تونس – إذا سألت التونسيين ماذا يعنيه رمضان بالنسبة لهم، سيجيبون دون تردد: “لمة العائلة”، حيث ينتظرون هذا الشهر الفضيل لتعويض ما فاتهم خلال باقي أيام السنة.
يأتي رمضان ليخفف متاعبهم وانغماسهم اليومي في مشاغل الحياة التي لا تنتهي، فيجتمع الأبناء بالآباء والأمهات على طاولة واحدة أمام التلفاز يتشاركون ما لذ وطاب من الأكلات التونسية الشهية ويتبادلون أطراف الحديث.
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
وبعد الإفطار، يغادر البعض لأداء صلاة التراويح، فيما يبقى آخرون في المنزل للتنظيف ثم الاستراحة بشرب فنجان قهوة سوداء ساخنة والتحلية بأجود أنواع الحلويات التونسية التقليدية.
حركية الأسواق
منذ الصباح، تفتح المحلات الكبرى والأسواق الشعبية أبوابها أمام الزبائن وتعرض منتجاتها المتنوعة الطازجة التي تعد بها المرأة التونسية ألذ أطباقها، من الخضر والغلال إلى اللحوم الحمراء والبيضاء والأسماك، وصولا إلى الألبان والخبز والتمور والحلويات، والقائمة لا حصر لها.
في السوق المركزي بتونس العاصمة، تختلط أصوات الباعة الذين يحثون الناس على الشراء متباهين بأسعارهم “المناسبة”، بنقاشات المتسوقين من نساء ورجال كبار وصغار، وتبتاع الزوجات ما يناسب قائمة الطعام لهذا المساء.

قبل موعد الإفطار بثلاث أو أربع ساعات، تدخل النساء إلى مطابخهن التي تبدو كخلية نحل لإعداد الطعام، فتنبعث الروائح اللذيذة وترتفع أصوات المهاريس، بينما يأخذ الرجال قسطا من الراحة. وقبل موعد الإفطار بقليل يقصدون المخابز للظفر بهذه المادة ساخنة من أفرانها.
ارتبط رمضان بمأكولات شعبية لا يحلو هذا الشهر الكريم إلا بها والتي تزين كل طاولة تونسية، وعلى رأسها طبق شوربة الشعير الذي يفتتح به الصائمون إفطارهم.
أما ملك المائدة “البريك”، فهو يعد من المقبلات سهلة التحضير إذ يعتمد على عجينة “الملسوقة” الشفافة ذات الشكل الدائري، يتم حشوها بالبطاطا المسلوقة أو المقلية والبقدونس والتونة والبيض، وتختلف طريقة حشوه من بيت إلى آخر.
طبق الكسكي حاضر في باقي أيام السنة كوجبة رئيسية مشبعة، لكن مذاقه يحلو أكثر في رمضان وتتفنن الزوجات والأمهات في إعداده، كما أن مكوناته تختلف من منطقة إلى أخرى، فيطهى بلحم العلوش (الخروف) في محافظة سيدي بوزيد وسط غربي البلاد، وبالسمك في صفاقس وسط شرقيها، وبالعصبان (فوارغ محشية) في مدن الساحل.
تغيّرات
ولأن المطبخ التونسي يتميز بمذاقه الحار، فلا يمكن للإفطار أن يكتمل دون طبق السلطة المشوية الشهير، الذي يتكون من فلفل وبصل وطماطم، يتم شويها وطحنها ووضع البهارات عليها، ولاكتمال اللوحة الفنية ترش بقليل من زيت الزيتون وتضاف إليها التونة وبعض حبات الزيتون وبيض مسلوق للزينة.
وبعد يوم شاق بين العمل والتسوق والمطبخ، لا بد من ختام السهرة المنزلية بفنجان قهوة مع ألذ وأشهر الحلويات التقليدية، وعلى رأسها المقروض الذي يغزو الأسواق في هذا الشهر الفضيل. وتضم مكوناته الأساسية الدقيق والسكر الناعم، والزيت وعجين التمر والسمن والماء والقرفة، وقليلا من الملح.
مع التطور اللافت والمتسارع الذي تشهده المجتمعات، يلاحظ الشاب بلال شابي (33 عاما) تغيرا في عادات رمضان بين الماضي والحاضر بتونس.

من ناحية الأكل، يقول للجزيرة نت إن العائلات التونسية كانت تستعد للشهر الفضيل قبل مدة فتعد كل ما تحتاجه الأم من طحن التوابل وتجفيف الفلفل مع اعتماد أساسي على المنتج المحلي. أما اليوم في زمن التكنولوجيا، حافظت الأسر – وفقا له – على بعض الأطباق التقليدية فيما غزت الأكلات السريعة موائد الإفطار خاصة مع انتشار ظاهرة عمل الوالدين.
ورغم أن بعض العادات بدأت تندثر تدريجيا، غير أن بلالا يؤكد أن رمضان يظل شهر الصيام والقيام محافظا على جوهره الروحي مهما تغيرت المظاهر، وأن الكثير من التونسيين يصرون على تطبيق قيم ومبادئ أساسية ويتجلى ذلك في الإقبال الكثيف على صلاة التراويح.
رمضان في تونس ليس طعاما فحسب، وإنما عادات حميدة تصارع الزمن من أجل البقاء، وعلى رأسها “قفة رمضان” التي تقام سرا وعلانية، حيث يعمد تونسيون إلى ملء قفة (سلة) بكل المنتجات الأساسية ويوزعونها على المحتاجين.
كما ينظم آخرون وجمعيات مدنية موائد إفطار للمستحقين ويوزعون بدورهم مساعدات غذائية ومالية على العائلات المعوزة.
سهرات رمضانية
تبادل الزيارات ودعوات الإفطار عادة أخرى يحرص التونسيون على الحفاظ عليها رغم تغير الأحوال وتباعد المسافات.
وبين رمضان أمس واليوم في تونس، تغيرت تفاصيل كثيرة، يكشفها المواطن كمال الشطي (74 عاما) للجزيرة نت، ويقول إن أبرز الفوارق تتمثل في غياب كلي لـ”بوطبيلة” (المسحراتي) الذي كان يطوف على الأحياء في الهزيع الأخير من الليل يوقظ النائمين ويدعوهم لتناول السحور فيجودون عليه بما يتوفر لهم من أطعمة.
ولئن حافظ التونسيون على عادة التزاور والتآلف في رمضان، فإن طريقة الجلوس إلى مائدة الإفطار تغيرت، فاستعاضوا عن الجلوس قرفصاء إلى قصعة يحيط بها كافة أفراد الأسرة إلى التجمع حول مائدة فاخرة وضع عليها صحن لكل شخص.

اندثرت – حسب الشطي – السهرات الرمضانية حيث كان الأطفال الصغار يجتمعون في بيت الجدة ويستمعون إلى حكاياتها الطريفة والممتعة.
لكن هذه السهرات تحفل بها اليوم كبرى المدن العتيقة في مختلف مناطق البلاد، بدءا بالعاصمة تونس التي يتهافت الصائمون بعد انتهاء صلاة التراويح على مقاهي المدينة العتيقة عائلات وأصدقاء يتسامرون ويضحكون حتى وقت السحور.
كما تتزين أشهر المؤسسات الثقافية – وعلى رأسها المسرح البلدي بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة – بليالي رمضان، فيفتح أبوابه أمام أحباء المسرح والموسيقى للاستمتاع بالإنتاجات ذات الصلة بهذا الشهر الكريم.
وفي المساجد، تتراص الصفوف أثناء صلاة التراويح التي تبث مباشرة عبر مكبرات الصوت فيبلغ صداها الشوارع والأزقة. ويفضل العديد من المصلين البقاء لاستكمال صلاة التهجد، فيما يعود آخرون أدراجهم لأخذ قسط من الراحة استعدادا ليوم جديد من العمل.
المصدر: الجزيرة