في غزة.. سرطان الثدي ينهش أجساد النساء والعلاج ينتظر الإذن بالعبور

غزة- على أرض ملعب العنان وسط قطاع غزة، تتقاذف فتيات مبتورات الأقدام الكرة، يتكئن على عكازات بكل ما بقي لهن من قوة واتزان، يركضن نحو المستديرة يبحثن عن فرصة لتمريرها، لا يعيقهن في ذلك عجز ولا إصابة.

أما على أطراف الملعب، فتلاحق المصورة الرياضية نيللي المصري المشهد بعدستها، تركض تارة وتقرفص أخرى، لتلتقط تفاصيل المباراة وحكايات التحدي التي تحملها المشاركات فيها.

قصص مقترحة

list of 2 items

  • list 1 of 2من الإنسولين إلى أدوية السرطان.. نقص العلاجات الأساسية يفاقم الأزمة الصحية في غزة
  • list 2 of 2إسرائيل التي تأكل نفسها.. هل يكون بن غفير هو مستقبلها؟

end of list

لكن التحدي الذي توثقه نيللي في الملعب ليس بعيدا عن حكايتها، فقد اكتشفت قبل أيام فقط إصابتها بسرطان الثدي، وبدأت تواجه امتحانا آخر لم تكن تتوقعه.

تعمل نيللي مصورة إعلامية متخصصة في الصحافة الرياضية، كما تعمل مدربة رياضية في أحد الأندية في غزة، وتقول للجزيرة نت: “لاحظت كتلة صلبة في جانب صدري ورجحت أن أكون قد حملت أوزانا أثقل من قدرتي أو أديت تمرينا بطريقة خاطئة، تجاهلت الأمر، لكن عندما لم تختفِ الكتلة قررت التوجه إلى المستشفى”.

وبعد رحلة تشخيص استمرت أسابيع، تأكدت إصابتها بسرطان الثدي، لتترنح بين القلق من رحلة علاجية لا تعرف تفاصيلها بعد، والإصرار على ألا يتحول المرض إلى ما يعطل حياتها أو يوقفها عن العمل.

لكن هاجسا آخر ظل يرافقها؛ فبحكم عملها الصحفي، تعرف حجم النقص في الأدوية والإمكانات الطبية في غزة، وتدرك أن معركتها لا تتعلق بمواجهة المرض وحده، بل أيضا بإمكانية الحصول على العلاج.

لذا فهي تسعى إلى التقدم بطلب تحويل طبي للعلاج خارج القطاع، وتواصل ممارسة حياتها دون تجميدها بسبب خبر الإصابة.

جرعات منتهية الصلاحية واستئصال أوسع.. كيف يُعالَج مرضى سرطان الثدي في غزة؟
الحرب في غزة أضعفت إمكانات تشخيص سرطان الثدي وعلاجه (الجزيرة)

إمكانات محدودة

نيللي امرأة من بين 947 مصابة بسرطان الثدي بحسب ما كشفته وزارة الصحة للجزيرة نت، وهن ضمن 11 ألفا و230 مريضا بالأورام في غزة.

ويقول المدير الطبي لمركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى للجزيرة نت إن الحرب أضعفت إمكانات تشخيص سرطان الثدي وعلاجه.

إعلان

قبل الحرب، كان القطاع يضم نحو 20 جهازا للماموغرام، لكن لم يبق منها اليوم سوى 3 بإمكانات محدودة. كما يتعذر إجراء بعض الفحوص النسيجية اللازمة لتحديد خصائص الورم، ومنها فحوص مستقبلات الهرمونات.

ويضيف أبو ندى أن نحو 40% من مرضى السرطان يحتاجون إلى العلاج الإشعاعي، وهو غير متاح في غزة. ويؤثر غيابه في قرارات جراحية؛ إذ قد يضطر الأطباء، في حالات معينة، إلى استئصال الثدي كاملا بدلا من إزالة الورم وحده، خشية تعذر استكمال العلاج الإشعاعي بعد العملية.

أما العلاج الكيمياوي، فيقول أبو ندى إن نقص الأدوية يدفع الأطباء إلى البحث عن بدائل، منها اضطرارهم في بعض الحالات إلى استخدام أدوية منتهية الصلاحية بعد الرجوع إلى الجهات الصحية المختصة، وهو ما يضع مرضى الأورام أمام احتمالات صعبة بشأن استكمال علاجهم.

سرطان الثدي - غزة KHAN YUNIS, GAZA, PALESTINE - OCTOBER 06: Palestinian health workers provide breast cancer screening and diagnostic services at Nasser Medical Complex in Khan Yunis, southern Gaza Strip, Palestine on October 06, 2026. As Israel's attacks on the Gaza Strip mark their third year on October 07, numerous health facilities have been targeted, leaving the health system largely nonfunctional and severely disrupting the diagnosis and treatment of breast cancer patients. During October, observed as Breast Cancer Awareness Month, 78% of radiology and medical imaging equipment in Gaza is out of service, while only five of the 14 mammography machines available before the war remain operational. At Nasser Medical Complex, only one mammography machine is currently functioning. Shortages of medicines and difficulties in maintaining and repairing medical equipment are further limiting opportunities for the early diagnosis and treatment of breast cancer. (Photo by Abdallah F.s. Alattar/Anadolu via Getty Images)
حالات سرطان الثدي المسجلة سنويا في غزة تراجعت من 360 قبل الحرب إلى 260 عام 2025 (الأناضول)

ويقدر أبو ندى أن نقص الأدوية ارتفع من نحو 50% قبل الحرب إلى ما بين 70% و80% حاليا وفق تقديره، ويشمل ذلك أدوية كيمياوية ومسكنات وأدوية مناعية.

ويشير إلى أن الحرب أثرت كذلك في الكوادر المتخصصة، مع استشهاد أطباء وعاملين في المجال الطبي، ومغادرة آخرين القطاع أو اعتقال بعضهم، وهو ما انعكس على خدمات تشخيص الأورام وعلاجها، بما فيها فحوص الأنسجة.

وكانت غزة تسجل نحو 360 حالة جديدة من سرطان الثدي سنويا قبل الحرب وفق أبي ندى، مقابل 250 حالة عام 2024 و260 عام 2025.

لكنه يعزو تراجع الحالات المسجلة إلى صعوبة وصول كثير من النساء إلى الخدمات الصحية، فضلا عن تضرر أنظمة تسجيل المرضى ومتابعتهم.

غير أن المريضات اللواتي يتمكن من الوصول إلى مراكز العلاج، يجدن أنفسهن أمام رحلة أخرى من الانتظار ونقص الإمكانات.

جرعات تتعثر في الممر

من المستشفى التركي الكبير والنوعي المتخصص الذي يرتاده المرضى من شمال القطاع إلى جنوبه لعلاج الأورام المتخصصة، انتقلت هذه الخدمات إلى مبنى مؤقت صغير (بركس) داخل مجمع الشفاء الطبي، مكون من عدة غرف صغيرة وممر ضيق، يجمع من ينتظر الجرعات ومن يتلقاها.

هناك التقت الجزيرة نت السيدة زينب عنبر التي كانت تتلقى جرعات العلاج الكيمياوي. كان الوقت الساعة الواحدة ظهرا، لكن السيدة قالت إنها جاءت من مخيم الشاطئ السابعة والنصف صباحا لتلحق بالحافلة المخصصة لنقل مرضى السرطان إلى مجمع الشفاء.

وكانت زينب قد خضعت لعملية استئصال الثدي، وأُزيلت منها ثلاث عقد لمفاوية. وتقول إن الفحص أظهر إصابة إحداها، وإن الطبيب أوصى باستئصال الثدي كاملا في ظل غياب العلاج الإشعاعي. وتضيف أن تكلفة العملية بلغت نحو 5 آلاف شيكل (نحو 1350 دولارا).

لكن انتهاء العملية لم يكن نهاية رحلة العلاج؛ فبعد أن أكملت أربع جرعات من العلاج الكيمياوي الأبيض، كان يفترض أن تنتقل إلى أربع جرعات أخرى من العلاج الأحمر وفق خطتها العلاجية.

غير أنها فوجئت بعدم توافر الدواء في غزة، وأصبحت تواجه احتمال تعثر استكمال الجرعات المقررة لها.

سرطان الثدي - غزة GAZA CITY, GAZA, PALESTINE - OCTOBER 7: A breast cancer awareness campaign is held in camps housing Palestinian women displaced by Israeli attacks as part of 'Pink October' in Gaza City, Gaza, Palestine, on October 7, 2026. The campaign, carried out by the 'Samir Project,' provides women with information about breast cancer symptoms, prevention methods and the importance of regular checkups for early detection. (Photo by Doaa Albaz/Anadolu via Getty Images)
تباين مسارات علاج المريضات في غزة رغم محدودية الخيارات (الأناضول)

لكن الخيارات العلاجية المحدودة في قطاع غزة لا تدفع جميع المريضات إلى المسار نفسه. فالسيدة سوزان النحال ترفض تلقي علاج السرطان داخل غزة، وتتمسك بالحصول على تحويل طبي يتيح لها السفر إلى الخارج، رغم تطور المرض وانتقاله، بحسب ما تقول من الثدي إلى الرئتين.

إعلان

لا يتعلق رفض سوزان بالعلاج في حد ذاته، بقدر ما يرتبط بمخاوفها من عدم توافر الإمكانات اللازمة لاستكماله داخل القطاع. وهي تنتظر منذ نحو عامين تحويلها الطبي، من دون أن تتمكن من السفر، في حين يتزايد المرض وتزداد معاناتها.

قابلت الجزيرة نت سوزان في خيمتها المنصوبة في مخيم “بسمة أمل” المخصص لمرضى السرطان وسط غزة، الذي تعيش فيه 65 عائلة في كل منها مصاب واحد على الأقل بمرض السرطان.

تحاول سوزان استعادة شيء من ملامح حياتها السابقة، بترتيبها الأنيق للخيمة من الداخل، لكن لا يبدو أن بإمكان هذه التفاصيل أن تحجب الفارق الشاسع بين ما كانت عليه حياتها وما آلت إليه كما تقول.

“كان لدينا 10 شقق سكنية موزعة بين رفح وبيت حانون، قبل أن نفقدها بين تدمير بعضها وما بات يقع في مناطق داخل ما يُعرف بالخط الأصفر”، كذا تقول سوزان التي تعزو مرضها إلى انتكاسة حالتها النفسية بعد تبدل حالها في لحظة أصبحت بعدها لا تملك شيئا.

لا تزال مريضات سرطان الثدي في غزة يكابدن المرض تحت وطأة آثار الحرب، بين الواقع الذي فرضته صعوبة التشخيص، والخيارات الجراحية القاسية، والجرعات المفقودة، والتحويلات المنتظرة، والزمن الذي لا يرحم مقابل مرض يتفشى وانتظار إذن بالسفر.

 

المصدر: الجزيرة