“سأكون مختلفا عن والديّ”.. لماذا نكرر سلوكات عاهدنا أنفسنا على تجنبها؟

في مرحلة ما من الحياة، نضع أنفسنا في موقع المراقب -وأحيانا الناقد- لسلوك آبائنا مع تقدمهم في العمر، فنرصد التحولات التي تطرأ على تصرفاتهم؛ من العناد في الرأي، إلى صعوبة التكيف، وصولا إلى التمسك بعادات تبدو غير منطقية. وبين الملاحظة والحكم، نعد أنفسنا بأننا سنكون مختلفين وأكثر مرونة.

لكن ما تكشفه التجربة، وما تشير إليه دراسات علم النفس والسلوك، أن هذا الوعد لا يصمد دائما أمام التحولات التدريجية التي تصنعها السنوات، حتى يجد كثيرون أنفسهم يعيدون إنتاج سلوك كانوا ينتقدونه.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2خلف أقنعة “القوة الزائفة”.. 8 أسباب تجعل الرجال يهربون من العلاج النفسي
  • list 2 of 2أنت تتحكم في شيخوختك أكثر مما تتخيل.. 9 عادات تثبت ذلك

end of list

الذاكرة الانتقائية

يشير تقرير تحليلي نشرته صحيفة واشنطن بوست (Washington Post) إلى أن كثيرا من “أخطاء الشيخوخة” لا تبدأ عند الكبر، بل في مرحلة مبكرة من الحياة، عندما تتشكل صورة ذهنية مثالية عن المستقبل، قائمة على رفض تكرار تجربة الآباء.

لكن هذه الصورة لا تصمد طويلا أمام الواقع، إذ تتداخل مع ضغوط الحياة اليومية، ومع التغير التدريجي في الأولويات، تبدأ أنماط سلوكية مشابهة في الظهور.

Mature mother and adult daughter after quarrel in home interior فري بيك
العادات اليومية قوة خفية تتحكم بجزء كبير من سلوك الإنسان دون وعي مباشر (فري بيك)

إنكار العمر بين الحماية والإنهاك

أحد أوائل الملامح التي تبرز مع التقدم في العمر هو طريقة إدراك الإنسان لعمره. وتشير دراسة للباحثة بيكا ليفي من جامعة ييل (Yale University) الأمريكية، إلى أن كثيرا من كبار السن لا يعرّفون أنفسهم بأنهم مسنون، بل يشعرون بأنهم أصغر من أعمارهم الفعلية حتى في مراحل متقدمة من الحياة.

وهذا الإدراك لا يُعد سلبيا بالكامل، إذ يساعد على الحفاظ على الهوية النفسية، لكنه قد يتحول إلى عائق عندما يدفع إلى تجاهل التغيرات الجسدية أو تأجيل التكيف معها، ما يخلق فجوة بين الواقع والتصور الذاتي.

من الأفكار إلى السلوك الفعلي

الأفكار عن التقدم في العمر لا تبقى في مستوى التصور الذهني، بل تنتقل إلى إطار ما يُعرف بنظرية “تجسيد الصور النمطية” التي طورتها بيكا ليفي، وأُعيد دعمها في أبحاث متعددة في علم النفس الصحي، توضح أن المعتقدات السلبية عن الشيخوخة يمكن أن تتحول تدريجيا إلى سلوك فعلي.

إعلان

بمعنى آخر، من يرى الشيخوخة بوصفها ضعفا وتراجعا، قد يبدأ دون وعي في تبني سلوكيات تتماشى مع هذا التصور. ومع مرور الوقت، لا تكون النتائج مجرد نفسية، بل تمتد إلى مؤشرات صحية ومعرفية قابلة للقياس.

والأكثر دقة أن هذا التحول لا يحدث بقرار واع، بل عبر تراكمات بطيئة، تجعل الإنسان يتصرف وفق الصورة التي يحملها عن نفسه، لا وفق قدراته الفعلية.

Dad teaching his boy how to shave freepik
الصور النمطية عن التقدم في العمر عامل مؤثر في الصحة والسلوك مع مرور الوقت (فري بيك)

عامل نفسي وليس بيولوجيا فقط

تذهب دراسات لاحقة لبيكا ليفي إلى أبعد من ذلك، وتؤكد بأن التعرض المستمر للصور السلبية عن الشيخوخة قد يرتبط بتغيرات في مؤشرات مرتبطة بالصحة الإدراكية، بما في ذلك مؤشرات ذات صلة بالتدهور المعرفي في المراحل المتقدمة من العمر.

هذا الطرح يعيد تعريف الشيخوخة ليس بوصفها مسارا بيولوجيا فقط، بل خبرة نفسية وثقافية تتشكل عبر الزمن. فالطريقة التي يفكر بها الإنسان في عمره، أو تلك التي يصف المجتمع هذا العمر، تصبحان جزءا من المعادلة الصحية نفسها.

العادات أقوى من النوايا

غير أن الصورة لا تكتمل على مستوى الأفكار وحدها. فبحسب أبحاث في علم السلوك من جامعة ديوك، فإن ما يقارب 40% من السلوك اليومي تحكمه العادات، وليس القرارات الواعية.

وهذه العادات تتشكل عبر سنوات طويلة، وتصبح جزءا من الهوية اليومية، مما يجعل تغييرها في مراحل لاحقة من العمر أكثر صعوبة مما نتوقع في الشباب. وهنا تبدأ الفجوة بين الوعي والسلوك، فنحن نعرف ما نريد تغييره، لكننا نتحرك داخل أنماط راسخة يصعب تفكيكها.

Senior woman putting a white blanket on her daughter sleeping on the sofa freepik
الإدراك الذاتي للعمر عنصر يساهم في تشكيل التجربة الفردية للشيخوخة (فري بيك)

الشيخوخة ظاهرة اجتماعية لا فردية

لا يمكن فصل السلوك في الشيخوخة عن السياق الاجتماعي. فبحسب تقارير المعاهد الوطنية للصحة (NIH) في الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعدّ واحدة من أهم المراكز البحثية الطبية في العالم، يرتبط التمييز العمري بارتفاع معدلات الاكتئاب وتراجع المشاركة الاجتماعية والشعور بالعزلة.

وهذا التفاعل بين الفرد والمجتمع يؤدي إلى ما يشبه “الدائرة المغلقة” -نظرة سلبية من الخارج تتحول إلى انسحاب داخلي ثم إلى سلوك يعزز تلك النظرة-.

لماذا لا نغيّر ما نعرفه؟

السؤال الجوهري هنا ليس لماذا نخطئ، بل لماذا نكرر ما نعرف أنه خطأ. والإجابة التي تقدمها الأدبيات السلوكية أن المعرفة وحدها لا تغيّر السلوك، فالتغيير يتطلب كسر العادات، وإعادة بناء الهوية السلوكية، ومواجهة مقاومة نفسية طبيعية تجاه المجهول.

وبحسب امتدادات بحثية في أعمال بيكا ليفي، فإن الصور الذهنية التي تتشكل مبكرا قد تستمر في التأثير لعقود، حتى دون وعي مباشر بها.

Stupid. Outraged dark-haired young father holding and pointing at his daughters incorrect equation and shouting at her
الدراسات السلوكية دليل على أن المعرفة وحدها لا تكفي لتغيير السلوك (شترستوك)

هل التكرار حتمي؟

رغم هذا التعقيد لا تشير الأبحاث إلى أن التكرار حتمي. ففي مشروع دراسة الصحة والتقاعد (Health and Retirement Study) الذي يصدر دوريا في الولايات المتحدة، تبين أن الأشخاص الذين يحملون تصورات إيجابية عن الشيخوخة كانوا أكثر قدرة على الحفاظ على وظائفهم المعرفية والصحية مع التقدم في العمر.

هذا يعني أن الإدراك ليس مجرد انعكاس للواقع، بل هو عامل يساهم في تشكيله. فالصورة الذهنية عن الشيخوخة لا تصف المستقبل فقط، بل قد تؤثر في كيفية حدوثه.

إعلان

وما تكشفه هذه الدراسات أن ما نسميه “أخطاء الشيخوخة”، ليس نتيجة لحظة عمرية مفاجئة، بل هو حصيلة طويلة من العادات والتصورات والضغوط الاجتماعية. نحن لا نكرر ما نجهله، بل ما ترسخ فينا عبر الزمن، حتى لو اعتقدنا أننا نراه بوضوح منذ البداية.

وفي هذا المعنى، لا تكون الشيخوخة مجرد مرحلة لاحقة من الحياة، بل امتدادا لما بدأ قبلها بكثير.

 

المصدر: الجزيرة