“كبرت وأنا شايف الخيل قدامي وصوت المزمار وزحمة الرجالة، ولمعة العيون وهي بتتفرج”، هكذا يبدأ عبد الرحيم ثابت أحد فرسان المرماح في صعيد مصر حديثه عن علاقة لم تنقطع منذ الطفولة. يقول إن المرماح ليس مجرد عرض خيل، بل موعد ثابت مع الذاكرة، وطقس لا يكتمل رمضان ولا الأفراح ولا الموالد من دونه.
يرتبط المرماح في وجدان أهالي الصعيد بالمناسبات الكبرى، وفي مقدمتها شهر رمضان، حين تتلاقى العائلات والقبائل في ساحات مفتوحة، لا للتنافس فقط، بل لإحياء تقليد قديم، يجمع بين الفروسية والاحتفال والانتماء.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ويضيف ثابت: “المرماح هو اليوم اللي بنشوف فيه بعض، ونعرف إن لسه التراث عايش”، مؤكدا أن الخيل هنا ليست للسباق وحده، بل رمز للمكانة والشرف والهوية.
يقام المرماح في ساحات واسعة مفتوحة، غالبا ما تكون قطعة أرض زراعية أو فضاء خارج الكتل السكنية، يتم تجهيزها خصيصا لاستقبال الخيول والفرسان والجمهور.
ومع اقتراب الموعد، تتحول الساحة إلى مسرح حي، ترسم حدوده بحركة الخيول وصوت المزمار البلدي، بينما تصطف العائلات على الأطراف في حلقات متجاورة، بعضهم واقف، وآخرون يجلسون على الأرض أو فوق المصاطب المؤقتة. ولا يقتصر الحضور على الفرسان فقط، بل يتجمع الأهالي من مختلف الأعمار، رجال ونساء وأطفال، يأتون في ساعات مبكرة لمتابعة العرض، في مشهد أشبه بعرس جماعي.
يتبادل الناس التحايا، وتعلو الزغاريد مع كل انطلاقة قوية، بينما يتابع الكبار تفاصيل العرض بعين الخبير، ويراقب الصغار الخيل باندهاش، في لحظة جماعية تعيد للقرية روحها القديمة، وتؤكد أن المرماح ليس فعالية عابرة، بل لقاء اجتماعي يرسخ الانتماء ويجدد الصلة بالتراث.

ما هو المرماح؟
يعد المرماح واحدا من أبرز ملامح التراث الشعبي في صعيد مصر، حيث تمتزج الفروسية بالموسيقى الشعبية، وتخطف الخيول المزينة وفرسانها الأنظار في الموالد والمناسبات الدينية والاجتماعية.
وعلى الرغم من تغير أنماط الحياة، لا يزال المرماح حاضرا بقوة في القرى والنجوع، محافظا على طابعه الاحتفالي ومكانته في الوجدان الشعبي. ولا يقتصر المرماح على كونه سباق خيل، بل هو تجمع اجتماعي واسع، تشارك فيه العائلات الكبرى والقبائل، مصحوبا بأنغام المزمار البلدي، في مشهد يتوارثه الأبناء عن الآباء، جيلا بعد جيل.
وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح الباحث في التراث الشعبي أحمد الجارد أن المرماح يعود إلى تقاليد عربية قديمة، ترجع إلى زمن الفتح الإسلامي.
ويقول إن القبائل العربية اعتادت الخروج في سباق الخيل وممارسة التحطيب والضرب بالسيوف، كجزء من التدريب والاحتفال. ويشير إلى أن القبائل، مع دخولها مصر عام 21 هجرية، كانت تخرج من الفسطاط بالخيول وصولا إلى الفيوم خلال فترة الربيع المعروفة بالارتباع، وهي فترة راحة من الحرب والجهاد، يتم خلالها ترويض الخيل وإقامة المرماح.
وكانت كل قبيلة تنزل بخيولها في موسم البرسيم لمدة تقارب ثلاثة أشهر، قبل العودة لاستكمال القتال.
متى يقام المرماح؟
يرتبط المرماح ارتباطا وثيقا بالمواسم الدينية، وعلى رأسها شهر رمضان، إلى جانب الموالد والمناسبات الاجتماعية مثل الزواج.
ويؤكد الجارد أن المرماح حاضر في معظم الأفراح بالصعيد، حيث يتم توجيه الدعوات للخيالة والحطابة قبل الموعد بأسبوع. ويضيف أن هناك مرماحا سنويا كبيرا يقام في مايو/أيار، حيث تجتمع العائلات المالكة للخيول في مولد الحاج علي، أحد الموالد في المنطقة، ويتم تجهيز مساحة واسعة من الأرض لإقامة المرماح، بحضور فرق المزمار البلدي.

إشارة البدء
يلعب المزمار البلدي دورا محوريا في المرماح، إذ يعطي إشارة البداية لانطلاق الخيول. وبعدها تبدأ طقوس النقوط، حيث يقدم الحضور مبالغ مالية رمزية تعرف بالسلام، ثم تنطلق الخيول في ساحة العرض وسط تفاعل كبير من الجمهور.
وينفي أحمد الجارد تراجع المرماح بين الأجيال الجديدة، مؤكدا أن التعلق بالخيل ما زال قائما، خاصة في محافظة قنا، حيث تمتلك أغلب البيوت حصانا واحدا على الأقل.
ويشير إلى أن ركوب الخيل يعد امتدادا لموروث ديني وثقافي، مستشهدا بالأحاديث التي تحض على تعلم الفروسية. ويؤكد أن العديد من العائلات توارثت الفروسية عبر أجيال متعاقبة، مشيرا إلى أسر معروفة بالخيالة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ولا تزال تحافظ على هذا الإرث حتى اليوم.
بين الموالد والزفاف
من جانبه، يوضح الباحث والمؤرخ بحبح الحباظي في حديث للجزيرة نت أن المرماح ارتبط تاريخيا بالمواسم الدينية واحتفالات أولياء الله الصالحين، مثل موالد سيدي عبد الرحيم القنائي في قنا، وسيدي أبو الحجاج في الأقصر، وسيدي أحمد بن إدريس، وموالد دندرة وغيرها.
ويشير إلى أن أعظم احتفالات المرماح والفروسية تقام خلال مناسبة المولد النبوي الشريف، حيث تشهد العديد من قرى ومدن الصعيد عروضا موسعة للفروسية.
ولم يعد المرماح مقتصرا على الموالد الدينية، بل أصبح حاضرا بقوة في مناسبات الزفاف، خاصة بين العائلات الثرية، من خلال ما يعرف برقصة الخيل التي تقام ليلا.
ورغم أن رمضان يشهد تراجعا نسبيا في حفلات الزفاف، فإن المرماح يظل حاضرا في الذاكرة والطقوس الشعبية.

طقوس تجهيز الخيل
يكشف الحباظي عن طقوس تجهيز الخيل، موضحا أن الفارس لا يحمل سوى الزانة، إلى جانب اكتمال عدة الحصان التي تشمل اللجام والسرج وتزيين صدر الحصان.
وتتكون العدة من عدة طبقات لحماية ظهر الحصان وإبراز الشكل الجمالي، من اللباد وصولا إلى العباءة المزخرفة التي يجلس عليها الفارس.
وتبدأ عروض المرماح بما يعرف بالتقصيف، حيث يتحرك الفارس أمام المزمار بسرعة متوسطة عدة مرات، ثم يقدم النقطة لفرقة المزمار.
بعدها تبدأ المشالاة، وهي مواجهة بين فارسين تشبه المبارزة، يستعاض فيها عن السيوف بالزانة، ويتخللها دوران ومراوغة حتى يتدخل فارس ثالث معلنا نهاية العرض.
وللمرماح طقوس خاصة، تبدأ قبل ركوب الحصان بقراءة الفاتحة وآية الكرسي والمعوذتين، وتكرر بعد الانتهاء، للتحصين من الحسد.
ويحرص الفرسان على المشاركة وهم على وضوء، ويضع بعضهم رموزا شعبية مثل الخمسة والخميسة على الخيل، باعتبارها عادات متوارثة.
ختم الحباظي حديثه بالتأكيد على أن المرماح لا يزال قادرا على البقاء في صعيد مصر، لأنه موروث متجذر في العائلات، تسعى كل واحدة منها إلى الحفاظ عليه ونقله للأبناء، باعتباره جزءا من الهوية وليس مجرد عرض عابر.
المصدر: الجزيرة