على مدار نحو 18 عاما، مر مشروع سد “ميغيتش” (Megech) في إثيوبيا بمراحل من التأخير قبل أن يدخل حيز التشغيل بافتتاحه في أكتوبر/تشرين الأول 2026. وقد كشفت صور أقمار صناعية مراحل التوسع الإنشائي وتجمع المياه خلف السد الواقع في إقليم أمهرة شمال غربي البلاد وبالتحديد على أحد الأنهار المغذية لبحيرة تانا التي ينبع منها النيل الأزرق، حيث يستهدف السد -الذي تبلغ سعته التخزينية 185 مليون متر مكعب- توسيع الرقعة الزراعية المروية وتوفير مياه الشرب لمدينة غوندر والمناطق المحيطة بها.
وافتتح رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد السد في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بحضور الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، بعد سنوات من التعثر في تنفيذ المشروع، الذي بدأت أعماله قبل نحو 18 عاما، واستأنفت الحكومة الإثيوبية العمل على إكماله في السنوات الأخيرة.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وفي هذا السياق، رصدت وحدة المصادر المفتوحة في شبكة “الجزيرة” مراحل تطور المشروع عبر سلسلة زمنية من صور الأقمار الصناعية، امتدت من ديسمبر/كانون الأول 2024 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2026، لرصد التغيرات التي طرأت على مجرى النهر والمنطقة المحيطة به، وتوثيق تطور المنشآت الهندسية واتساع المسطح المائي خلف السد.
وتظهر المقارنة بين الصور الفضائية انتقال الموقع من مرحلة الأعمال الإنشائية وتجهيز المجرى إلى تشكل جسم السد وامتداده بين ضفتي الوادي، وصولا إلى اتساع الخزان المائي خلال عام 2026، بالتزامن مع إعلان السلطات الإثيوبية اكتمال المشروع وافتتاحه رسميا.

ما علاقته بالنيل الأزرق؟
يقع سد “ميغيتش” على نهر يحمل الاسم نفسه، شمال بحيرة تانا، بالقرب من مدينة غوندر في إقليم أمهرة الإثيوبي. ويعد نهر ميغيتش أحد الروافد الرئيسية التي تصب في بحيرة تانا، إلى جانب أنهار غيلغيل أباي وريب وغومارا، بينما تخرج مياه البحيرة عبر نهر أباي، المعروف بالنيل الأزرق، الذي يتجه نحو السودان ويلتقي بالنيل الأبيض في العاصمة الخرطوم.
وبذلك، يقع المشروع داخل الحوض الأعلى للنيل الأزرق، على أحد روافده المغذية لبحيرة تانا.
تجهيز الموقع
تظهر صور الأقمار الصناعية الملتقطة في ديسمبر/كانون الأول 2024 وفبراير/شباط 2025 أعمالا إنشائية واسعة في محيط موقع السد، شملت تهيئة مسارات الوصول إلى منطقة المشروع وتسوية مساحات من الأراضي المحيطة بمجرى نهر ميغيتش.
وتعكس هذه الصور مرحلة من إعادة تشكيل الموقع لاستيعاب المنشآت المائية، لكنها لا تمثل بداية تنفيذ المشروع، الذي تعود أعماله إلى سنوات سابقة.

ظهور جسم السد
ومع الانتقال إلى الصور الملتقطة بين مايو/أيار وأغسطس/آب 2025، تظهر تغيرات إضافية في المنشآت المقامة عبر الوادي، مع اتضاح امتداد جسم السد وتوسع المناطق التي شهدت أعمالا إنشائية.
وتوثق المقارنات البصرية تقدما في ربط المنشآت بين جانبي المجرى، إلى جانب تغيرات في مسارات الحركة ومناطق العمل المحيطة بالمشروع.

تحويل مجرى النهر
خلال الربع الأخير من عام 2025، تظهر صور الأقمار الصناعية تغيرات أكثر وضوحا في امتداد المنشآت الهندسية، مع اتضاح معالم الحاجز المائي وتجمعات محدودة للمياه في بعض أجزاء الموقع.
وتتفق هذه التطورات مع إعلان رسمي صدر في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عقب زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للمشروع، أكد فيه نجاح عملية تحويل مجرى نهر ميغيتش، واصفا الخطوة بأنها مرحلة مهمة في تنفيذ السد.
وأوضحت وكالة الأنباء الإثيوبية آنذاك أن الأعمال الباقية كانت تسير وفق الجدول المحدد، تمهيدا لإكمال المنشأة الرئيسية.

تجمع المياه خلف السد
شهد عام 2026 أبرز التحولات الظاهرة في الصور الفضائية، مع اتساع المسطح المائي في المنطقة الواقعة خلف جسم السد.
ففي الصور الملتقطة خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، وحتى أبريل/نيسان، تظهر زيادة تدريجية في المساحات التي تغطيها المياه مقارنة بنهاية عام 2025، مع امتدادها إلى أجزاء من الأراضي المنخفضة داخل حوض الخزان.
وتبرز هذه التغيرات بصورة أوضح في الصور الملتقطة بين مايو/أيار وأغسطس/آب، حيث يتسع نطاق المياه المحتجزة ويظهر تغير ملحوظ في حدود المسطح المائي وشكل الأراضي المحيطة به.

خزان واسع قبيل التدشين
في المرحلة الأخيرة من الرصد، تظهر الصور الملتقطة خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2026 تشكل مسطح مائي واسع خلف السد، يغطي أجزاء كبيرة من الحوض مقارنة بالمراحل السابقة.
وتكشف المقارنة مع صور ديسمبر/كانون الأول 2024 حجم التحول المكاني الذي شهدته المنطقة خلال أقل من عامين، من موقع تظهر فيه مساحات واسعة من الأراضي المكشوفة والأعمال الإنشائية إلى خزان مائي واضح المعالم يمتد خلف الحاجز الرئيسي.
وتتزامن هذه المشاهد مع إعلان الحكومة الإثيوبية افتتاح السد في 23 أكتوبر/تشرين الأول، مما يوفر توثيقا بصريا للتغيرات المصاحبة لاستكمال المشروع.

مشروع عمره 18 عاما
تعود بدايات مشروع ميغيتش إلى نحو 18 عاما، بحسب بيان رسمي أصدرته الحكومة الغانية بالتزامن مع مشاركة الرئيس جون دراماني ماهاما في مراسم افتتاحه.
وأوضح البيان أن المشروع تعثر سنوات ثم استأنفت الحكومة الإثيوبية العمل عليه قبل نحو ثلاثة أعوام، وصولا إلى إكماله في أكتوبر/تشرين الأول 2026.
وكان رئيس الوزراء الإثيوبي قد وجه في مايو/أيار 2024 بتسريع إكمال المشروع، خلال اجتماع مع المسؤولين المعنيين بمشروعات المياه والطرق في مدينة غوندر.
وفي ذلك الاجتماع، أقرت وزيرة الري والمناطق المنخفضة الإثيوبية آنذاك، عائشة محمد، بأن المشروع واجه تحديات منذ انطلاقه، من بينها بدء تنفيذه دون دراسات جدوى كافية.
ماذا سيقدم السد لإثيوبيا؟
وفقا للبيانات الرسمية الإثيوبية، تبلغ السعة التخزينية التصميمية لسد ميغيتش 185 مليون متر مكعب، ويستهدف المشروع توفير المياه لري أكثر من 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في محيط غوندر.
كما يهدف إلى تحسين إمدادات مياه الشرب للمدينة والبلدات المجاورة، إلى جانب توفير فرص للاستثمار في الثروة السمكية والزراعة والسياحة حول البحيرة الصناعية.
وقال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال إعلان افتتاح المشروع في 23 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، إن الحكومة تمكنت من تجاوز التحديات التي أخرت التنفيذ سنوات، مشيرا إلى أن المشروع يمثل خطوة لدعم الإنتاج الزراعي والتنمية الاقتصادية في إقليم أمهرة.
من جانبه، قال رئيس إدارة إقليم أمهرة، أريغا كبدي، إن المشروع سيستفيد منه أكثر من 25 ألف مزارع، ولا سيما في منطقتي غوندر زوريا وديمبيا، فضلا عن دوره المتوقع في التخفيف من أزمة مياه الشرب.
وتبقى هذه الأرقام أهدافا وقدرات تصميمية معلنة، ولا تعني بالضرورة أن كل المساحات الزراعية المستهدفة دخلت الخدمة بالفعل عند افتتاح السد.
ماذا يعني السد لدولتي المصب؟
يأتي افتتاح سد ميغيتش في وقت لا تزال فيه الخلافات بشأن إدارة مياه النيل الأزرق قائمة بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، ولا سيما حول قواعد ملء وتشغيل سد النهضة والتنسيق خلال فترات الجفاف.
لكن سد ميغيتش يختلف عن سد النهضة من حيث الموقع والوظيفة والحجم، فهو مشروع مخصص أساسا للري وإمدادات مياه الشرب على أحد روافد بحيرة تانا، بينما يقع سد النهضة على المجرى الرئيسي للنيل الأزرق، ويستهدف بصورة أساسية توليد الكهرباء.
وتوضح الدراسات أن نهر ميغيتش أحد الأنهار المغذية لبحيرة تانا، التي تتدفق مياهها لاحقا إلى النيل الأزرق، مما يجعل المشروع جزءا من المنظومة المائية المشتركة.
طموحات إثيوبيا
يأتي افتتاح سد “ميغيتش” ضمن خطة إثيوبية أوسع للتوسع في إنشاء السدود ومشروعات الري وتوليد الكهرباء. ففي 3 يوليو/تموز 2025، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام مجلس نواب الشعب، اعتزام بلاده بناء 100 سد صغير ومتوسط وكبير لأغراض الري، مشيرا إلى أن ستة منها كانت تستعد للدخول إلى الخدمة، بقدرة إجمالية على ري 84 ألف هكتار.
وفي مارس/آذار 2026، أعلنت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية خططا لتطوير ثلاثة مشروعات كهرومائية إضافية في حوض النيل الأزرق، هي “كارادوبي” و”ماندايا” و”بيكو أبو”، بقدرة توليد مخططة تبلغ نحو 5700 ميغاواط، واستثمارات تقدر بنحو 10.5 مليارات دولار.
وتعكس هذه الخطط توجه أديس أبابا نحو توسيع استغلال مواردها المائية في الزراعة والطاقة، وسط استمرار الخلافات مع مصر بشأن مشروعات السدود على النيل الأزرق.
المصدر: الجزيرة