عقلك سلاح ذو حدين.. كيف تروض التفكير المفرط لصالحك؟

كثيرون منا يعانون من التفكير المفرط، تلك الحلقة المفرغة التي تترك حبيسًا بين زمنين: الماضي الذي تعيد اجتراره باستمرار دون فائدة والمستقبل الذي تخافه وترسم له أسوأ السيناريوهات التي قد لا تقع أصلًا.

وفقًا لعلم النفس فإن كسر هذه الحلقة المفرغة والخروج منها ليس بالأمر المستحيل، بل ومن الممكن أيضًا أن تستفيد من القدرات التحليلية التي يبديها دماغك أثناء عملية التفكير المفرط لتحويلها إلى طاقة إنتاجية.

الجذور النفسية للتفكير المفرط

يفسر علماء النفس التفكير المفرط بكونه هروب من مواجهة المشاعر غير المريحة، مثل القلق أو الخوف. فبدلًا من الإحساس بهذه المشاعر، ينشغل الدماغ بنشاط معرفي دائم يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأمان.

وتشير دراسات سلوكية إلى أن جذور هذه الظاهرة قد تمتد إلى الطفولة، خصوصًا لدى من نشؤوا في بيئات تفتقر إلى الأمان النفسي، حيث يقابل الخطأ بعقاب قاسٍ أو نقد مستمر. في هذه الظروف، يطور الطفل ما يعرف بـ”اليقظة المفرطة”، فيتعلم أن توقع الأسوأ وتحليل كل الاحتمالات هو وسيلته لتجنب الألم.

ومع مرور الوقت، تتحول هذه الاستجابة الدفاعية إلى نمط دائمٍ في طريقة التفكير. وعند البلوغ، يستمر الفرد في التعامل مع المواقف اليومية العادية وكأنها اختبارات مصيرية، ما يؤدي إلى استنزاف ذهنيٍ، وصعوبة في اتخاذ القرار.

frustrated young man yelling in anger against a blue background ; Shutterstock ID 2675608125; purchase_order: aj; job: ; client: ; other:
غالباً ما يكون التفكير المفرط نتاج طفولة افتقرت للأمان النفسي (شترستوك)

كيف نحول التفكير المفرط إلى طاقة إنتاجية؟

تجمع الأبحاث النفسية على أن التفكير المفرط ليس صفة شخصية راسخة، بل نمط ذهني مكتسب يمكن تعديله بالتدريب والوعي. الفكرة الأساسية هنا ليست إيقاف التفكير، بل إدارته وتوجيهه ليعمل لصالحك لا ضدك. وفيما يلي خمس استراتيجيات عملية تساعدك على تحويل التفكير المفرط من عبءٍ نفسيٍ إلى طاقة إنتاجية مفيدة:

1. التباعد المعرفي

بمعنى أن تنظر إلى أفكارك كمراقب خارجي وأن تضع مسافة بينك وبينها بدلًا من الغرق فيها. فالخطوة الأولى لإدارة التفكير المفرط هي فك الاندماج بينك وبين أفكارك.

إعلان

كثيرون يتعاملون مع أفكارهم وكأنها حقائق مطلقة أو أحكام نهائية عن الذات، بينما هي في الواقع مجرد نشاط ذهني عابر. مثلًا عندما تقول: “أنا فاشل”، فأنت تدمج هويتك بالكامل مع فكرة واحدة. أما حين تقول: “تراودني فكرة أنني فاشل”، فأنت تضع مسافة نفسية بينك وبين الفكرة، فتضعف سيطرتها عليك.

هنا يتحول التفكير من هجومٍ داخليٍ إلى مادة يمكن فحصها بهدوء. وهنا ننتقل إلى المرحلة التالية، وهي كيفية تحليل هذه الفكرة وتحويلها لطاقة إنتاجية. ينصح علماء النفس بخطوة بسيطة، ألا وهي: الكتابة.

إخراج الأفكار من الرأس إلى الورق يقلل الضغط على الذاكرة ويحول القلق الغامض إلى مشكلة محددة يمكن التعامل معها: ما المعضلة التي يحاول عقلي حلها الآن؟ دون أفكارك وأجب عن هذا السؤال البسيط، وهكذا تنقل التفكير من الاجترار إلى التحليل.

2. قاعدة “ثم ماذا؟”

أسئلة مثل “ماذا لو؟” هي الوقود الأساسي للتفكير المفرط، لأنها تفتح سيناريوهات بلا نهاية دون أن تمدك بأي إجابات. العقل بطبيعته يكره المجهول، وعندما لا يحصل على أجوبة حاسمة أو نهاية واضحة، يستمر في تدوير الأفكار والاحتمالات إلى ما لا نهاية.

الحل هو استبدال “ماذا لو؟” بسؤال عملي: “ثم ماذا سأفعل؟”. فبدلًا من التفكير: “ماذا لو فشلت؟”، انتقل مباشرة إلى: “ثم ماذا؟ سأتعلم، سأصحح، سأعيد المحاولة”.

بهذه الطريقة أنت تمد دماغك بخطة ولو بسيطة، تساعده من ناحية على التوقف عن اجترار الأفكار، كما تحول تفكيرك المفرط إلى طريق إيجابي تجد من خلاله مخرجًا لمشاكلك.

Close up portrait of tired stressed Indian man having headache feeling sick sitting at home. Man fired from work. Depression, pain, overwork concept ; Shutterstock ID 2126433518; purchase_order: aj; job: ; client: ; other:
خصص يومياً “وقتاً للقلق” للحد من تدفق أفكارك على مدار اليوم (شترستوك)

 3. التمييز بين التفكير النافع والتفكير الضار

ليس الهدف التخلص من التفكير، بل تصنيفه والاستفادة منه. فهناك تفكير يساعدك على التقدم، وتفكير يستنزفك دون فائدة. والفرق بينهما أن التفكير النافع، عادة ما ينتهي بقرار أو خطوة عملية. أما التفكير الضار، فيدور حول نفس الفكرة دون نتيجة، ويغذي القلق فقط.

المعيار الحاسم هنا هو السؤال: هل يقودني هذا التفكير إلى خطوة نحو الأمام؟ إذا كانت الإجابة نعم، استمر. وإذا كانت لا، فأنت فيجب أن تدرك أنك عالق في حلقة اجترار الأفكار ويجب أن تخرج منها.

كيف تحول التفكير النافع لطاقة إنتاجية؟ عندما تربط أفكارك بالفعل، حتى لو كان فعلًا صغيرًا. فالإنتاجية تبدأ بخطوة عملية، لا بإجابات مثالية.

4. تخصيص وقت للقلق

التفكير المفرط يصبح مدمرًا عندما يكون بلا حدود زمنية. الحل ليس منعه، بل تنظيمه.

خصص 10 إلى 15 دقيقة يوميًا لتفكر بكل ما يقلقك وتكتبه بحرية. خارج هذا الوقت، إذا ظهرت فكرة مزعجة، أجلها بوعي إلى “موعد القلق”. العقل يتعلم هنا أن القلق ليس شعورًا مسيطرًا عليك طوال اليوم، بل نشاطًا له وقت محدد. هذا يقلل من التشتت ويوفر طاقتك للتركيز والعمل.

5. قاعدة “القرار الجيد بما يكفي”

لكي تتحول من الاجترار السلبي إلى الإنتاجية الفعالة، يجب أن تتحرر من فخ الكمال، فهو أحد أخطر محركات التفكير المفرط.

الرغبة في القرار المثالي تجعل العقل يرفض أي خيار “غير كامل”، فيبقى عالقًا في التحليل. الحل هو تبني مبدأ فعال: القرار الجيد الآن أفضل من القرار المثالي المؤجل.

حدد وقتًا واضحًا لاتخاذ القرار، وبعده التزم بما اخترت. هذا التدريب يعيد برمجة العقل على الحسم بدلًا من الدوران. هكذا تنتقل من التفكير إلى التنفيذ، ومن الاستنزاف إلى الإنجاز.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة