فايننشال تايمز: لماذا عاد العالم إلى تخزين الغذاء مجددا؟

بعد عقود من الاعتماد على التجارة العالمية والثقة بالأسواق المفتوحة، تشهد الدول من أوروبا الشمالية إلى آسيا عودة متسارعة إلى سياسات تخزين الغذاء الإستراتيجية، في ظل تفاقم الأزمات الدولية وتغير المناخ وتزعزع القواعد العالمية.

وأوضح تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز أن موجة التخزين الحالية هي نتاج صدمات كبرى متتالية: جائحة كورونا التي كشفت هشاشة سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا التي عطلت أحد أهم مصادر الحبوب عالميا، وتصاعد النزاعات في غزة وفنزويلا وإيران، إضافة إلى تقلبات المناخ وتسييس التجارة الدولية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2أزمة قضائية بين رئيسي ملاوي المغادر والجديد بسبب 4 كلاب
  • list 2 of 210 محطات خلال 200 عام من تاريخ صحيفة لوفيغارو الفرنسية

end of list

تزعزع الأسواق العالمية

وترى الصحيفة أن هذه العوامل أعادت رسم حدود الثقة بالأسواق، وأطلقت صافرات إنذار لدى الساسة بأن السلام ليس دائما والحيطة واجبة، بينما حذر اقتصاديون وتجار من “تسليح” مخزونات المواد الغذائية وتحويلها إلى أداة ضغط سياسي.

ورغم أن معظم الدول تخلت عن سياسات تخزين الحبوب بعد الحرب الباردة، فإن فنلندا حافظت عليها منذ 1726، مما جعلها اليوم تبدو “استباقية” مقارنة بجيرانها، بحسب مراسلة الصحيفة سوزانا سافاج.

KYIV, UKRAINE - MARCH 01: Employees stockpile food at the Okhmadet Childrens Hospital on March 01, 2022 in Kyiv, Ukraine. Russian forces continued their advance on the Ukrainian capital as the country’s invasion of its western neighbour entered its sixth day. Intense battles are also being waged over Ukraine’s other major cities. (Photo by Chris McGrath/Getty Images)
الحرب في أوكرانيا دفعت العديد من الدول في القارة إلى العودة لتخزين الغذاء (غيتي)

ونقلت المراسلة عن ميكا إيلومكي، من وكالة الإمدادات الطارئة الفنلندية، أن بلاده لم تتخلَّ عن المخزونات “لأنك لا تعرف أبدا ما الذي قد يحدث”، مشيرا إلى أن عدة دول بدأت تتبع سياسات مشابهة.

وأكدت فايننشال تايمز أن أحد أسباب هذا التوجه هو أن الثقة التي سادت منذ تسعينيات القرن الماضي في القواعد التي تحكم التجارة العالمية بدأت تتآكل، في ظل سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب “العدائية”.

وأوضح فريدريك نيومان، كبير اقتصاديي آسيا في بنك “إتش إس بي سي”، أن الاعتقاد بإمكانية اللجوء الدائم إلى الأسواق العالمية في أوقات الأزمات لم يعد قائما في ظل التوترات القائمة.

إعلان

وأضاف أن تحركات دول الشمال الأوروبي باتت “مؤشرا على ارتفاع المخاطر الجيوسياسية”، محذرا من أن الغذاء قد يصبح “أحد أوائل ضحايا السياسات الحمائية الناتجة”، وأن التدخل الحكومي، بمجرد أن يبدأ، يصعب التراجع عنه، وله آثار عالمية.

SUKKUR, PAKISTAN - AUGUST 27: Farmers transport crops from their respective homes to the other side of the flooded river embankment to sell their produce to middlemen who will resell the crop at a market in the city on August 27, 2024 in Sukkur, Pakistan. Villagers have been cut off from roads, the city and access to essential services. A boat taxi service is a lifeline for families to access schools, hospitals, basic alimentation, crops and livestock. Agriculture is the sole income for most families in this region. Annually, the Indus River expands for at least 10km on each side due to rain and melting glaciers in different parts of Pakistan and neighbouring countries, causing floods in the lower course of the river. The Indus River is a transboundary river of Asia running through Pakistan and the most important water resource to the Punjab and Sindh plains. Massive floods have recently impacted millions in South Asia where torrential rains have caused flash floods and landslides with several rivers overflowing and major dams at risk. The large economic disparities in the South Asia region have only magnified the sufferings of the most vulnerable and marginalized communities, with a large death toll and displacement figure year on year. In Pakistan, at least 242 people have lost their lives from July 1 to August 24, 2024. (Photo by Elke Scholiers/Getty Images)
التغير المناخي يعد من أكبر عوامل عودة الدول إلى تخزين الغذاء (غيتي)

عامل المناخ

وأشارت الصحيفة إلى أن المناخ سبب آخر لهذه السياسات. فوفق تقرير للبنك الدولي في أبريل/نيسان 2025، أصبحت الصدمات المناخية من أكبر مسببات تدخل الدول في أسواق الغذاء.

ففي مصر، رفعت الحكومة طاقة التخزين إلى نحو 6 ملايين طن، بما يغطي أكثر من 6 أشهر من الاستهلاك، لمواجهة تراجع الإنتاج المحلي وتقلبات الأسعار بسبب المناخ، بحسب التقرير.

وفي البرازيل -يتابع التقرير- أنفقت الحكومة نحو 100 مليون دولار على التخزين العام الماضي، خاصة بعد فيضانات 2024. وتعمل الآن على إعادة بناء المخزونات الغذائية الحيوية مثل الذرة والأرز، بهدف مواجهة تقلبات الأسعار والظروف المناخية القاسية.

أوروبا

وبسبب هذين العاملين بدأت الدول حول العالم في تغيير سياساتها الغذائية، وفق الصحيفة.

ففي أوروبا الشمالية، بدأت النرويج إعادة بناء احتياطيات الحبوب لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة، حيث نسقت الحكومة مع شركات خاصة لتخزين نحو 30 ألف طن من القمح خلال عامي 2024 و2025.

A farmer harvests wheat, as the country's major grain exchanges forecast a record 2025/26 wheat crop for Argentina, one of the world's top grain suppliers, in Benito Juarez, Argentina, December 26, 2025. REUTERS/Martin Cossarini
النرويج عاودت بناء احتياطيات الحبوب لأول مرة منذ نهاية الحرب الباردة (رويترز)

أما السويد، فقد خصصت في ميزانية 2026 نحو 575 مليون كرونة سويدية (63 مليون دولار) لإعادة إنشاء مخزونات غذائية طارئة ضمن إستراتيجية “الدفاع الشامل”، التي تلزم جميع المواطنين والقطاعات الحيوية بالمساهمة في تأمين صمود الدولة أمام الحروب والأزمات.

وقالت سارندا داكا، المسؤولة عن مشروع التخزين في مجلس الزراعة السويدي، للصحيفة، إن القرار يعد من أكبر الاستثمارات في البلاد منذ خمسينيات القرن الماضي.

وأوضحت أن السويد فككت نظام التخزين بعد انضمامها للاتحاد الأوروبي عام 1995، انطلاقا من قناعة أن “الحرب لن تعود إلى أوروبا”، لكنها اليوم تعيد بناءه بعد الغزو الروسي لأوكرانيا وانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) في 2024.

وفي ألمانيا، أعلنت وزارة الزراعة أنها تراجع مخزونها الطارئ للغذاء، الذي يبلغ نحو 100 ألف طن وتكلفته السنوية 25 مليون يورو (نحو 27 مليون دولار)، مع توسيعه ليشمل أغذية جاهزة للاستهلاك، مثل المواد المعلبة، بحسب التقرير.

UBON RATCHATHANI, THAILAND - NOVEMBER 13: An aerial view of farmers harvesting rice by hand on Banjong Panin's rice farm in the Ban Don Mu Village on November 13, 2023 in Ubon Ratchathani, Thailand. In 2023, Thailand aimed to increase rice exports to 8 million tonnes by 11.9% due to an export surge caused by an El Niño-induced drought, India's rice export restrictions, and reduced production in China. In anticipation of a 2024 drought, the Thai government encourages rice storage by offering incentives and loans. The government has allocated around 55 billion baht to stabilize prices and provide loans, allowing farmers to defer sales for up to five months. The farming community in Ban Don Mu Village, located in Northern Ubon Ratchathani, Thailand's largest rice-producing province, employs sustainable rice-growing methods, relying on manual labor and a shared tractor for the entire village. (Photo by Lauren DeCicca/Getty Images)
احتياطات الأرز في الهند وصلت لمستويات عالية تاريخيا (غيتي)

آسيا

وفي آسيا، ترى فايننشال تايمز أنه تم “تسييس” مخزونات الغذاء لتصبح أداة سياسية واقتصادية، لا تقتصر إدارتها على هدف تأمين الشعوب في وقت الأزمات.

ولفتت الصحيفة إلى أن احتياطات الأرز في الهند بلغت أعلى مستوياتها التاريخية، لتصل في ديسمبر/كانون الأول 2025 نحو 58 مليون طن، بزيادة 12% عن العام السابق.

وتستخدم الحكومة هذا المخزون للسيطرة على الأسعار محليا، فإذا ارتفع السعر على المواطنين، تضخ الحكومة هذه الحبوب في الأسواق لخفض الأسعار وضمان استقرار المجتمع، وعندما تضطرب الأسواق العالمية، تمنع الهند تصدير الحبوب لتأمين نفسها، بحسب الصحيفة.

إعلان

ويقدّر الدكتور أليشر ميرزاباييف من المعهد الدولي لأبحاث الأرز تكلفة هذه السياسة بنحو ملياري دولار سنويا، محذرا من كلفتها المالية المرتفعة رغم دورها في الأمن الغذائي.

بنغلاديش عززت تمويل الاحتياطيات الإستراتيجية بعد فيضانات متكررة في 2024 و2025 (الأوروبية)

وترى الصحيفة أن إندونيسيا تتبع نهجا مشابها للهند، إذ رفعت جاكرتا مخزوناتها -عبر وكالة “بولوج” الحكومية- إلى قرابة 4 ملايين طن بحلول سبتمبر/أيلول 2025، أي ضعف مستواها قبل عام.

الخطر الأكبر لا يكمن في سياسة بعينها، بل في “سلسلة ردود الفعل” الناتجة حول العالم.

وفي بنغلاديش، تتابع الصحيفة، عززت الحكومة تمويل الاحتياطيات الإستراتيجية لتشمل الوقود والأسمدة والزيوت إلى جانب الحبوب، وذلك لتأمين احتياجاتها بعد فيضانات متكررة في 2024 و2025 أضرت بمحاصيل الأرز.

وفي الصين، زادت ميزانية تخزين الحبوب والزيوت بنسبة 6.1%، لتصل إلى نحو 132 مليار يوان (18 مليار دولار)، مع تأكيد الحكومة على عملها نحو تأمين الإمدادات.

FILE PHOTO: Prices of food are displayed at the Borough Market as the UK inflation rates fall by less than expected in London, Britain May 22, 2024. REUTERS/Maja Smiejkowska/File Photo
الخطر الأكبر لا يكمن في سياسة بعينها بل في “سلسلة ردود الفعل” الناتجة حول العالم والآثار على الأسعار (رويترز)

تحذيرات

غير أن التوجه العالمي نحو تخزين الغذاء يثير انقساما حادا بين الحكومات والاقتصاديين، بحسب الصحيفة، فبينما تعتبره الدول إجراء وقائيا مشروعا، يحذّر خبراء من أن تخزين عدد كبير من الدول الغذاء في الوقت نفسه قد يؤدي لنقص المبيعات عالميا ويرفع الأسعار، مما يضر بالدول الفقيرة المستوردة للغذاء.

وخلصت فايننشال تايمز إلى أن الخطر الأكبر لا يكمن في سياسة بعينها، بل في “سلسلة ردود الفعل” الناتجة حول العالم.

وأوضحت أن حماية عدد محدود من الدول القوية غذاءها قد يدفع الآخرين إلى تقليدها، ما يهدد استقرار النظام الغذائي العالمي، حتى في عالم ينتج ما يكفي من الغذاء نظريا.

 

المصدر: الجزيرة