ربما لا تبدو وجبة من الدجاج المقلي وخبز الذرة والخضراوات المطهوة ببطء أكثر من قائمة مألوفة في مطعم أمريكي. لكن خلف هذه الأطباق تاريخا لا تختصره الوصفات: أفارقة نُقلوا قسرا عبر الأطلسي حاملين معارفهم الزراعية، وطهاة مستعبَدون أعدّوا موائد النخب، ونساء حوّلن مهارات المطبخ إلى مصدر رزق، وأسر حملت مذاق الجنوب إلى المدن الشمالية.
تلتقي بعض هذه الحكايات تحت اسم “طعام الروح” (Soul Food)، المرتبط بالتقاليد الغذائية للأمريكيين السود. غير أن إسهامهم في المطبخ الأمريكي يتجاوز هذا التصنيف؛ فقد شاركوا في تشكيل طرق الزراعة والطهو والتقديم، بينما نُسب جانب من إنجازاتهم إلى مالكي المزارع والبيوت التي عملوا فيها. وتوثق دراسة المؤرخة كيلي فانتو ديتز، “مقيّدون بالنار” (Bound to the Fire)، هذه الفجوة بين أصحاب المهارة ومن حصلوا على التقدير.

مذاق الجنوب وهوية السود
يجمع “طعام الروح” (Soul Food) أطباقا مألوفة على المائدة الأمريكية، منها الدجاج والسمك المقليان، والمكرونة بالجبن، واللوبيا ذات العين السوداء، والخضراوات الورقية، وخبز الذرة وفطيرة البطاطا الحلوة. لكن لا تشمل هذه التسمية جميع تقاليد الطهو لدى الأمريكيين السود، التي تختلف من منطقة إلى أخرى ومن أسرة إلى أخرى.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
وبحسب مؤرخ الطعام أدريان ميلر، تعود جذور هذا المطبخ خصوصا إلى الجنوب الأمريكي العميق، الذي حمل المهاجرون السود أطباقه إلى مناطق أخرى من البلاد. ومع اتساع استخدام كلمة “الروح” للتعبير عن الثقافة السوداء في الموسيقى وغيرها، امتدت إلى الطعام، لتمنح هذه الأطباق القديمة اسما يعكس ارتباطها بالهوية وذكريات الأسرة والموطن.
وتحتفظ مؤسسة سميثسونيان بكتاب “طهو طعام الروح” (Soul Food Cookery) لإينيز كايزر، الصادر في أغسطس/آب 1968؛ وهو شاهد مادي على تداول الاسم في تلك المرحلة، دون أن يعني أن الأطباق نفسها ظهرت في الستينيات.

المعرفة التي عبرت الأطلسي
لم يبدأ التأثير الأفريقي عند موقد المطبخ. ففي دراسة محكّمة نشرتها “مجلة التاريخ الأفريقي” عام 2001، بعنوان “الأرز الأفريقي في التبادل الكولومبي”، بحثت أستاذة الجغرافيا جوديث كارني انتقال المحاصيل والمعارف الزراعية من أفريقيا إلى الأمريكتين.
وتوضح كارني أن الروايات التي نسبت إلى الأوروبيين الدور الأساسي في نقل النباتات أغفلت إسهام الأفارقة في زراعة محاصيل عرفوها في أوطانهم وتكييفها مع البيئات الجديدة. وتركز دراستها خصوصا على دور المعارف الزراعية لغرب أفريقيا في زراعة الأرز، من إدارة المياه إلى أدوات معالجة الحبوب وطرق طهوها.
هذه القراءة تغير موقع المستعبدين في تاريخ الغذاء، فلم يكونوا مجرد قوة عمل تنفذ تعليمات أصحاب المزارع، بل حملوا خبرة تقنية وثقافية أسهمت في إنتاج الطعام نفسه. وتضع الدراسة البامية واللوبيا ذات العين السوداء ضمن المحاصيل ذات الجذور الأفريقية التي تدخل في هذا التاريخ الأوسع.
أبعد من بقايا موائد السادة
تتكرر رواية تقول إن “طعام الروح” نشأ عندما اضطر المستعبَدون إلى تحويل الأجزاء المرفوضة من موائد مالكيهم إلى أطباق شهية. تحمل هذه الرواية جانبا من الحقيقة، لكنها تصبح مضللة عندما تُقدم تفسيرا وحيدا لمطبخ كامل.
ففي مقال يستند إلى شهادات أشخاص عاشوا العبودية، يوضح الباحث بمؤسسة سميثسونيان كريستوفر ويلسون أن المستعبَدين في المنطقة الساحلية المنخفضة بكارولاينا وجورجيا لم يأكلوا حصريا أجزاء الخنزير التي رفضها مالكوه. وكان موسم الذبح يتيح أحيانا تناول كميات إضافية من الأجزاء التي تعذر حفظها.
ولا ينفي ذلك الحرمان أو الجوع؛ إذ تختلف الشهادات بشأن كفاية الغذاء. لكنه يمنع تعميم تجربة واحدة على مناطق وأزمنة متعددة. والأهم أن اختزال هذا المطبخ في البقايا يحجب مهارات إعداد الطعام وحفظه، والتقاليد التي حافظت عليها المجتمعات السوداء وسط ظروف القسر.
المعكرونة بالجبن والطاهي خلف الرئيس
لم تبدأ المعكرونة بالجبن، المعروفة باسم “ماك آند تشيز” (Mac and Cheese)، في الولايات المتحدة؛ فقد كانت المعكرونة المخبوزة مع الجبن معروفة في أوروبا، وشائعة في فرنسا قبل وصول توماس جيفرسون إليها عام 1784. لكن حضورها على موائده الأمريكية ارتبط بطهاة مستعبدين، أبرزهم جيمس هيمينغز، الذي رافقه إلى باريس وتدرب هناك على فنون الطهو.
وُلد هيمينغز عام 1765 مستعبَدا، ثم أدار مطبخ جيفرسون وأعد وجبات للنخبة السياسية والاجتماعية الأمريكية. وبحسب مؤسسة مونتايسلو، يُرجح أنه تعلم إعداد المعكرونة بالجبن خلال تدريبه الفرنسي، ثم طبخها وقدمها في الولايات المتحدة، وأسهم على الأرجح في انتشارها. ورغم أنه لم يخترع الطبق، فإن ربطه بجيفرسون وحده يحجب إسهام الطاهي الذي أعده.
وحصل هيمينغز على حريته عام 1796 بعد تفاوض مع جيفرسون. وتكشف سيرته أن تاريخ الطعام الأمريكي لا يمكن روايته من خلال أذواق الرؤساء وحدها؛ فخلف موائدهم أشخاص امتلكوا التدريب والمهارة، وعملوا سنوات وهم محرومون من الحرية.
وفي زمن لاحق، أصبحت المعكرونة بالجبن من الأطباق المميزة لـ”طعام الروح”، واكتسبت مكانة على المائدة العائلية للأمريكيين السود. ولا يعني ذلك أن وصفاتها المعاصرة تنحدر جميعها مباشرة من مطبخ هيمينغز، لكنه يوضح كيف اكتسب طبق ذو جذور أوروبية تقاليد ومعاني جديدة داخل هذا المطبخ.

الدجاج المقلي من المطبخ إلى التجارة
يصعب منح شخص أو جماعة واحدة شهادة اختراع الدجاج المقلي الأمريكي. وتشير مجلة “سميثسونيان” إلى تداخل تقنيات طهو من غرب أفريقيا، وربما تقاليد اسكتلندية، في تطور نسخته الجنوبية، وإلى دور الطهاة المستعبدين في إتقانها.
وفي عام 1824، ظهرت وصفة للدجاج المقلي في كتاب “ربة البيت في فرجينيا” (The Virginia House-Wife) لماري راندولف. وتضمنت تقطيع الدجاج وتغطيته بالدقيق ورشّه بالملح، ثم قليه في دهن الخنزير حتى يكتسب لونا بنيا فاتحا. وتُعد من أقدم الوصفات الأمريكية المطبوعة المعروفة للطبق، لكن نشرها باسم راندولف لا يعني أنها ابتكرته؛ فقد سبقت الممارسة تدوين الوصفة.
ثم أصبح الطبق مصدر دخل لنساء سوداوات في غوردونزفيل بولاية فرجينيا، التي كانت محطة مهمة للقطارات خلال القرن التاسع عشر. ومع غياب عربات الطعام، بعن الدجاج المقلي والبسكويت والفطائر للركاب عبر نوافذ العربات، وأسهمن في شهرة المدينة بهذا الطعام.
وتكشف قصتهن كيف تحولت مهارات الطهو إلى مشروعات تجارية، وكيف شاركت النساء السوداوات في انتشار طبق أصبحت شهرته لاحقا أوسع من معرفة الجمهور بتاريخ صانعيه.

نساء تركن أسماءهن على الورق
ولم يقتصر حضور النساء السوداوات على بيع الطعام؛ فقد وثقت بعضهن خبراتهن في كتب حملت أسماءهن. ففي عام 1866 نشرت ماليندا راسل كتابا تعتبره مكتبة جامعة ميشيغان أقدم كتاب طبخ معروف ألّفه شخص أمريكي من أصل أفريقي، وتحتفظ الجامعة بالنسخة الوحيدة المعروفة منه.
وكانت راسل تدير متجرا للحلويات، لذلك غلبت المخبوزات والحلوى على وصفاتها. وذكرت أنها تعلمت مهنتها من طاهية سوداء اسمها فاني ستيوارد، وقدمت بذلك شاهدا على انتقال المعرفة بين نساء لهن أسماء وخبرات، لا مجرد وصفات مجهولة المصدر.
وفي عام 1881 نشرت آبي فيشر، التي عاشت مستعبَدة قبل التحرر، كتاب “ما تعرفه السيدة فيشر عن الطهو الجنوبي القديم” (What Mrs. Fisher Knows About Old Southern Cooking). وتوثق مكتبة الكونغرس انتقالها إلى سان فرانسيسكو، وتأسيسها أعمالا في تقديم الطعام وصناعة المخللات والمربى والمحفوظات. وتعيد قصتها إلى الواجهة طاهية وصاحبة عمل حققت نجاحا مهنيا، لا شخصية هامشية في مطبخ الآخرين.

لماذا بقيت الأطباق وغابت أسماء؟
تستند ديتز في دراستها التاريخية إلى آثار المطابخ وكتب الوصفات وسجلات المزارع. وتوضح أن الطهاة المستعبَدين أعدوا أطباقا معقدة تتطلب معرفة وعملا كثيفا، بينما حصل مالكوهم البيض غالبا على التقدير. وتشرح في مقال آخر كيف ساعدت الصور الإعلانية النمطية للطاهي الأسود المبتسم على إخفاء القسر والعنف وراء حكاية ضيافة جنوبية مريحة.
ثم حملت الهجرة الكبرى التقاليد الجنوبية إلى الشمال والغرب. وتوثق سميثسونيان انتقال الخضراوات المطهوة ببطء والبطاطا الحلوة وخبز الذرة والدجاج المقلي مع الأسر السوداء، التي حافظت على بعض أطعمة موطنها وعدّلتها في أحيائها الجديدة.
وتكشف حكاية “طعام الروح” أن ما نعده اليوم تراثا لا يصل إلينا منفصلا عن موازين القوة التي شكلته؛ فامتلاك المهارة لم يكن يعني امتلاك الحق في نسبتها إلى صاحبها. لذلك، لا يكتمل تاريخ المطبخ الأمريكي بمعرفة أصول وصفاته وحدها، بل بفهم من امتلك سلطة تدوينها وتحديد الأسماء التي تستحق أن تُذكر.
المصدر: الجزيرة