في الوقت الحالي، أصبحت البيانات والخوارزميات تشكل جزءا متزايد الأهمية من الطريقة التي تُدار بها المدن، من خدمات التوصيل والملاحة إلى التأمين والإسكان والائتمان.
وداخل هذه الجغرافيا غير المرئية، قد تعيد الخوارزميات إنتاج أنماط من العزل الاجتماعي والاقتصادي، وتكرس بعض أوجه عدم المساواة التقليدية بأدوات رقمية أقل وضوحا.
وينتج عن ذلك ما يُوصف مجازيا بالمدن التائهة، وهي أحياء موجودة على الأرض، لكنها شبه غائبة عن الخوارزميات التي باتت تحدد فرص سكانها في الحياة اليومية.
الخطوط الحمراء ضمن الخوارزميات الرقمية
خلال حقبة “الصفقة الجديدة”، ظهرت ممارسة معروفة تاريخيا باسم “الخط الأحمر” تعود جذورها إلى ممارسة التمييز العنصري التي أرست قواعدها “مؤسسة قروض أصحاب المنازل” التي رسمت خرائط لمدن أمريكية كبرى ولونت الأحياء بالأخضر والأزرق والأصفر والأحمر حسب درجة المخاطر المتصورة.
وكانت التركيبة العرقية والإثنية ومستويات الدخل وجودة المساكن وغيرها من العوامل حاضرة في تقييم المناطق، التي صُنِّفت بدرجات من الأفضل إلى الأسوأ، وانتهت المناطق الأدنى تصنيفا إلى اللون الأحمر، مما حرمها من القروض العقارية والتأمين والاستثمارات، وأدى ذلك إلى تجمد التنمية فيها لعقود.
وما زالت آثار تلك الخرائط ظاهرة في الفجوات الاقتصادية والعرقية حتى اليوم، كما وثق مشروع “رسم خرائط عدم المساواة” في جامعة ريتشموند ودراسات منظمة “التحالف الوطني لإعادة الاستثمار المجتمعي” .

ولم تختف هذه الممارسة داخل المدن الحديثة، إنما تغيرت، حيث يصف مصطلح “التمييز الجغرافي الخوارزمي” السياسات والممارسات التقنية والاستثمارية التي تكرس حدود الطبقة والعرق بأدوات حديثة بوصفها امتدادا لممارسة الخط الأحمر التاريخية في التمييز الإسكاني.
وبدلا من الخط الأحمر الصريح، تعتمد الخوارزميات على بيانات تاريخية ومتغيرات ترتبط ارتباطا وثيقا بالعرق والطبقة بسبب عقود من التمييز السابق، بحيث تعيد الخوارزمية إنتاج العزلة الاجتماعية والاقتصادية بطريقة حديثة دون أن تذكر العرق صراحة.
ويوضح “معهد غرينلاينينغ” أن الخوارزميات تقنن الماضي، مع أنها تبدو محايدة لأنها تتعامل مع أرقام، لكن البيانات التي تدربت عليها تحمل بصمات التمييز التاريخية، فتصبح القرارات الآلية امتدادا لها.
لكن الفارق أن بعض أشكال التمييز الجغرافي لم تعد تظهر بالضرورة عبر خريطة ملونة، إنما قد تختبئ داخل متغيرات ونماذج حسابية يصعب على المستخدم العادي معرفة كيفية عملها أو الطعن في نتائجها.
ونتيجة لذلك، أصبحت خوارزميات توصيل الطلبات وخرائط التوجيه وتقييم الائتمان تصنف أحياء بأكملها على أنها عالية المخاطر أو منخفضة الربحية، وتقرر من يحصل على خدمة توصيل سريعة ورخيصة، ومن يظهر شارعه على الخريطة الرقمية كمكان حيوي، ومن يُمنح قرضا عقاريا ومن يُرفض.
صحاري الطعام الرقمية
تعمل منصات توصيل الطعام والخدمات اللوجيستية على أساس نماذج تنبؤية، حيث تبني خرائط حرارية للربحية المتوقعة معتمدة على بيانات الطلبات وأوقات التسليم وتوزيع السائقين وغيرها من المؤشرات التشغيلية لتحديد كيفية توزيع الخدمة، وهو ما قد ينتج فروقا مكانية في سرعة التوصيل وتوافره وتكلفته.
وبمرور الوقت، تتعلم الخوارزمية أن حيا معينا، غالبا ما يكون شعبيا أو من الطبقة العاملة، ينتج طلبات أقل قيمة، مع شكاوى أكثر قد تكون متعلقة بجودة التوصيل أصلا، ومعدلات إلغاء أعلى نتيجة لتأخر السائقين في القدوم.
وتستنتج الخوارزمية أن هذا الحي عالي التكلفة ومنخفض الربحية، مما ينتج عنه حرمان غير صريح من خلال رسوم التوصيل الديناميكية التي ترتفع بشكل مانع، ونطاقات توصيل تُستثنى من العروض والخصومات، أو توجه السائقين بعيدا عن الحي عبر حوافز مالية لنقل طلبات في أحياء أخرى.

وقد يؤدي ضعف الخدمة إلى تقليل جاذبية المنصة للمطاعم والسكان، مما يزيد الفجوة بين الأحياء، فتزداد العزلة الغذائية والاقتصادية، وتتحول الخوارزمية إلى أداة فرز طبقي وجغرافي، وتتشكل صحارى الطعام الرقمية، حيث يخسر السكان خدمة أساسية ويدفعون لخيارات أكثر تكلفة.
وفي عام 2016، كشف تحقيق نشرته وكالة “بلومبيرغ” أن خدمة التوصيل في اليوم نفسه من “أمازون” لم تكن متاحة في حي روكسبري ذي الأغلبية السوداء في بوسطن، بينما كانت متاحة في الأحياء المحيطة به.
وبحسب دعوى رفعتها المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا، فإن “أمازون” استثنت رمزين بريديين لأحياء ذات أغلبية سوداء شرق نهر أناكوستيا من خدمة التوصيل الأسرع، لكنها واصلت تحصيل الرسوم الكاملة من نحو 50 ألف مشترك يقيمون في تلك المناطق.
وأوضحت الدعوى أن الشركة ضللت المشتركين بشأن سبب تأخر الطلبات، وأن الأحياء المستثناة هي ذاتها التي كانت خدمة “أمازون رستورانتس” الملغاة قد استبعدتها قبل سنوات، مما يشير إلى أنه نمط متكرر وليس خللا عابرا.
في حين خلصت دراسة، حللت نحو 100 مليون رحلة في شيكاغو، إلى أن الأحياء ذات النسب الأعلى من السكان غير البيض ومستويات الفقر الأعلى ارتبطت بأسعار رحلات أعلى في خوارزميات التسعير الديناميكي ضمن تطبيقي “أوبر” و “ليفت”.
المدينة كما تراها الخوارزمية
تشكل خرائط الملاحة الرقمية تصورنا للمدينة وتؤثر في قراراتنا اليومية، وتفضل الخوارزمية توجيه المركبات عبر أحياء سكنية بعينها لتقليل أوقات الانتظار، مما يعني ابتعاد الحركة التجارية والسياحية والاستهلاكية عن الأحياء غير المفضلة.
وفي هذه الأحياء غير المفضلة للخوارزمية، تفقد المشروعات التجارية والمطاعم الزبائن العابرين المعتمدين على الخرائط، مما يؤدي إلى انكماش النشاط الاقتصادي وتدهور الحركة التجارية في هذه الأحياء.
وأظهرت دراسة حول التحيز في نظم المعلومات الجغرافية أن توقعات أوقات الرحلات في “غوغل مابس” قد تحتوي على تحيزات منهجية.

ونتيجة لذلك، تقل جاذبية الأحياء التي تظهر أقل حيوية، أو التي تُقدر أوقات الوصول إليها أطول، أو التي تفضل الخوارزميات تجنبها في المسارات المقترحة.
كما تستطيع تطبيقات الملاحة تحويل شوارع سكنية هادئة وأحياء بعينها إلى طرق مزدحمة بين ليلة وضحاها، يدفع سكانها الثمن من خلال الضوضاء والتلوث والتدهور في جودة الحياة.
وبسبب تطبيقات الملاحة، اشتكى سكان حي دورتشستر بمدينة بوسطن من المركبات المسرعة خلال ساعات الذروة.
وأوضحت منظمة “ألغوريتم ووتش” الأوروبية أن النمط ذاته يتكرر في بلدات صغيرة بفرنسا، حيث أُعيد توجيه حركة المرور من الطرق الرئيسية إلى طرق فرعية غير مؤهلة هندسيا لاستيعابها.
إعادة إنتاج التمييز العنصري في الإسكان رقميا
تستخدم مؤسسات التمويل نماذج الذكاء الاصطناعي لحساب الدرجة الائتمانية للراغبين في الحصول على قروض عقارية أو تمويلات لتطوير الأعمال، حيث تعتمد هذه النماذج على متغيرات، مثل الرمز البريدي.
ويدفع سكان الأحياء المصنفة على أنها عالية المخاطر فوائد أعلى، أو يُرفضون في طلبات القروض، أو يواجهون أقساط تأمين مرتفعة، الأمر الذي يقلل من قدرة السكان على تحسين المساكن أو الانتقال إلى أحياء أفضل، ويعزز الفصل المكاني، مما يسرع التدهور العمراني للأبنية السكنية.
ووجد تحقيق استقصائي أجرته منصة “ذا مارك آب” أن المتقدمين من الأقليات لقروض عقارية كانوا أكثر عرضة للرفض مقارنة بالمتقدمين البيض في كثير من الحالات رغم تشابه الميزات المالية، مع تفاوت كبير بين المقرضين والمناطق.
وفي مدينة شارلوت بولاية نورث كارولينا، حصل زوجان من ذوي البشرة السمراء على موافقة مبدئية على قرض عقاري بفضل درجاتهما الائتمانية المرتفعة ودخلهما المستقر، قبل أن يُرفض طلبهما من نظام الفرز الآلي للبنك قبل أيام قليلة من موعد التوقيع النهائي.

وجاء الرفض تحت ذريعة طبيعة عقد عمل الزوجة، رغم أن زملاء لها بعقود عمل مماثلة من ذوي البشرة البيضاء حصلوا على قروض دون أي عائق، مما دفع الزوجة إلى التساؤل علنا عما إذا كان العرق قد لعب دورا في قرار الخوارزمية.
واستشهدت وزارة العدل ومكتب حماية المستهلك المالي بهذا التقرير عند إطلاق مبادرة “مكافحة التبييض”، كما استند أعضاء في الكونغرس إلى هذا التقرير فيما يتعلق بمشروع قانون المساءلة الخوارزمية.
ويوثق تقرير صادر عن “معهد غرينلاينينغ” أن شركات التأمين تستخدم خوارزميات قد ينتج عنها آثار تمييزية غير مباشرة، مع الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من الأسر المنحدرة من أصول لاتينية وأفريقية تعيش بلا تأمين على منازلها، مقارنة بنسبة أقل بكثير بين الأسر البيضاء.
وأعلنت وزارة العدل الأمريكية في عام 2023 اتفاقا بقيمة 9 ملايين دولار مع بنك “أميريس” على خلفية تفادي منح قروض في أحياء ذات أغلبية سوداء ولاتينية بمدينة جاكسونفيل.
فيما وافق بنك “أوشين فيرست” على تسوية بقيمة 15.1 مليون دولار لدعوى وزارة العدل بشأن ممارسات مماثلة استمرت لسنوات في نيوجيرسي، ولم يعترف أو ينف المخالفات ضمن التسوية.
نحو خوارزميات أكثر عدالة
عندما تتضافر هذه الآليات، قد تتشكل حلقة مفرغة، حيث يؤدي انخفاض الخدمات، مثل التوصيل، والائتمان، والتأمين، والاستثمار، إلى انخفاض قيمة العقارات، مما يدفع السكان القادرين إلى الهجرة.
ويؤدي ذلك إلى ازدياد تركيز الفقر، وتتحول الأحياء إلى جيوب منفصلة داخل المدينة الواحدة، ويشعر السكان بأنهم منبوذون، مما يضعف الشعور بالانتماء والعدالة المكانية بسبب التمييز الطبقي والجغرافي في آن واحد.
وفي هذه الحالة، تُعاقب الطبقات الأفقر، التي غالبا ما تتركز في أحياء معينة بسبب التاريخ والسياسات السابقة، مرتين بسبب وضعها الاقتصادي وموقعها الجغرافي الذي أصبح علامة سلبية ضمن الخوارزمية.

لكن الحل لا يتمثل في رفض التقنية، إنما في إعادة توجيهها، حيث يقترح “معهد غرينلاينينغ” استخدام الخوارزميات لتوجيه الموارد والاستثمار نحو المناطق المهمشة بدل استبعادها.
ومن بين الإجراءات التي قد تحد من هذه المخاطر، إجراء تدقيق مستقل للخوارزميات، وإيقاف الاعتماد المفرط على البيانات الجغرافية المتحيزة، ومشاركة المجتمعات في تصميم الأنظمة، والاستثمار في البنية التحتية، إلى جانب سياسات عامة تفرض على المنصات ضمان حد أدنى من الخدمة في جميع الأحياء.
ختاما، فإن المدن ليست مجرد أسواق أو مساحات لتحقيق الأرباح وتحسين حركة المرور، إنما هي مساحات إنسانية واجتماعية مشتركة مصممة لتعزيز التواصل والتضامن وتكافؤ الفرص، حيث تستطيع الخوارزميات إلغاء المدن التائهة عند توفر الإرادة السياسية والاجتماعية التي ترى في كل حي جزءا لا يتجزأ من المدينة.
المصدر: الجزيرة