصة.

هنا لا تجلس مناسبتان على طاولة واحدة فحسب، بل يجلس رمزان لهويتين: هوية قومية-حضارية ترى في النوروز علامة الاستمرار التاريخي لفارس، وهوية دينية-سياسية ترى في عيد الفطر خاتمة شهر العبادة وأحد أهم مواسم الاجتماع الإسلامي.

ولذلك فإن هذا التزامن النادر لا يكشف تقاطعا بين عيدين فقط، بل يكشف الطريقة التي تعيش بها إيران نفسها، وتقدّم بها نفسها أيضا.

فالسبت الذي يلتقي فيه أول شوال مع أول فروردين ليس مجرد صدفة نادرة في الروزنامة، بل هو مشهد مكثف لطبيعة البلد نفسه.

إيران ليست دولة ذات مرجعية واحدة صافية، بل هي كيان تشكّل عبر القرون من طبقتين كبيرتين ظلتا تتداخلان وتتجاذبان وتعيدان تعريف بعضهما بعضا: طبقة فارسية أقدم من الإسلام، وطبقة إسلامية صارت لاحقا أساس الشرعية السياسية والرمزية.

وبين هاتين الطبقتين، لم تُبنَ إيران على القطيعة الكاملة ولا على الانسجام التام، بل على صيغة مركبة من التعايش القلق.

أقيم حفل الاحتفال ببداية عام 1405 في ساحة الثورة بطهران بحضور حاشد. @وكالة تسنيم
إيرانيون يحيون لحظة بداية العام في ميدان الثورة وسط العاصمة طهران لأول مرة (تسنيم)

من هنا لا يبدو النوروز في إيران مجرد عيد ربيعي أو مناسبة عائلية. إنه أكثر من ذلك بكثير: علامة على زمن أقدم من الجمهورية الإسلامية، وأقدم من الإسلام نفسه في هذه الجغرافيا. فمع النوروز لا يبدأ فصل جديد فقط، بل يبدأ العام نفسه.

وحين يحتفل الإيرانيون به، فهم لا يحتفلون بالطبيعة وحدها، بل بشعور أعمق بالاستمرار التاريخي، كأنهم يستعيدون طبقة قديمة من تعريف الذات لم تستطع التحولات الكبرى أن تمحوها.

إعلان

لكن المفارقة الإيرانية الأبلغ لا تتعلق ببقاء النوروز بعد الإسلام فقط، بل بالطريقة التي أعادت بها إيران ترتيب الزمن نفسه.

فالتقويم الرسمي للدولة هو التقويم الهجري الشمسي: “هجري” لأن ترقيم السنوات يبدأ من الهجرة النبوية، و”شمسي” لأن بداية السنة لا تُحسب قمريا، بل فلكيا مع الاعتدال الربيعي، أي مع النوروز.

بمعنى آخر، أبقت إيران النوروز بداية للعام، لكنها جعلت الهجرة بداية للعد. وهنا تنكشف واحدة من أبلغ الصيغ الإيرانية في التعبير عن النفس: إيران أسلمت رقم السنة، لا يومها.

فالسنة الأولى تُنسب إلى عام الهجرة، لكن اليوم الأول من السنة ليس يوم الهجرة التاريخي، بل يوم النوروز. ليست هذه مجرد مسألة تقنية في حساب الزمن، بل هي تعبير رمزي كثيف عن الكيفية التي ركّبت بها إيران هويتها الحديثة: ذاكرةُ عدٍّ إسلامية، ورأسُ سنةٍ فارسي.

الإسلام حاضر في أصل التأريخ، وفارس حاضرة في إيقاع الزمن ومعناه.

 

Iranian Shias take part in Eid al-Fitr prayers, marking the end of the Muslim holy month of Ramadan, at the Grand Mosalla mosque in Tehran on March 21, 2026.
إيرانيون يقيمون صلاة عيد الفطر في مصلى طهران الكبير اليوم (الفرنسية)

وفي هذا السياق، يكتسب مصطلح “الهوية الإيرانية الإسلامية” الذي تحدث عنه منظرو الثورة مثل علي شريعتي وآية الله مرتضى مطهري معناه الحقيقي.

فالعبارة ليست مجرد تركيب لغوي مريح، بل صيغة فكرية وسياسية تحاول بها الجمهورية الإسلامية إدارة توتر قديم بين عنصرين كبيرين في تعريف إيران: الإيراني الفارسي من جهة، والإسلامي وغالبا الشيعي من جهة أخرى.

المقصود بهذه الهوية أن إيران ليست فارسية فقط، وليست إسلامية فقط، بل هي حصيلة الجمع بين الاثنين في تعريف واحد للدولة والمجتمع.

إنها محاولة للاحتفاظ بذاكرة فارس، من دون التخلي عن الشرعية الإسلامية التي تقوم عليها الجمهورية.

ويظهر هذا المعنى أيضا في الخطاب الرسمي الإيراني. ففي رسالة بمناسبة تزامن النوروز وعيد الفطر، وصف وزير التراث الثقافي والسياحة والصناعات اليدوية الإيراني رضا صالحي أميري هذا الاجتماع بأنه ليس مجرد تقاطع في التقويم، بل “رواية أمة” لا تزال تؤمن بالبدايات حتى في قلب الحزن والحرب.

وبحسب الرسالة، فإن النوروز يظل في المخيال الإيراني رمزا للبداية، فيما يمثّل الفطر عودة إلى الفطرة، قبل أن يربط الوزير المناسبة بدعوة إلى ترميم الروابط الحضارية داخل العالم الإسلامي ومع العالم العربي.

A candle burns on a Haft-Sin table, an arrangement of seven symbolic items which names start with the letter "S", to celebrate the spring holiday of Nowruz, in the home of an Iranian family in Tehran, on March 20, 2026.
سفرة “هفت سين” هي مائدة تضم سبعة رموز يبدأ اسم كل منها بحرف السين ولكل منها دلالته الخاصة (الفرنسية)

هكذا لا يظهر التزامن، حتى في اللغة الرسمية، عيدين متجاورين فقط، بل مناسبة لتقديم إيران بوصفها بلدا يريد الجمع بين هويته الوطنية ومرجعيته الإسلامية في سردية واحدة.

لكن هذا التماسك الظاهري لا يخلو من توتر مكتوم، فالنوروز يذكّر الإيرانيين بأن لهم زمنا أقدم من النظام السياسي القائم، بل أقدم من الإسلام نفسه في هذه البلاد.

وعيد الفطر يذكّرهم، في المقابل، بأن إيران الحديثة لم تُبنَ بوصفها دولة قومية محضة، بل بوصفها جمهورية إسلامية يستمد نظامها جزءا حاسما من شرعيته من الدين.

وبين الرمزين، تتحرك الحياة العامة في إيران: لا تستطيع الدولة أن تتخلى عن النوروز لأنه متجذر أكثر من أن يُقتلع، ولا تستطيع أن تتخفف من تعريفها الإسلامي لأنه الأساس الذي قامت عليه الجمهورية.

صورة جوية للحضور المهيب لملايين الحجاج في مرقد الرضوي المقدس عند حلول العام الجديد @وكالة تسنيم
صورة جوية لحضور الإيرانيين مساء أمس الجمعة في مرقد الإمام الرضا عند حلول العام الجديد (تسنيم)

ويكتسب هذا التزامن هذا العام معنى أكثر كثافة لأنه يأتي تحت ضغط الحرب. ففي زمن الحرب، لا يعود النوروز وعدا صافيا بالتجدد، ولا يعود الفطر خاتمة مطمئنة لشهر الصوم.

إعلان

يتحول العيدان تحت النار من طقسين للاحتفال إلى طقسين للتماسك. وهنا تحديدا تنكشف إيران من الداخل: بلد يبدأ عامه بنوروز فارسي، لكنه يعدّ سنيه من الهجرة. وبلد يضع على مائدته في اليوم نفسه رمزين لهويتين، فيما الحرب تسحب من العيدين معناهما المألوف، وتترك البلاد مكشوفة أمام حقيقتها الأعمق.

في الختام، ليست المسألة أن عيدين تزامنا في يوم واحد، بل في ظهور إيران هذا اليوم كما هي فعلا: لا فارسية فقط، ولا إسلامية فقط، بلد يعيش منذ زمن طويل على هذا الجمع القلق بين الربيع والهجرة، بين الذاكرة القديمة والشرعية اللاحقة.

وربما لهذا تبدو هذه المصادفة نادرة في التقويم، لكنها شديدة الدلالة في السياسة والهوية: لأنها لا تكشف عيدين متجاورين فحسب، بل تكشف إيران نفسها.

 

المصدر: الجزيرة