مع تجدد الهجمات على الإمارات اليوم الثلاثاء عقب هجوم استهدف أمس مواقع ومنشآت مدنية داخل أراضيها، فضلت طهران “الصمت الرسمي” في مواجهة اتهام إماراتي وخليجي ودولي مباشر وصريح حمّل إيران المسؤولية الكاملة عن الهجمات وتداعياتها.
وبينما وجهت دولة الإمارات العربية المتحدة أمس الاثنين اتهاما مباشرا لإيران، تلاه إدانة خليجية وعالمية تحمّل طهران المسؤولية المباشرة عن هذه الهجمات، التزمت طهران “صمتا غامضا” بسبب عدم صدور أي إثبات أو نفي رسمي بضلوعها في هذه الهجمات، فيما اختار مصدر عسكري إيراني إلقاء اللائمة على الولايات المتحدة.
وفيما يخص الآراء غير الرسمية الواردة من إيران بشأن هجمات أمس واليوم، فإن المحللين والمتابعين انقسموا بين مثبت للهجمات ومبرر لها من جهة، وبين من ينفي ضلوع إيران في هذه الهجمات، وقدم كلا الطرفين قراءته وتفسيره للحدث بناء على موقفي الإثبات والنفي.
الإمارات تتهم وتدين
واتهمت وزارة الخارجية الإماراتية -في وقت سابق الاثنين- إيران بشن هجوم بطائرتين مسيّرتين على ناقلة نفط إماراتية (أدنوك) أثناء مرورها في مضيق هرمز، في حين أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، في بيان، أن مقذوفا مجهولا أصاب ناقلة نفط في هرمز على بعد 145 كيلومترا شمال مدينة الفجيرة الإماراتية.
واعتبرت الإمارات أن استهداف الملاحة التجارية، واستخدام مضيق هرمز أداةَ ضغط أو ابتزاز اقتصادي يُعَد من أعمال قرصنة يرتكبها الحرس الثوري الإيراني، ويشكّل تهديدا مباشرا لاستقرار المنطقة وشعوبها ولأمن الطاقة العالمي.
وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، مساء الاثنين، تعاملها مع 15 صاروخا و4 طائرات مسيّرة قادمة من إيران، وذكرت في بيان أنها أسفرت عن 3 إصابات.
بينما أكد مسؤول عسكري إيراني مطلع، أمس الاثنين، أن بلاده لم تكن لديها خطة مسبقة لاستهداف الإمارات ولا المنشآت في ميناء الفجيرة الإماراتي، متهما الجيش الأمريكي بما حدث، وفق التلفزيون الإيراني.
واتهم المسؤول الإيراني قوات الولايات المتحدة الأمريكية بالوقوف خلف الاستهداف، مضيفا أنه حدث “بسبب مغامرتها لفتح مضيق هرمز بشكل غير قانوني عبر ممرات محظورة”.
ووفق التلفزيون الإيراني، قال المسؤول العسكري “يجب على أمريكا أن تضع حدا لاستخدام القوة في مسار الدبلوماسية”، مطالبا الولايات المتحدة بالتوقف عما أسماها “المغامرات العسكرية” في المنطقة النفطية الحساسة، مشيرا إلى أن ذلك يؤثر على اقتصادات جميع الدول.
ونشر رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم عزيزي، عبر حسابه على منصة إكس، عبارة: “FALSE FLAG”، وتعني “عملية ملفقة”، وهو ما يبدو أنه إشارة إلى الاستهداف في الإمارات.
ولم تتبنّ أي جهة الهجوم على الناقلة، ولم تعقّب إيران بشكل رسمي على البيان الإماراتي.

وبينما تبدو الرواية الإماراتية حاسمة في تحميل إيران المسؤولية، فإن غياب تبنٍّ إيراني رسمي يترك مساحة للغموض، فهل تتجنب طهران كلفة الاعتراف السياسي بتوسيع المواجهة نحو الإمارات، أم تحاول إبقاء التصعيد ضمن هامش يسمح لها بإدارة الأزمة من دون إعلان مباشر؟
الصراع دون عتبة الحرب
في هذا السياق، قال أستاذ العلوم السياسية الإيراني مصطفى نجفي، في حديثه للجزيرة نت، إن الهجمات والتوترات التي شهدها الخليج وبحر عمان أمس واليوم ينبغي فهمها في إطار “الصراع دون عتبة الحرب”، وهو نمط تتحرك فيه الدول عبر إجراءات لها نتائج وتأثيرات ملموسة، لكنها تتعمد عدم تجاوز الخط الأحمر الذي قد يقود إلى حرب شاملة.
وأضاف نجفي أن قابلية النفي، أو على الأقل غياب الوضوح، تشكل جزءا من قواعد هذا النمط من الصراع، إذ تتيح للفاعل ممارسة الضغط على الطرف الآخر، وفي الوقت نفسه تجنب رد مباشر ومكلف.
وأوضح أن هذا السلوك، إذا جرى النظر إليه ضمن هذا الإطار، لا يعني بالضرورة تحولا جذريا في إستراتيجية إيران، بل يبدو أقرب إلى استمرار النهج السابق لكن بضبط جديد، يقوم على مزيج من الردع، وإرسال رسائل متعددة المستويات، والحفاظ على هامش المناورة السياسية.
وتابع أن اتساع نطاق هذه الإجراءات أو ازدياد حدتها من جانب الطرفين قد يدفع إلى تغيير في الإستراتيجيات الحربية، مشيرا إلى أن التصعيد لا يبقى دائما ضمن حدوده الأولى إذا أخذ منحى متدرجا ومتبادلا.
وقال نجفي إنه رغم أن إيران لم تعلن مسؤوليتها عن هذه الهجمات، فإن افتراض تنفيذها الهجوم على الإمارات يحمل رسالة مهمة، مفادها أن قواعد إيران الحربية في المنطقة باتت تُضبط بما يتناسب مع سلوك اللاعبين الإقليميين.
وأضاف أن أي طرف ينسجم مع الإجراءات والأجندة الحربية الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، ستتعامل معه طهران بالقدر نفسه بوصفه تهديدا فعليا، وسترد على تحركاته وإجراءاته.
وأشار نجفي إلى أن توقيت الهجوم على الإمارات، في حال ثبوت الفرضية الإيرانية، يعزز هذا التقدير، إذ جاء بعد تحرك عسكري أمريكي في مضيق هرمز، في وقت تعد فيه الإمارات، برأيه، اللاعب الأكثر نشاطا ضد إيران بين دول مجلس التعاون الخليجي.
وأضاف أن أبو ظبي اتخذت، قبل الحرب وأثناءها وبعدها، إجراءات وصفها بالاستفزازية ضد إيران، بينما كانت دول أخرى في المنطقة، بينها قطر وعُمان، تدعو إلى إنهاء الحرب وخفض التصعيد حسب رأيه.
وختم نجفي بالقول إن إيران ترصد هذا النهج وترد عليه بصورة فعالة، معتبرا أن سلوكها بات مرتبطا بسلوك دول المنطقة ونهجها، وأنها أرست معادلة جديدة تقوم على ضرب مصدر التهديد أينما كان.
الحرب الرمادية
ومن جانبه، قال الباحث السياسي الإيراني برديا عطاران، في مداخلة للجزيرة نت، إن ما جرى أمس واليوم يعكس انتقال المواجهة من نطاق الحرب الشاملة إلى ما يُعرف بـ”الحرب الرمادية”، وهي مساحة تقع دون عتبة الحرب المباشرة، تستخدم فيها الأطراف أدوات محدودة لإيصال رسائل سياسية وعسكرية من دون الانزلاق إلى مواجهة تقليدية واسعة.
وأضاف عطاران أن الفاعلين في هذا النوع من الحروب يسعون عادة إلى توجيه رسائل متعددة، إما للتأكيد على قدرتهم على الرد والدفاع عن مصالحهم، أو لتنفيذ ضربات ذات طابع استباقي تهدف إلى إبلاغ الطرف الآخر بأن تحركاته مرصودة، وأن عليه إعادة حساباته قبل الإقدام على أي خطوة.
وأوضح أن الهجمات التي وقعت خلال اليومين الماضيين لم تتبنَّها حتى الآن أي جهة رسمية، مشيرا إلى أنه لا يستطيع الجزم بهوية الطرف المنفّذ. ولفت إلى أن مسؤولين في الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفوا مسؤولية طهران عنها، في حين وصفها بعضهم بأنها قد تكون “عملية راية كاذبة”.
وأشار الباحث الإيراني إلى أن طبيعة “الحرب الرمادية” تقوم على تبادل الرسائل بين الأطراف، سواء لإظهار القدرة على الضرب أو إثبات القدرة على الدفاع، معتبرا أن الإمارات ستعيد، على الأرجح، مراجعة حساباتها بعد هذه التطورات، إما بالاستمرار في النهج السابق أو باعتماد مقاربة مختلفة.
وختم عطاران بالقول إن الجهة القادرة فعليا على تحديد هوية المنفذ هي إما السلطات الإماراتية التي يُفترض أن تكون الرسالة قد وصلت إليها، أو الطرف الذي نفذ الهجوم نفسه. وأضاف أنه، ما لم تعلن جهة ما مسؤوليتها، فإن كثرة الفاعلين في الخليج ومضيق هرمز تجعل من الصعب الوصول إلى استنتاج قاطع، مشيرا إلى أن حتى احتمال ضلوع الولايات المتحدة بهدف تعميق الفجوة بين شمال الخليج وجنوبه يبقى واردا في إطار الاحتمالات النظرية، بانتظار ظهور معطيات أو نتائج أكثر وضوحا.
رد مدروس
من جهته، قال الباحث الإيراني المتخصص في الأمن الدولي عارف دهقاندار للجزيرة نت إن إعلان قبول المسؤولية أو نفيها يعود بطبيعة الحال إلى كبار المسؤولين في إيران، غير أنه شدد على أن طهران “لم تكن يوما تسعى إلى التوتر مع جيرانها”، وأنها مارست -بحسب تعبيره- قدرا كافيا من ضبط النفس حتى ما قبل “الحرب الأربعينية”.
وأضاف دهقاندار أن ما وصفه بـ”تصاعد الإجراءات العدائية الإماراتية”، بينها اللوبيات ضد إيران، والضغط على الإيرانيين المقيمين، ومصادرة الأصول، واستضافة شبكات استخباراتية إسرائيلية، جعل الإمارات -من وجهة نظره- أحد محاور العمليات المناهضة لإيران.
وأوضح أن هذه التطورات أسهمت في تشكيل تصور لدى المسؤولين في طهران بأن الإمارات باتت في صف الجهات التي تهدد الأمن القومي الإيراني، مؤكدا أن هذه الإجراءات “لم تغب عن أنظار المسؤولين”، وأنها ستلقى “الرد اللازم”.
وتابع الباحث الإيراني أنه بعد إغلاق إيران مضيق هرمز، وما وصفه بالحصار البحري بين إيران وأمريكا، باتت طهران تراقب بصورة طبيعية سلوك جيرانها، مشيرا إلى أن أي دولة تشكل مصدرا للتهديد أو تتعاون مع أمريكا في هذا السياق ستكون موضع متابعة، وستتلقى ردا متناسبا.
وختم دهقاندار بالقول إن إيران لا تسعى إلى التوتر أو الحرب، وتؤمن بالحفاظ على استقرار المنطقة، لكنه شدد في المقابل على أن “أي سلوك عدائي سيقابَل برد متناسب ومدروس”.
المصدر: الجزيرة