تناولت الصحف العالمية في تغطيتها التحولات الإستراتيجية في الشرق الأوسط، مركزة على تبدل قواعد الاشتباك السياسي بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع “إعادة تموضع” أمريكية كبرى في سوريا تجلت في الانسحاب من قاعدة التنف الإستراتيجية.
ففي قراءة تحليلية للنهج الإيراني الجديد، نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية مقالا يرى أن إيران لم تعد تلك الدولة التي “أربكتها” سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال ولايته السابقة، بل باتت تتبنى أسلوبه نفسه في إدارة الصراع.
ويشير التحليل إلى أن إيران تعتمد حاليا إستراتيجية “توجيه الرسائل المتناقضة” وخلط الأوراق، دامجة بين لغة التصعيد العسكري والمرونة الدبلوماسية في آن واحد.
وترى الصحيفة أن هذا التكتيك يضع الطرفين أمام ما أسمته بـ”التوازن الدقيق”، ففي حين يتجنب ترمب الانجرار إلى حرب واسعة، تدرك طهران أنها لا تستطيع تقديم تنازلات تمس “عناصر ردعها” الأساسية.
وخلصت جيروزاليم بوست إلى أن السيناريو الأرجح هو التوصل إلى اتفاق محدود يتيح لكل طرف ادعاء تحقيق نصر سياسي، رغم تشكيك صحيفة “يديعوت أحرونوت” في فرص هذا الاتفاق، مؤكدة استمرار التنسيق الأمريكي الإسرائيلي لفرض “الضغوط القصوى”.
عقود من “التيه” الإستراتيجي
وفي السياق ذاته، قدمت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية مراجعة نقدية لاذعة للسياسة الأمريكية تجاه إيران، واصفة إياها بأنها “عجزت” منذ 5 عقود عن تحديد إستراتيجية واحدة للتعامل مع طهران. وجاء في المقال أن واشنطن منذ عهد رونالد ريغان، فشلت في صياغة إستراتيجية ملائمة للتعامل مع النظام الإيراني.
وحمّلت الصحيفة الأمريكية ترمب مسؤولية ترسيخ الديناميكيات الحالية التي يحاول الآن تغييرها، وذلك بانسحابه من الاتفاق النووي إرضاء لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة– وللمستشارين في واشنطن.
ووصفت الصحيفة الوضع الراهن بـ”التناقض الإستراتيجي”، فبالرغم من ثني الطرفين رغبتها في بدء خطوة الحرب، فإن الدبلوماسية العقيمة قد تدفع الطرفين إليها.
التنف.. نهاية حقبة
وإقليميا، سلطت صحيفة “لوموند” الفرنسية الضوء على حدث مفصلي في المشهد السوري، معتبرة أن الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف الإستراتيجية الواقعة عند المثلث الحدودي (سوريا- العراق- الأردن) بات “أمرا واقعا”.
وحللت الصحيفة دلالات هذا الانسحاب -الذي تم قبل أيام- معتبرة أنه يندرج ضمن “إعادة توجيه” لمهام التحالف الدولي الذي تأسس أصلا لمحاربة تنظيم الدولة، قبل أن تتحول مهامه لاحقا لمراقبة النفوذ الإيراني.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن دمشق تقرأ في هذا الانسحاب “علامة ثقة”، مشيرة إلى سردية سورية جديدة مفادها أن “الحاجة للتحالف قد انتفت”، وأن الأولوية الآن يجب أن تنصب على معالجة “جذور التطرف” لا الحلول العسكرية.
وكانت وزارة الدفاع السورية قد أعلنت، الخميس الماضي، تسلُّم قاعدة التنف على الحدود السورية العراقية الأردنية بعد انسحاب المئات من الجنود الأمريكيين منها، على أن يتولى حرس الحدود السوري الإشراف عليها.
المصدر: الجزيرة