شبح أزمة الرهائن.. لماذا يخشى ترمب “عقدة” جيمي كارتر؟

بعد مرور أكثر من أربعة عقود، ما زال اسم الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر حاضرا بقوة في النقاشات المتعلقة بإيران داخل الولايات المتحدة.

فكلما تصاعدت حدة المواجهة بين واشنطن وطهران، يعود إلى الواجهة شبح أزمة الرهائن التي أطاحت سياسيا بكارتر عام 1980، لتظل واحدة من أكثر المحطات إيلاما وإثارة للجدل في التاريخ الأمريكي الحديث.

واستحضر مسؤولون إيرانيون تلك الواقعة وما ترتب عليها من تداعيات سياسية طالت كارتر، متوقعين أن تترك المواجهة الحالية تداعيات مشابهة على دونالد ترمب.

في المقابل، يكرر ترمب نفسه استدعاء تجربة كارتر عند الحديث عن إيران، مما يثير تساؤلا: هل نجح بالفعل في تجنب المصير السياسي الذي أنهى ولاية الرئيس الديمقراطي الأسبق؟

بدأت القصة في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979، عندما اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 دبلوماسيا وموظفا أمريكيا مدة 444 يوما، وكان السبب الظاهر وقتها هو معاقبة الولايات المتحدة على منحها حق اللجوء للشاه المخلوع محمد رضا بهلوي.

ومع مرور الوقت، تحولت الأزمة إلى اختبار قاسٍ لإدارة كارتر، خصوصا بعد فشل عملية الإنقاذ العسكرية المعروفة باسم “مخلب النسر” في أبريل/نيسان 1980، التي أسفرت عن مقتل 8 جنود أمريكيين.

ومع استمرار احتجاز الرهائن وتراجع صورة الولايات المتحدة عالميا، تآكلت شعبية كارتر تدريجيا، ليخسر الانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان في نوفمبر/تشرين الثاني 1980. ومنذ ذلك الحين، أصبحت أزمة الرهائن رمزا للفشل في إدارة الأزمات الخارجية يلاحق القيادة الأمريكية.

لماذا يستحضر ترمب اسم كارتر؟

يمثل كارتر بالنسبة لترمب النموذج الذي لا يريد أن يشبهه، فالرئيس الجمهوري الحالي بنى جزءا كبيرا من خطابه السياسي على إظهار الحزم والقوة في مواجهة الخصوم، في حين ترسخت صورة كارتر في الوعي الأمريكي بوصفه رئيسا مترددا وعاجزا عن فرض إرادة بلاده.

إعلان

لذلك دأب ترمب خلال السنوات الماضية على استخدام كارتر معيارا سلبيا للمقارنة، مؤكدا مرارا أن الولايات المتحدة لن تُظهر الضعف ذاته الذي ظهرت به خلال أزمة الرهائن.

ووفق وسائل إعلام أمريكية، فإن ترمب يدرك أن الملف الإيراني كان أحد الأسباب الرئيسية التي أسقطت كارتر انتخابيا، وهو ما يفسر حساسيته تجاه أي مقارنة بين المرحلتين.

لكن المفارقة أن الظروف التي دفعت إلى استحضار كارتر عادت للظهور بصورة مختلفة، فالتوتر مع إيران، وارتفاع أسعار الطاقة، والمخاوف الاقتصادية، والانقسام السياسي الداخلي، كلها عناصر تعيد إلى الأذهان أجواء أواخر سبعينيات القرن الماضي.

كما أظهرت الوثائق -التي رُفعت عنها السرية خلال السنوات الأخيرة- صورة أكثر تعقيدا لعلاقة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بأزمة الرهائن في إيران.

فقد كشفت الوثائق أن كارتر درس منذ الأيام الأولى للأزمة خيارات عسكرية متعددة، شملت فرض حصار بحري وتنفيذ ضربات ضد أهداف إستراتيجية داخل إيران، لكن الغزو السوفيتي لأفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 1979 قلب الحسابات الأمريكية رأسا على عقب، ودفع الإدارة الأمريكية إلى إعادة النظر في نهجها تجاه الأزمة.

وبحسب مجلة تايم، فقد كانت واشنطن تخشى أن يؤدي أي هجوم واسع على إيران إلى فتح الباب أمام تدخل سوفيتي مباشر أو حتى احتلال أجزاء من البلاد، وهو ما كان سيهدد التوازن الإستراتيجي في الخليج خلال ذروة الحرب الباردة، وبذلك لم يكن تردد كارتر ناتجا فقط عن اعتبارات أخلاقية أو انتخابية، بل أيضا عن مخاوف إستراتيجية واسعة النطاق.

TEHRAN, IRAN - NOVEMBER 3: People burn a US and Israeli flag during a rally outside the former US embassy in Tehran as Iranians mark the 45th anniversary of the start of the Iran hostage crisis, on November 3, 2024 in Tehran, Iran. In November 1979, Iranian students seized the US embassy here and took captive fifty-two embassy staff, demanding that Washington hand over Iran's recently toppled shah, who was being treated in the United States for cancer. The hostage crisis lasted 444 days. (Photo by Majid Saeedi/Getty Images)
متظاهرون يحرقون العلمين الأمريكي والإسرائيلي أمام السفارة الأمريكية السابقة في طهران (غيتي)

هل تجنب ترمب مصير كارتر؟

من الناحية الانتخابية، يبدو أن ترمب محق عندما يؤكد أنه لم يواجه مصير كارتر، فالرئيس الديمقراطي خسر حينئذ معركة إعادة انتخابه، في حين تمكن ترمب من العودة إلى البيت الأبيض والفوز بولاية ثانية.

لكن المقارنة تصبح أكثر تعقيدا عند النظر إلى الصورة الأوسع، فترمب لا يواجه خطر خسارة انتخابات رئاسية جديدة بسبب القيود الدستورية التي تمنعه من الترشح لولاية ثالثة، في حين كان كارتر يخوض معركة سياسية مباشرة للبقاء في السلطة.

مع ذلك، فإن نجاح ترمب في تجنب مصير كارتر لا يعني بالضرورة أنه تجاوز التحديات ذاتها، فنتائج أي مواجهة طويلة مع إيران يمكن أن تنعكس على شعبية الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، كما قد تؤثر على إرث ترمب السياسي بعد مغادرته البيت الأبيض.

وربط عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني، محسن رضائي، بين مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومستقبل المشهد السياسي في الولايات المتحدة، مشيرا إلى أن نتائجها ستعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة والنظام الدولي لمصلحة طهران.

وفي تدوينة نشرها على منصة “إكس”، توعد رضائي الرئيس الأمريكي ترمب بتكرار المصير السياسي الذي واجهه الرئيس الأسبق جيمي كارتر عقب أزمة الرهائن الإيرانية عام 1979.

وأشارت مجلة تايم إلى أنه على نحو لافت، تمكن كارتر لاحقا -رغم خسارته السياسية- من إعادة بناء صورته على الساحة الدولية من خلال نشاطه الدبلوماسي والإنساني، وتُوّج بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 2002.

إعلان

أما ترمب، الذي يحرص باستمرار على تقديم نفسه نقيض كارتر، فما زال يخوض معركة إثبات أن نهجه الأكثر صدامية تجاه إيران قادر على تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حققها سلفه الديمقراطي.

 

المصدر: الجزيرة