مراكش – تقف عند بوابة مقهى دار الباشا في المدينة العتيقة، وتسجل اسمك في قائمة الوافدين، فتتسلم شريحة رقمية صغيرة، تماما كما يحدث في أرقى المطاعم العالمية.
بعدها، تجد نفسك تجوب، في انتظار دورك، أروقة المتحف المقام داخل القصر وأفنيته الهادئة، التي تتوسطها نافورة صغيرة وتحيط بها أشجار النخيل الباسقة، بينما تروي الزخارف الجصية، المحفورة بعناية، حكاية صرح عريق يمتد تاريخه لأكثر من قرن.
يقول سائح إسباني للجزيرة نت: “لم أشعر بالوقت وأنا أنتظر، الانتظار هنا جزء من متعة التجربة”. ويضيف: “يبدو أن أغلب هؤلاء الزوار لم يأتوا من أجل فنجان قهوة فقط، بل من أجل شيء أكبر”.

قصر يعود إلى عام 1910
شُيّد قصر دار الباشا عام 1910 بأمر من التهامي الكلاوي الذي عينه السلطان مولاي يوسف ليكون “باشا” على مراكش سنة 1912. وعلى مر السنين، استقبل القصر شخصيات عالمية بارزة، من بينها ونستون تشرشل وتشارلي شابلن. وفي عام 2017، فُتحت أبوابه رسميا باسم “متحف الروافد”، قبل أن تتضرر أجزاء منه جراء زلزال الحوز عام 2023، ثم تستعيد رونقها بفضل أعمال الترميم.
ووصف المهدي قطبي، رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، هذا الصرح، عقب إعادة افتتاحه، بأنه “جوهرة للمعمار والحِرف المغربية”، مشيدا بالعمل الذي أنجزته الفرق المكلفة ترميمه بعد الزلزال.
أما المقهى، المعروف باسم “باشا كوفي”، والذي يستقطب اليوم زوارا من مختلف الجنسيات، فلم يفتح أبوابه إلا سنة 2019. ووفق الشركة المالكة، تنتشر فروع العلامة في 11 دولة. وتشير تقارير صحفية إلى أن القصر اشتهر بتقديم القهوة لضيوف الباشا، بينما افتُتح المقهى الحالي داخل أحد فضاءاته.
ويروي طه بوقديب، رائد الأعمال المغربي الفرنسي ورئيس مجلس إدارة الشركة المالكة للعلامة، أنه حظي بشرف دعوته إلى إحياء العلامة من جديد، فقبل العرض من دون تردد، مضيفا أن الإلهام جاءه “لحظة أعاد اكتشاف مقهى دار الباشا الأصلي في مراكش”. ومنذ افتتاحه، تحولت طقوس تقديم القهوة هنا إلى جزء من التجربة لا يقل أهمية عن حبوب القهوة نفسها.

العالم في أدراج القهوة
خلال جولتك داخل القصر، تقودك خطواتك إلى متجر مخصص لبيع حبوب القهوة، تابع للعلامة ذاتها، حيث تصطف على جدرانه عشرات الأدراج الخشبية الصغيرة، وتعلوها علب مذهبة اللون، كُتبت عليها أسماء عشرات الدول المنتجة للقهوة، في مشهد يشبه خريطة عالمية مصغرة لعالم البنّ أكثر مما يشبه واجهة متجر عادي.
وتوضح المسؤولة عن استقبال الزبائن -للجزيرة نت- أن القهوة تُستورد من نحو 35 دولة حول العالم، وأن المتجر يصنفها رسميا ضمن أربع فئات: القهوة أحادية المصدر، والخلطات المصفاة، والقهوة ذات النكهات المضافة، والقهوة المنزوعة الكافيين طبيعيا.
وتضيف أن السعر يختلف باختلاف نوع القهوة وندرة مصدرها، فيما لا تقل كمية الشراء عن 200 غرام. وقد يدفع محبو القهوة ما يعادل 300 دولار مقابل هذه الكمية من صنف نادر مثل “غيشا”، قبل أن تُطحن الحبوب أمامهم وتُعبأ في كيس ورقي بني يحملونه معهم عند مغادرة المكان.
طقس الإبريق
تومض شريحتك، فيحين دورك لدخول فضاء المقهى نفسه، وهو فناء صغير تحيط به ثلاث غرف، ويُعرف محليا باسم “الدويرية”. وأمام طاولة صغيرة داخله، يمكنك الاختيار بين أصناف متعددة، يبدأ سعر الإبريق منها بنحو 5 دولارات، ويكفي لملء فنجانين أو أكثر.
تُقدَّم القهوة في أباريق مذهبة اللون وطويلة العنق، يحملها نُدُل يرتدون الطربوش الأحمر والبدلة البيضاء التقليدية. وتوضح المسؤولة ذاتها أن هذا التصميم مستوحى من الطراز العربي في مطلع القرن العشرين، وأن الفنجان يُقدَّم عادة مع كريمة طازجة وعصا من السكر الخام وحبة فانيليا، إلى جانب أصناف من الحلويات لمن يرغب في إطالة الجلسة.
ولا ينفصل احتساء القهوة هنا عن الفضاء الذي يحتضنه. فالأرضية الشطرنجية تمتد تحت الأقدام في كل رواق، والمزهريات موزعة بعناية في كل ركن، بينما تحمل السقوف والزخارف بصمة الصنعة المغربية الأصيلة.
ويربط بوقديب هذا الحرص بفلسفة العلامة نفسها، موضحا أن كل تفصيل في المكان مقصود ويعكس التزاما بالحرفية التقليدية، وأن هدفه هو تحويل فعل شرب القهوة إلى طقس متكامل لا مجرد عادة يومية.

حين يلتقي التاريخ بنكهة القهوة
يوضح المهدي قطبي، على هامش معرض فني استضافه القصر حديثا، أن الزوار يقصدون المكان لاكتشاف الهندسة المعمارية لدار الباشا والمعارض المقامة فيه، إضافة إلى المقهى الفريد من نوعه الذي يحتضنه، ويرى أن اجتماع هذه العناصر الثلاثة هو ما يمنح الفضاء قيمته الحقيقية.
ويقول السائح الإسباني، الذي كان يستعد لمغادرة المكان بعد تجربته الأولى، مبتسما، إنه “لم يتوقع أن يجد كل هذا الجمال المعماري خلف كوب قهوة بسيط”، وإن التجربة بأكملها بدت له “أقرب إلى زيارة متحف منها إلى استراحة قهوة عادية”، مضيفا أنه لمس في المكان مزيجا نادرا يجمع بين الفخامة والدفء الإنساني.
وفي زاوية أخرى من الفناء، تتراص أوانٍ فخارية وأباريق قديمة، كأنها بقايا حكاية لم تُروَ بعد، بينما تتناغم أصوات الندل الهادئة مع خرير الماء المتدفق من النافورة القريبة. فحتى الترقب هنا يكتسب طابعا احتفاليا، كما لو أن القصر نفسه يذكّر ضيوفه بأن الرقي، في زمن سابق، كان يُقاس بالوقت الذي يُمنح للتفاصيل الصغيرة.

لماذا كل هذا الانتظار؟
لا يبدو أن طول الانتظار الذي قد يصل إلى ساعتين، يثني الزوار عن العودة مجددا. زبونة مغربية كانت تنتظر دورها للمرة الثانية خلال الشهر نفسه، تقول -للجزيرة نت- إنها “قررت العودة رغم طول الطابور لأن التجربة تستحق العناء”، فهي لا تشبه في نظرها أي مقهى آخر زارته من قبل، سواء من حيث التصميم أو طقوس التقديم.
وفي مقابلة مع مجلة دولية متخصصة، يربط بوقديب هذا الإقبال بملاحظة لفتت انتباهه منذ اليوم الأول لافتتاح المقهى سنة 2019، حين رأى الزبائن يتوافدون من مختلف أنحاء العالم، ويعودون إليه أكثر من مرة حتى لو كانت إقامتهم في مراكش قصيرة. ويختصر فلسفته في جملة واحدة يكررها كثيرا: “نحن نشارك تجربة القهوة”، إذ يراها مسؤولية شخصية أكثر من كونها قرارا تجاريا محسوبا.
وبينما تستعد لمغادرة القصر، يبقى المشهد الأخير عالقا في الذهن: صف جديد يتشكل أمام البوابة ذاتها، وكأن التاريخ هنا لم يتوقف عن استقبال ضيوفه، وإنما تبدلت طقوس الاستقبال فقط؛ فبعدما كان “الباشا” يستقبل الملوك وكبار الشخصيات، بات القصر اليوم يستقبل زوارا من أنحاء العالم حول فنجان قهوة. ويبدو أن هذا المشهد سيظل مألوفا أمام المقهى.
المصدر: الجزيرة