سرير وكوب ماء بارد.. قاموس البديهيات المفقودة في غزة

“نفسي أنام على تخت زي الأول، ونقعد على البرندة نشرب كوباية شاي”. بهذه الجملة يختصر أحد سكان غزة، في حديثه للجزيرة، ما تبقى من أحلامه. لا بيت جديد ولا سفر؛ مجرد سرير وشرفة وكوب شاي.

تبدو الأمنية صغيرة إلى حد يثير الدهشة، لكنها تختصر انقلابا في معنى الحياة. فكلمة “بديهية” تشير إلى ما لا يحتاج إلى برهان؛ النوم على سرير، شرب ماء بارد، أو خروج الطفل إلى المدرسة وعودته. وبعد ثلاث سنوات من الحرب والنزوح، تحولت هذه الأفعال، بحسب شهادات سكان نقلتها الجزيرة، إلى مطالب تحتاج صبرا وجهدا ومخاطرة.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2تفعيل قانون المبلغين عن الفساد بالعراق.. ضوابط المكافأة وتحديات التطبيق
  • list 2 of 2طالبوا برحيل السلطة واستعادة الحريات.. آلاف التونسيين يحتجون من جديد

end of list

والأهم من إحصاء ما فقده أهل غزة هو فهم كيف حدث الفقدان. فالشهادات لا تروي قائمة نواقص، بل تكشف منطقا متسلسلا لانهيار منظم: حين يسقط الأمان، تسقط معه القدرة على حماية المساحة الخاصة، ثم على تدبير المعيشة، ثم على تأمين المستقبل. كل طبقة تجعل التي تليها أصعب، وهذا ما يمنح عبارة “قاموس البديهيات المفقودة” معناها.

 

 

الأمان أولا

يضع أحد السكان “الأمن والأمان” على رأس ما فقده، موضحا للجزيرة فلسطين أن الخوف بات يستولي على تفاصيل اليوم حتى أثناء النوم، وأن صوت انفجار أو مرور سيارة عابرة يتحول إلى فزع فوري ومخاوف من استهداف مفاجئ. ما يصفه ليس شعورا عابرا، بل انهيار القدرة على توقع ما سيحدث؛ ذلك الرابط الذي يقرن خروج الإنسان من بيته بعودته إليه.

وهنا يأخذ انعدام الأمان وجهه الأقسى في فقدان الأبناء. يروي أب للجزيرة استشهاد نجله الأول تحت الركام أثناء محاولته إنقاذ قريبه، قبل أن ينقطع الأثر عن نجله الثاني الذي خرج لشراء الطحين ولم يعد. وبالمعنى ذاته، لا تزال أم معلقة، بحسب روايتها للجزيرة، بين أمل عودة ابنها الوحيد أو التحاقه بصفوف المفقودين. هنا تتحول العودة ذاتها من أمر متوقع إلى أمنية.

بيت مكشوف

الطبقة التالية تتعلق بما يحمي الإنسان بعد الأمان مباشرة: مساحته الخاصة. فالمأوى ليس جدرانا تقي من الطقس فحسب، بل حيز يحفظ الخصوصية والكرامة. تروي إحدى النازحات “للجزيرة فلسطين” أن الخصوصية غابت تماما في ظل تقاسم الفصل المدرسي الواحد بين ثلاث أو أربع عائلات، وهو ما حرم الأبناء من غرفهم وأسرّتهم المستقلة.

إعلان

وتشاركها المعاناة سيدة دمر منزلها، بحسب روايتها، ثلاث مرات وفقدت أثاثها بالكامل، لتجد نفسها مريضة في خيمة قبالة البحر. وهكذا تستعيد أمنية السرير والشرفة معناها الأوسع؛ فالسرير هو الحد الفاصل بين الجسد والأرض، والشرفة هي الحد الفاصل بين الأسرة والعالم.

ومع غياب الكهرباء والأجهزة، لا تختفي المهام المنزلية، بل تنتقل كلفتها إلى أجساد الناس ووقتهم. يشير أحد السكان، في حديثه “للجزيرة، فلسطين” إلى أن غياب الثلاجة يفسد الطعام بسرعة ويحرم الأسرة من ماء بارد في ذروة الصيف. وتروي سيدة أنها تقضي عامها الثالث تغسل الملابس يدويا وتطهو على حطب النار، وهي الوسيلة التي تسببت، بحسب روايتها، بحروق بالغة لقدمي ابنتها.

وفي مراكز الإيواء، يؤكد أحد النازحين للجزيرة أن ذهاب النساء والأطفال إلى حمامات بعيدة وغير نظيفة ليلا يجمع خطرين: الحركة في الظلام تحت تهديد الاستهداف، وسوء الوضع الصحي الذي يرفع فرص التلوث. هنا تتقاطع الطبقات؛ فالذهاب إلى الحمام ليلا لم يعد فعلا بديهيا، بل قرارا محفوفا بالمخاطر.

مدرسة بعيدة

يصل التسلسل إلى ذروته في التعليم، الجسر الوحيد نحو مستقبل مختلف وسط حاضر منهار. يعبر طفل “للجزيرة فلسطين” عن اشتياقه لاستعادة روتينه المدرسي وزيه وقرطاسيته ولقاء معلمته وأصدقائه بعد أن فقد عددا منهم في الحرب.

ويحذر أحد الأهالي، في حديثه “للجزيرة فلسطين”، من أن الأطفال ينقادون نحو الأمية بسبب بُعد المدارس الخيامية وخوفهم من الاستهداف في الطريق. فحين يغيب التعليم، لا يخسر الطفل دروسه فحسب، بل يفقد الفاصل الزمني الذي يميز طفولته عن الحرب المحيطة به.

تكشف هذه الشهادات مجتمعة أن “قاموس البديهيات المفقودة” ليس استعارة لوصف البؤس، بل وصف لآلية تفرغ بها الحرب حياة الإنسان من مقوماتها بالتتابع: فقدان الأمان يجعل الحركة خطرا، وغياب المسكن يجعل الخصوصية مستحيلة، وتعطل البنية التحتية يحول كل مهمة إلى استنزاف، وانهيار التعليم يصادر المستقبل. والانهيار هنا لا يتراكم جمعا، بل يتسلسل؛ كل طبقة شرط لما بعدها.

وهذا يقود إلى الاستنتاج الأهم: إعادة الإعمار ليست جمعا لخيمة وطعام ومقعد. فما دام خروج الطفل إلى المدرسة أو ذهاب رجل لشراء الطحين لا يضمن عودته، يبقى كل بند من بنود الحياة العادية معطلا من جذوره. القاموس الذي كتبته الحرب يطرح سؤالا عمليا: هل يكفي بناء الجدران قبل استعادة “منطق العادي” الذي يجعل الحياة ممكنة؟ وفي النهاية، لا تقول هذه الشهادات ما فقده أهل غزة فحسب، بل كيف يقاس الزمن هناك: لا بما ينجزه المرء، بل بعدد البديهيات التي ما زالت بعيدة المنال.

 

المصدر: الجزيرة