تحول بحر قطاع غزة المحاصر من متنفس أخير لنحو مليوني فلسطيني، إلى ما يشبه سجنا كريها، بسبب تدفق آلاف الأمتار المكعبة إليه من مياه الصرف الصحي دون معالجة، بحسب تحليل صور أقمار صناعية أجرته وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة.
وكشف تحليل صور الأقمار الصناعية، الملتقطة في 24 أغسطس/آب 2026، أن مياه الصرف الصحي في غزة تمتد على طول أكثر من 5 كيلومترات و461 مترا، فيما يصل أعمق نقطة للمياه الملوثة في عمق البحر إلى نحو 490 مترا.

وترسم الأرقام والصور واقعا يوميا صعبا يعيشه آلاف النازحين بين بحرٍ ملوث، وروائح كريهة، وضيق خانق في أماكن النزوح، لتتحول المياه الملوثة مع الوقت إلى تهديد صامت قد يُخلف أمراضا وأوبئة، تُضاف إلى الوضع المأساوي الذي يعيشه النازحون في القطاع المنكوب.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
متى تفاقمت الأزمة؟
يوضح تحليل مقارنة صور الأقمار الصناعية تفاقم أزمة المياه الملوثة بين يونيو/حزيران ويوليو/تموز 2026، لكنها وصلت إلى مستويات كارثية في أحدث صور ملتقطة يوم 24 أغسطس/آب 2026.

وتقدر بلدية مدينة غزة تسرب نحو 24 ألف متر مكعب يوميا من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر، نتيجة الدمار الواسع الذي تسبب فيه جيش الاحتلال الإسرائيلي، عقب استهداف محطات المعالجة وشبكات التصريف.
وأوضحت البلدية أن الدمار الذي طال قطاع الصرف الصحي أدى إلى تضرر 8 محطات ودمار نحو 212 ألف متر طولي من شبكات الصرف الصحي، فيما خرجت محطتا “شرق مخيم البريج” وحي “الشيخ عجلين” عن الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بهما، مما أفقد المنظومة جزءًا أساسيًا من قدرتها على معالجة وتصريف مياه الصرف الصحي.
ويوضح مسئول الرقابة الصحية في قطاع غزة، سعيد العلكوك، في لقاء مع الجزيرة، أنه نتيجة دمار البنية التحتية للصرف الصُحي، أصبحت المياه الملوثة تُلقى في البحر دون معالجة، وبالتالي تلوث المياه والرمل والهواء.
وحذرت بلدية غزة من أن استمرار تدفق المياه العادمة دون معالجة يرفع احتمالات تلوث التربة والمياه الجوفية، ويهيئ بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة، فضلًا عن زيادة مخاطر الأمراض والأوبئة، في وقت تعاني فيه المدينة أصلًا من تدهور حاد في الخدمات الأساسية.
بركة الشيخ رضوان.. تحوّل فاقم الأزمة
وبعد أن خرجت محطات المعالجة عن الخدمة بفعل القصف الإسرائيلي وانقطاع الكهرباء والوقود، تحولت بركة الشيخ رضوان في مدينة غزة من مرفق حيوي لتجميع مياه الأمطار إلى واحدة من أكبر برك الصرف الصحي في القطاع.

ويظهر تحليل الصور بداية من يناير/كانون الثاني 2026، وحتى يوليو/تموز 2026، تحول كبير شهدته البركة، حيث تغير لونها من الأزرق إلى البني، كما ظهر بها تراكمات ومخلفات طافية على السطح.

كما أظهرت الصور ارتفاعا تدريجيا في منسوب المياه، وهو ما دفع بلدية غزة في مايو/أيار الماضي للتحذير من كارثة بيئية وصحية في البركة جراء ارتفاع منسوب مياه الصرف الصحي.
وفي الشهر نفسه، أفاد “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية” بأن نحو 4 من كل 5 محطات لضخ مياه الصرف في غزة كانت خارج الخدمة، مما أدى إلى تدفق نحو 40 ألف متر مكعب يوميا من مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر ومناطق وجود السكان.
شهادات نازحين للجزيرة
وتنعكس هذه الكارثة البيئية مباشرة على ظروف الحياة اليومية للنازحين، حيث أوضح أيوب الشنباري -وهو نازح من بيت حانون إلى ساحل خان يونس– أن استمرار ضخ المياه العادمة على مدار الساعة حرم السكان من استخدام الشاطئ للتغلب على حرارة الخيام المرتفعة.
كما أظهرت شهادات نازحين -للجزيرة- اضطرار العديد منهم للتخييم المباشر بجوار مصبات الصرف الصحي لعدم وجود أي بديل جغرافي آخر، مما حرمهم من النوم وتسبب في معاناتهم من آلام تنفسية، فضلا عن تسجيل حالات إجهاض بين الحوامل جراء انبعاث الروائح النفاذة والتلوث المعيشي المحيط بالخيام.
ويشكل بحر وميناء غزة متنفسا اضطراريا يهرب إليه السكان في ظل الخيام والحر الشديد رغم تلوث مياهه بسبب ضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة إلى شواطئه، نتيجة توقف محطات المعالجة بسبب نقص الوقود وتدمير البنى التحتية.
وكان اتحاد بلديات قطاع غزة قد حذّر في أغسطس/آب الماضي من تدهور متواصل في منظومة المياه والصرف الصحي، في ظل نقص الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل المولدات والآبار ومحطات الضخ.
المصدر: الجزيرة