درسوا ونجحوا لكن شهاداتهم معلقة.. كيف يهدد انقسام التعليم مستقبل طلاب اليمن؟

عدن – لم يكن الطالبان طلال عبد السلام أحمد وحسام محمد عبد الرب يتوقعان أن تتحول شهاداتهما المدرسية إلى عقبة أمام مغادرة اليمن إلى مصر ومواصلة تعليمهما هناك.

فالخطوة الاعتيادية لتوثيق سنوات دراستهما في مدرسة الإحسان بمديرية خدير، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين في محافظة تعز، توقفت عند وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في العاصمة المؤقتة عدن.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2قبل أن تختار مسارك.. ما الذي لا يزال غامضا في البكالوريا المصرية؟
  • list 2 of 2ليبيا.. نسبة النجاح في الثانوية تخفي فجوات بين المناطق والفئات

end of list

يحتاج طلال إلى تعميد شهادتي الصفين الأول والثاني الثانوي، بينما يحتاج حسام إلى تعميد شهادات الصفوف السابع والثامن والتاسع ضمن أوراق السفر.

لكن الأسرة فوجئت -كما يقول قريب الطالبين رضوان فارع للجزيرة نت- بتعذر اعتماد الشهادات الصادرة من المدرسة، لتتحول معاملة يُفترض أن تنتهي ببضعة أختام إلى مشكلة أوسع؛ سنوات دراسية مكتملة، ووجهة رسمية لا تملك بيانات تمكّنها من التحقق منها.

وتكشف قصة طلال وحسام وجها مباشرا لانقسام أوسع في قطاع التعليم، ففي عدن تعمل وزارة التربية التابعة للحكومة المعترف بها دوليا، بينما تدير سلطات الحوثيين من صنعاء وزارة أخرى تشرف على التعليم في مناطق سيطرتها، لتصبح البلاد أمام إدارتين للتعليم، لكل منهما مرجعياتها وسجلاتها وإجراءاتها.

رضوان فارع تعذر تعميد الشهادات عرقل استكمال إجراءات سفر الطالبين (الجزيرة)
رضوان فارع أحد أقارب الطالبين (الجزيرة)

بلد واحد ووزارتان.. وفراغ في السجلات

يقول مستشار وزارة التربية والتعليم في عدن عارف ناجي علي، للجزيرة نت، إن المشكلة لا تعني إلغاء الشهادات الصادرة من مناطق سيطرة الحوثيين بصورة مطلقة، موضحا أن الوزارة “لم توقف الشهادات ولم تلغها، وإنما علّقت تعميد بعض الشهادات مؤقتا” بسبب عدم توافر البيانات اللازمة للتحقق من صحة الوثيقة وهوية الطالب.

ويضيف أن تواصلا كان قائما في مراحل سابقة بين الجهات التعليمية في عدن وصنعاء لتبادل المعلومات والتحقق من بعض الشهادات، لكنّ انقطاع هذا التواصل جعل اعتماد وثائق بلا مرجعية موثوقة “أمرا لا يتفق مع المسؤولية القانونية والمهنية للوزارة”.

إعلان

بهذا يجد الطالب نفسه أمام مفارقة قاسية، فقد يكون قد درس بالفعل وأتم عامه الدراسي وحصل على شهادته، لكنّ الجهة التي يحتاج إلى تصديقها لاحقا لا تستطيع الوصول إلى سجله لإثبات ذلك.

ولا تنفصل هذه الفجوة عن سنوات الحرب؛ إذ تقول منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) إن الصراع عطّل بشدة نظام معلومات إدارة التعليم في اليمن، وإن البلاد لم تنتج بيانات تعليمية شاملة على مستوى الجمهورية منذ العام الدراسي 2015-2016، قبل أن يُنجز في 2025 أول إحصاء وطني للمدارس منذ أكثر من عقد.

لكنّ استعادة صورة عامة عن المدارس لا تعني بالضرورة سد فجوات السجلات الفردية التي تظهر اليوم في ملفات طلاب مثل طلال وحسام.

عارف ناجي علي انقسام التعليم انعكس على المناهج والاختبارات والسجلات وبيانات الطلاب (الجزيرة)
مستشار وزارة التربية والتعليم اليمنية عارف ناجي (الجزيرة)

جيل درس في منظومات مختلفة

بالنسبة إلى عارف ناجي، فإن أزمة الشهادات ليست سوى إحدى مظاهر مشكلة أعمق، فالانقسام في قطاع التعليم “لم يعد مجرد انقسام إداري بين مؤسستين”، بل انعكس مباشرة على العملية التعليمية والطلاب.

فخلال سنوات الحرب، ظهرت اختلافات في بعض المناهج والمرجعيات التعليمية وآليات الاختبارات، إلى جانب تباين إدارة السجلات والبيانات، وهو ما يعقّد انتقال الطالب بين مناطق سيطرة الطرفين، خصوصا عندما تختلف المواد التي درسها أو أنظمة التقويم التي خضع لها.

وتشير دراسة للباحثة المتخصصة في الشأن اليمني ستايسي فيلبريك ياداف إلى أن أبرز التحولات الأيديولوجية في المناهج بمناطق الحوثيين ظهرت في عام 2021، ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل البيئة التعليمية، محذرة من أن ترسخ أنظمة تعليمية متباينة قد يعمّق الانقسام على مستوى الأجيال، ويصعّب إعادة بناء نظام تعليمي وطني مشترك.

الانقسام التعليمي ينعكس على انتقال الطلاب والسجلات والشهادات بين مناطق السيطرة (الجزيرة)
الانقسام التعليمي في اليمن ألقى بتداعياته على العملية التعليمية والطلاب والمعلمين معا (الجزيرة)

ويرى الخبير التربوي ونقيب المعلمين اليمنيين في عدن صالح قاسم أن آثار هذا الواقع باتت تمتد إلى أجيال متعاقبة، مشيرا إلى أن نحو 12 دفعة طلابية مرت عبر المدارس منذ بداية الانقسام عام 2014.

ويقول قاسم للجزيرة نت إن مئات الآلاف من الطلاب نشؤوا خلال سنوات الحرب في بيئات تعليمية مختلفة، معتبرا أن الضرر لا يقتصر على التحصيل الدراسي، بل يمتد إلى “المفاهيم والثقافة والهوية التي تتشكل لدى الطالب خلال سنوات الدراسة”.

وهكذا لم يعد الاختلاف متعلقا فقط بالجهة التي تدير المدرسة، بل امتد -كما يصفه قاسم- إلى “الكتاب الذي يدرسه الطالب، والاختبار الذي يؤديه، والسجل الذي يحفظ نتيجته، والمرجعية التي تثبت لاحقا مساره الدراسي”.

الانقسام التعليمي في اليمن ألقى بتداعياته على العملية التعليمية والطلاب والمعلمين معا (الجزيرة)
تزداد أزمة الشهادة تعقيدا عندما يريد الطالب مواصلة تعليمه خارج اليمن (الجزيرة)

عندما تحتاج الشهادة إلى عبور الحدود

تزداد الأزمة تعقيدا عندما يريد الطالب مواصلة تعليمه خارج اليمن؛ إذ لا يعود الاعتراف بالوثيقة شأنا بين سلطتين تعليميتين داخل البلاد، بل يرتبط أيضا بقدرة المؤسسات في الخارج على التحقق من صحتها.

ففي ألمانيا مثلا، توضح منصة “يوني أسيست” -التي تقيّم ملفات المتقدمين إلى عدد من الجامعات- أن الشهادات الثانوية الصادرة منذ 2015 عن مؤسسات تعليمية يمنية لا تخضع للحكومة في عدن تُعامل باعتبارها صادرة عن مؤسسات “معترف بها بشروط”، وتشترط تصديقها من وزارة التربية في عدن، مع إتاحة التصديق عبر السفارة اليمنية في برلين كبديل.

إعلان

هذا المثال لا يعني أن الإجراءات ذاتها تنطبق على مصر أو بقية الدول، لكنه يوضح كيف يمكن لمشكلة تبدأ في السجلات التعليمية داخل اليمن أن تمتد آثارها إلى فرص الطالب في مواصلة تعليمه خارجه.

في حالة طلال وحسام، تبدو الصورة أكثر مباشرة؛ شهادات دراسية جاهزة وخطة تعليمية في مصر، لكنّ تعذر استكمال التصديقات الرسمية وضع مساريهما أمام عقبة لا تتعلق بالمستوى الدراسي، بل بالجهة التي أصدرت شهاداتهما وبقدرة وزارة التربية في عدن على التحقق منها.

اختلاف المناهج بين مناطق السيطرة أحد أبرز مظاهر الانقسام التعليمي في اليمن (الجزيرة)
اختلاف المناهج بين مناطق السيطرة إحدى أبرز مظاهر الانقسام التعليمي في اليمن (الجزيرة)

بين حق الطالب ومصداقية الشهادة

يقول عارف ناجي إن وزارة التربية التابعة للحكومة المعترف بها دوليا تجد نفسها أمام مسؤوليتين متوازيتين؛ حماية حق الطالب في ألا يضيع مستقبله، وفي الوقت نفسه الحفاظ على مصداقية الشهادة اليمنية والتأكد من صدورها وفق إجراءات سليمة تمنع تمرير وثائق مزورة أو غير صحيحة.

ويرى أن تعليق تعميد بعض الشهادات ينبغي ألا يتحول إلى “عقوبة” للطلاب الذين درسوا بالفعل، داعيا إلى إيجاد آلية قانونية وفنية تسمح بالتحقق من الوثائق التي لا تتوافر بياناتها لدى الوزارة، على أساس أن “الطالب ليس طرفا في الصراع، وأن التعليم يجب أن يبقى محايدا ومحميا من التجاذبات السياسية”.

ويقترح إنشاء آلية وطنية موحدة للتحقق من الشهادات والبيانات التعليمية، إلى جانب قنوات رسمية وفنية مستمرة لتبادل المعلومات بين الجهات المعنية، بما يتيح الرجوع إلى سجل موثوق لمسار الطالب ونتائجه، بصرف النظر عن المنطقة التي تلقّى فيها تعليمه.

ويلخص عارف ناجي المعضلة بقوله: إن “قضية الشهادة في النهاية قضية بيانات وسجلات ومرجعيات قانونية قبل أن تكون قضية سياسية”.

أما بالنسبة إلى طلال وحسام، فالمسألة أبسط من ذلك كله؛ سنوات أمضياها في مدرسة الإحسان بخدير، وشهادات تثبت ما درساه، وطريق إلى تعليم جديد ينتظرهما خارج اليمن.

لكن بين وزارتين تديران التعليم من صنعاء وعدن، اكتشف الطالبان أن خطوط الانقسام التي قسّمت المؤسسات والجغرافيا وصلت أيضا إلى الأوراق التي يُفترض أن تثبت سنوات دراستهما، وأن مستقبل جيل كامل بات معلقا على قدرة هذه الأوراق على عبور خطوط السيطرة.

 

المصدر: الجزيرة